احتل "النداء الخامس" الصادر عن اجتماع مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك نصرالله بطرس صفير المساحة الأكبر من نقاش الأوساط السياسية العاقلة أمس، التي لم تستطع إلا التفاعل معه بوصفه إعلاناً يضع النقاط فوق الحروف بصدق يداخله شعور بالمرارة إزاء ما آلت إليه الأوضاع اللبنانية والعلاقات اللبنانية ـ السورية، مرارةٌ حدّد البيان أسبابها الطويلة الموجبة بدقة.
والحديث هنا عن أوساط عاقلة ناقشت نداء المطارنة أمس، هو لتمييزها عن أوساط "غير عاقلة" أو "حمقاء" أو "نزقة"، ستسارع الى اتهام "النداء" بالتصعيد وبالتحريض وبمواكبة التحرك الدولي على مستوى مجلس الأمن وبالعداء لسوريا تالياً، وستعتمد خطاب التخوين والتهديد.. بينما تصف الأوساط العاقلة "النداء الخامس" بأنه نداء "الفرصة الأخيرة" انطلاقاً من مجموعة الحيثيات الآتية:
أولاً ـ لا يخرج "النداء" عن سياق المواقف التي أعلنها البطريرك من الاستحقاق الرئاسي منذ مدة طويلة وصولاً الى عظته يوم الأحد الماضي، رفضاً لتعديل الدستور ورفضاً لسحب الاستحقاق من دائرة "اللبننة" الفعلية. ولذلك هاجم "النداء" ما سماه "تعديل الدستور خلافاً للدستور" و"فرض التعديل من خارج البلاد بخفّة" و"تسخير المؤسسات الدستورية لإقراره" و"إكراه الوزراء والنواب على اتخاذ مواقف لا يريدونها". وليس في ذلك أي تصعيد بمقياس المواقف البطريركية السابقة في هذا الموضوع.
"لبننة" المخرج.. احتمال ممكن؟
ثانياً ـ من المؤكد ان البطريرك الذي قاد مجلس المطارنة الموارنة نحو إصدار هذا "النداء" يعلم ان التمديد لو جرى التمسك به سيمرّ في مجلس النواب عددياً. لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام احتمال حصول "صحوة" سيلزمها مخرج لو حصلت فعلاً، والمخرج في هذه الحالة لا يمكن إلا أن يكون لبنانياً. لذلك أكد "النداء" على الطلب من النواب أن "يبدوا رأيهم بحرية واضعين أمام ضميرهم مستقبل أولادهم دون مبالاة بما يلقون من تهديد ووعيد" على قاعدة ان "الانسياق مع التيار الجارف ما كان يوماً سبيلاً للخلاص بينما التزام جانب الاقتناع بالحقيقة هو سبيل الخلاص". وإذا كان "النداء" يعطي فرصة لهذا الاحتمال، أي احتمال الحاجة الى مخرج من "المأزق"، فإنه في الوقت نفسه لا يخلو من قناعة بأن على النواب أن يؤدوا واجبهم آخذين في الاعتبار هذه النصيحة البطريركية الثمينة. ومع انه لا يخص النواب الموارنة بالطلب، فمن المنطقي أن يكون النواب الموارنة في مقدم المطالبين بعدم "تعديل الدستور خلافاً للدستور".
وفي هذه النقطة بالتحديد، أي الخروج من المأزق بإسقاط التمديد في المجلس النيابي، يلتقي البطريرك مع الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط في "الفكرة" وليس في "الصيغة"، أي فكرة "لبننة" المخرج من المأزق، وإعطاء فرصة أخيرة لذلك.. مع العلم ان الصيغتين: استقالة الرئيس إميل لحود كما اقترح جنبلاط وإسقاط التعديل نيابياً كما يضمرُ "النداء" خاصة في حال كان النواب الموارنة أوفياء لمرجعيتهم، ان هاتين الصيغتين تبدوان ضمن المعطيات القائمة اشبه بـ"استحالتين".
