8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط يقدّم الحلّ الوفاقي البديل من .. المأزق

لم يكن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط عندما دعا رئيس الجمهورية إميل لحود الى الاستقالة، في صدد "فشّة خلق" أو في معرض مواصلة حملته على التمديد على قاعدة موقفه ذي الشقين: رفض تعديل الدستور من جهة ورفض تولّي عسكري للحكم أو عودة هذا العسكري الى تولّي الحكم من جهة ثانية. كان وليد جنبلاط بدعوته لحود الى الاستقالة يقدم الحلّ الذي إن لم يتم الأخذ به، حصل المأزق "الأخير". كيف ذلك؟
من الواضح أن الزعيم الاشتراكي مقتنع بأن قرار التمديد للحود أدخل البلاد في ورطة كبيرة من ناحية ودفع سوريا نحو مشكلة كبيرة مع المجتمع الدولي من ناحية أخرى.
فعلى المستوى الداخلي، يعني التمديد للحود بلوغ الصراع السياسي ذروته، لأن المعارضة واسعة جداً ومختلطة طائفياً ولن "تستوعب" هذا القرار القهري الذي يمدّد للأزمة الوطنية بكل وجوهها، أما التلويح بخطر "الانقسام العمودي" من قبل التمديديين وفي طليعتهم السيد إيلي الفرزلي، أي بـ"الحرب الأهلية" بمصطلح آخر، تهويل لأن البلاد لم تشهد منذ زمن بعيد المستوى من التوحّد الذي تعيشه اليوم، حيث لا خلاف بين القوى الرئيسية الحية على مقاربة الأزمة الداخلية أو مقاربة العوامل الخارجية.
لذلك، من الطبيعي أن يكون طرح جنبلاط لاستقالة لحود في هذا السياق، مخرجاً من استعار الأزمة ببعدها اللبناني، وبداية الطريق نحو معالجة عواملها بوفاق وطني قلّ نظيره حول تشخصيها.
التمديد استهانة بالمعطيات الدولية
بيدَ أن ما يقوله جنبلاط بوضوح ما بعدَه وضوح هو أن استقالة لحود تُغني لبنان وسوريا عن مشكلة كبرى، لا بل أكثر من ذلك يعتبر جنبلاط أن قرار التمديد للحود "فخّ" وقعت فيه سوريا أو هي أوقعت فيه، وذلك من ضمن الحسابات الآتية:
أولاً ـ عندما اتخذ قرار التمديد الذي وضع في إطار "المواجهة" مع الولايات المتحدة وضغوطها، لم تُأخذ في الاعتبار على ما يبدو المعطيات الدولية كافة أو ردود الفعل الدولية المحتملة على هذا القرار.
ثانياً ـ وعلى ما يبدو، فإن التقدير كان ميّالاً الى اعتبار أن المواقف الدولية المعلنة قبل قرار التمديد لا تعدو كونها جزءاً لا يتجزّأ من الضغوط التي سرعان ما ستنكفئ عند حصول الأمر الواقع. كما أن التقدير هذا بدا مبنياً على فرضية أن هذه المواقف الدولية المعلنة إن هي إلاّ نتيجة تحريض محلّي لبناني يكفي "كسر" المحرّض عليها لتتوقف.
والحال، على ما يُفهم من قراءة جنبلاط للتطورات الدولية، أن ثمة استهانة حصلت بالواقع الدولي الى درجة أن قرار التمديد قدّم على طبق من فضّة ذريعة للقوى الدولية، ساهمت في جعل حتى فرنسا تبدو أكثر تشدّداً من أميركا حيال دمشق. وإذا كان واضحاً قبل قرار التمديد أن العلاقات السورية ـ الأميركية لم تكن سائرة نحو تسوية، بدليل أن قرار التمديد قيل فيه أنه تعبير عن عمق الأزمة بين دمشق وواشنطن، فإن الاستهانة تلك لم تكن في محلّها في وقت كان من الواضح تماماً أن "الوضع الدولي" يكمن لسوريا ليبدأ معها جولة تصفية حساب من أي مدخل كان.

المواجهة حاصلة.. إلاّ
ثالثاً ـ وأخذاً في الاعتبار المواقف الدولية بعد قرار التمديد، أي التدويل الحاصل على مستوى مجلس الأمن بأعضائه الدائمين، فان "المواجهة" التي كان يمكن تجنّبها واقعة فعلاً، لا سيما في ظل السباق الذي يبدو حاصلاً بين جلسة مجلس النواب لتثبيت التمديد بتعديل المادة 49 من الدستور من جهة وجلسة مجلس الأمن لاتخاذ قرار دولي في المسألة اللبنانية من جهة أخرى.