ثالثاً ـ على ان ما تقدم بالرغم من أهميته لجهة ايمان البطريرك والمطارنة الموارنة بـ"اللبننة" حتى اللحظة "الأخيرة" بما في ذلك في مجال البحث عن مخارج لمأزق لم يصنعه سيد بكركي بل هو من صنع الغير، لا يلخّص كل مضمون "اللبننة" الذي يشدد عليه "النداء". ففي كل فقراته لا يبدو "النداء" مارونياً بل لبنانياً، خاصة عندما يتحدث بـ"ثقة" كاملة عن "شعور مشترك بين اللبنانيين مسيحيين ومسلمين"، ويلفت الى انه "كلما تقارب فريق إسلامي من فريق مسيحي أو تلاقت جماعة مسيحية وجماعة إسلامية جاء من يفرق بينهما بالتهديد والوعيد وهذا ما يحول دون قيام مصالحة شاملة تعيد الناس بعضهم الى بعض".
"اللبننة" هنا كما تشير إليها فقرات "النداء" ليست "العيش المشترك" الإسلامي ـ المسيحي فقط، بل هي الدينامية السياسية اللبنانية "الممنوعة" والتي لا تهدف إلا الى تجديد التسوية (المصالحة) اللبنانية ـ اللبنانية. ولذلك، فعندما ينعى "النداء" المحاولات "المجهضة" للتلاقي الداخلي، فإنما ينعى في حقيقة الأمر "لبننة" ما كان ممكناً أن توصل الاستحقاق الرئاسي الى المأزق الخطير تحت عنوان "مواجهة التآمر على الخط الوطني والقومي" باعتماد خيار لحود أو لا أحد.
سوريا في "النداء" النقد والتحذير.. والتسوية
رابعاً ـ ولدى التمعن جيداً في كلمات الفقرة التي تتحدث عن مسؤولية سوريا، تلاحظ الأوساط بدقة ان الكلام يتضمن النقد والتحذير كما يتضمن الوجهة المطلوبة للعلاقات اللبنانية ـ السورية. وفي النقد والتحذير يبرزُ "النداء" ان "الكلمة الأخيرة في لبنان ليست للبنانيين بل للسوريين" و"كأن لبنان أضحى إقليماً سورياً"، و"تحول اللبننة الى سورنة صافية لا يداخلها رأي لبناني"، بالإضافة الى نقد العديد من الممارسات السورية في لبنان. بيد ان الأهم هو ما يقوله "النداء" في ما يجب أن تكون عليه العلاقات بين لبنان وسوريا. وهنا يقول: "لا نريد أن نجاهر بالعداء لسوريا"، "نؤكد اننا لا نعتقد ان في لبنان من يضمر العداء لسوريا"، "المصلحة المشتركة تقضي بأن تقوم بين البلدين أصدق علاقات الاخوة والمودة"، "من حق الأخ على أخيه أن يحترم خصوصياته فلا يتدخل في شؤونه الخاصة ولا يعتبره قاصراً وان له عليه حق الوصاية"، "أن يقوم بين الأخوين تنسيق وتعاون مخلص". والنتيجة التي يهدف إليها محددة بوضوح تام: "أن يقوم في لبنان حكّام يجاهرون بهذه الحقيقة بوضوح للحكام في سوريا لتستقيم العلاقات".
وإذا كان "النداء" يبكي في فقراته السابقة على "لبننة" أجهضت كانت لولا قمعها ومنعها ستؤدي الى تسوية لبنانية ـ لبنانية متجددة، فإن الفقرة الآنفة تطرح في العمق تسوية لبنانية ـ سورية تقوم على "أصدق علاقات الاخوة والمودة والتنسيق والتعاون" من جهة في مقابل "احترام الخصوصيات والشؤون الداخلية" أي إبعاد العلاقة بسوريا عن "المصالح" بالمعنى الضيق للكلمة حيث لا علاقة لهذه "المصالح" بالسياسات الوطنية والاستراتيجية... من جهة ثانية.