رابعاً ـ ولأن "المواجهة" تغدو "حتميّة" في ظل خط "اللاعودة" الذي يتبعه طرفا هذه "المواجهة"، سوريا ومجلس الأمن، يُصبح المخرج الوحيد منها لبنانياً أي أن يبادر لحود الى الاستقالة إنقاذاً للجميع من الورطة. وليس خافياً على هذا الصعيد أن الزعيم الوطني وليد جنبلاط يزن بعمق الكلفة على الصعيد السياسي وغيره التي ستترتّب على لبنان وسوريا، وهي الكلفة التي لا يستحق البلدان أن يدفعاها ثمناً لإغلاق الخيارات الرئاسية على لحود وحده، الأمر الذي يبقى مستغرباً في جميع الأحوال.
خامساً ـ ولأن وليد جنبلاط يعرّف نفسه حليفاً لسوريا، لا بل هو القائل أنه "متطرّف في تحالفه مع دمشق"، فإنه ينطلق من ضرورة نزع صاعق المواجهة، وعملياً فإن مطالبته باستقالة لحود، أي دعوته لحود الى "التضحية" لمصلحة لبنان وسوريا، لا تعدو كونها بداية الحل.
"وثيقة النقاط العشر"
وبُعد النظر الجنبلاطي
سادساً ـ من المستغرب جداً ألاّ يكون جرى الانتباه على أكثر من صعيد بما في ذلك في دمشق، الى "وثيقة النقاط العشر" التي طرحها جنبلاط عندما اعتقد أن ثمة مجالاً لـ"اللبننة" في سياق الاستحقاق الرئاسي. وفي هذه الوثيقة التي وضع لها عنوان "اللبننة العربية"، كان جنبلاط بعيد النظر في قراءته للوضع اللبناني الداخلي من ناحية وللوضع الإقليمي ـ الدولي حول لبنان من ناحية ثانية. وكان بعيد النظر في تقديره أن لا تسوية سورية ـ أميركية من مدخل الاستحقاق الرئاسي اللبناني، وإنّ مصير الاستحقاق يجب أن يتقرّر بتفاهم لبناني ـ سوري، أي أنه كان يرى بوضوح أن التمديد للحود لا يدفع واشنطن الى التسوية ولا يستدرجها إليها في وقت يعلم علم اليقين أن السياسة الأميركية لا تفتح مجالاً للتسويات، وهي لا "تشتري" عروضاً بل تضع شروطاً وتحدّد مطالب. لكنه في الوقت نفسه كان على اقتناع بأن بين التسوية السورية ـ الأميركية "المستحيلة" وبين المواجهة السورية ـ الاميركية ـ الدولية "غير الالزامية" في المدى المباشر على الاقل، ثمة "حل وسط" هو بالضبط التسوية اللبنانية ـ السورية التي شبّهها بالتسوية الشهابية ـ الناصرية في العام 1959 في "خيمة المصنع" آنذاك، والتي تضمن لسوريا مصالحها الاستراتيجية فعلاً وللبنان اختياراته الداخلية الحرة في آن، والتي تسقط من يد أميركا ورقة ضغط على سوريا من لبنان. وهذه التسوية ـ البديل لم يتم الأخذ بها، وهي التي تراعي المعادلة التي لا يتعب جنبلاط من التأكيد عليها، أي معادلة الالتزام الوطني والنظام الديموقراطي بالتوازي، وجرى التصرّف في المقابل على أساس "لحود أو لا أحد" ما اعتبره جنبلاط وآخرون "إهانة" للمجتمع السياسي اللبناني بكل تلاوينه، أو على أساس "مع لحود أو مع أميركا"، الأمر الذي لا يمتّ الى "الحقيقة" بصلة.
"مخرج" لا بديل منه
وأخذاً في الاعتبار أن التسوية ـ البديل التي صاغها جنبلاط في إطار "وثيقة النقاط العشر" تحت عنوان "اللبننة العربية"، أتت قبل اتخاذ دمشق قرار التمديد للحود، فإن ذلك يعني أنها صيغت قبل أن يحصل المأزق، ويعني أن الزعيم الوطني الذي يملك من المعطيات ما يجعله واثقاً بإمكان تحقيق وفاق وطني حول هذه الوثيقة، ويعني أنه لا يبحث عن مشكلة مع سوريا بل عن المصلحة اللبنانية ـ السورية المشتركة.
وبعد، وفي ضوء واقع أن جنبلاط في دعوته الى استقالة لحود إنما يقدّم "مبادرة الحل"، يبقى السؤال: هل ثمة فرصة لأن يتدارك الجميع المأزق قبل الإيغال فيه وهل يتم الاستدراك في "اللحظة" الأخيرة؟
وإذا كان الجواب عن هذا السؤال أشبه بالبديهي أي "لا" في ظل المعطيات القائمة بما في ذلك أن ليس معروفاً عن لحود حبّه لـ"التضحية"، أي إذا كان الحل الجنبلاطي يبدو استحالة في الظرف الراهن، فإنه يبقى "الحل الوحيد" الذي لا بديل منه حتى لو وقعت الواقعة، وهو بالمناسبة "حل لبناني" بمعنى قدرته على استقطاب معظم اللبنانيين الى جانبه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00