وبكلام آخر، ترى الأوساط ان "النداء الخامس" جاء ليؤكد أمرين متلازمين، أولهما أن لا تسوية لبنانية ـ لبنانية ضدّ العلاقة بسوريا والمصالح المشتركة، وثانيهما أن لا مفر من تصويب مسار هذه العلاقات.. وكي يحصل ذلك لا بدّ من "حكّام في لبنان يجاهرون بهذه الحقيقة"، ما يعني ان الاستحقاق الرئاسي لو ترك لـ"اللبننة" التي يعنيها البطريرك لما كانت إلاّ تفاهماً لبنانياً ـ سورياً بديلاً من كل ما جرى.
البديل من التدويل المكلف
خامساً ـ وفي قناعة الأوساط السياسية العاقلة ان "النداء" المصاغ بـ"احتراف" بطريركي يطرح في اللحظة الحاسمة مخرجاً من السباق المحموم بين التمديد والتدويل أو التعريب. ذلك ان البطريرك ومن يدعم توجهاته مقتنعون تماماً بأن قرار التمديد هو الذي استدرج بحسابات غير مدروسة التدويل، أي التحرك الدولي في مجلس الامن، والذي إن اكتملت فصوله وضع لبنان وسوريا في مواجهة مع المجتمع الدولي.
وفي تقدير الأوساط انه إذا كان المخرج من المأزق مطلوباً لاعتبارات لبنانية قبل أي شيء آخر، فإن المخرج الذي يتمثل بتسوية لبنانية ـ سورية على الخلفيات التي يضعها "النداء"، تسوية تعيد فتح الآفاق السياسية وبديلة من الانغلاق الذي وضع البلد فيه، ان هذا المخرج الآن وليس غداً هو البديل من المواجهة مع المجتمع الدولي، والتي تبدو واقعة، وستكون كلفتها باهظة خاصة أن لا "قضية" تبررها.. وبدلاً من أن يكون السباق بين التمديد والتدويل لصالح الثاني في المعطيات القائمة فليكن السباق بين التسوية والتدويل لصالح الأولى. وتضيف الأوساط ان ثمة افتعالاً لا لبس فيه أبرزته أصوات في البلد خلال الأيام الماضية، لانقسام بين اللبنانيين، لا بل ثمة تحريض على الانقسام بين مؤيدين مفترضين لـ"الهجمة الدولية" على سوريا ومعارضين لها، في وقت من الواضح ان من يعلنون أنفسهم في مواجهة مع الهجمة والمؤامرة الخارجيتين هم من عجل بهما وان من يسمّيهم هؤلاء مؤيدين للهجمة أو مراهنين عليها هم في مقدم من يطرح نزع فتيلها. والأدهى ان "المواجهين" المفترضين لا ينتبهون الى ان افتعالهم انقساماً أو حضهم عليه يظهر البلاد بلا مناعة وبلا توافق حول المسلّمات الوطنية الرئيسية، ويبدون راغبين في الذهاب الى "المواجهة"... بانقسام!
صفير وجنبلاط
وإذ تلفت الأوساط الى ان "غير العاقلين" سيسارعون الى اعتبار ان "النداء الخامس" قدم "مضبطة الاتهام" اللبنانية الى مجلس الأمن أو انه "يبني" على التحرّك الدولي الجاري، تختم بالتشديد على ان أحداً في لبنان لا يرى مصلحته في "كباش" سوري ـ دولي من لبنان ومن خارجه، وان ما يطرحه البطريرك هو "مبادرة" بكل معنى الكلمة لتجنب "الورطة"، ملاحظة ان التقاطع بين البطريرك والزعيم اللبناني وليد جنبلاط كبير جداً في الرؤية الى "الحل"، وما طرحه جنبلاط قبل يومين بعد اجتماع "اللقاء الديموقراطي" يقع في الإطار نفسه حرصاً على الدستور والحريات والنظام الديموقراطي والعلاقات اللبنانية ـ السورية الصحية.. ولو لم ينسقا معاً هذا الطرح.
وتقول ان كبيرين من لبنان هما البطريرك وجنبلاط التقيا ليعبرا كل من موقعه عن "المعنى" نفسه باسم شريحة واسعة من اللبنانيين.. وهذا بحدّ ذاته مصدر تفاؤل ولو ان التفاؤل اليوم يعدّ ضرباً من..المغامرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.