لم يكُن الموقف الذي أعلنه "حزب الله" أمس تأييداً لتمديد ولاية الرئيس إميل لحود ثلاث سنوات مفاجئاً للأوساط السياسية اللبنانية، على الرغم من الجهد الذي بذله خلال الفترة الماضية لـ"التمايز" عن التمديديين، وصولاً الى "الإخراج" الذي جعله آخر من يعلن هذا الموقف.
وفي نظر الأوساط السياسية، فإن حزباً جدياً وكبيراً مثل "حزب الله"، لم يكن في مرحلة التريّث في تحديد الموقف والسعي الى التمايز عن سائر الفرقاء على الساحة السياسية، "يمثّل" هذين التريّث والتمايز، أي أنه لم يكن يفتعلهما، على أساس أنه كان بلا شك يحسب حساب مصالحه السياسية. كذلك فإن قراره بتأييد التمديد مبنيّ على معطيات ومقدّمات لا يمكن القول أيضاً إنها مفتعلة ومفاجئة. كيف ذلك؟
أسباب التريث والتمايز
للتريّث والتمايز المشار إليهما أسبابهما برأي الأوساط. ولعلّ من بين هذه الأسباب أن "حزب الله" لا يرى نفسه حزباً عادياً، فهو المقاومة التي يحرص على "صورتها"، صورة الفريق الذي لا يقف في الصفّ متى أطلقت الصفّارة أولاً. ومن الأسباب أن "حزب الله" من موقعه المشار إليه آنفاً يرى نفسه "قوة ترجيحية" لأي خيار من الخيارات وليس طرفاً ملحقاً بمواقف آخرين ثانياً. والحزب يدرك بلا شك أن التمديد غير شعبي بما في ذلك لدى الجمهور الشيعي، وهو لا يستطيع تقديمه بوصفه مبادرة منه في وقت تعرف جماهير "حزب الله" أنها لم تحصل خلال هذا العهد ما يبرّر الحماس للتمديد، وتعرف أن الفساد الذي يعلن الحزب محاربته يضرب جذوره في صميم العهد ثالثاً. ويعلم الحزب أن ما تعرّض له منذ 27 أيار الماضي ليس من فعل فاعل بل هو رسائل وجّهها فريق العهد من وراء ظهره رابعاً. ويدرك الحزب أن الإعلان الصريح عن تأييد التمديد كان يقتضي تطوّراً دراماتيكياً يبرّر له تقديمه الى ناسه خامساً.
وفي اعتقاد الأوساط أنه يمكن الاسترسال أكثر من ذلك في تعداد الأسباب المحتملة للتريّث المتداخل بالتمايز، لكنها تكتفي بهذا القدر لإبداء التفهّم لأداء "حزب الله" ما قبل الجهر بتأييد التمديد منذ بضعة أيام.
اعتبارات الموقف الأخير
في المقابل، تعدّد الأوساط الأسباب التي لا تجعل قرار الحزب بتأييد التمديد مفاجئاً من وجهة نظرها. وفي هذا المجال تبدي اعتقادها أن في طليعة الأسباب عدم قدرته على مخالفة نفير التمديد، خصوصاً إذا كان قرار التمديد سورياً. ولذلك من وجهة نظر الأوساط أصل يتّصل بـ"التأسيس" وما تلاه من مراحل حيث كانت المقاومة بغطاء إقليمي، سوري بالدرجة الأولى، وحيث لم يكن نجاح المقاومة مفصولاً عن دور سوريا في تشكيل مقوّماته. وإذ تنقل الأوساط هنا عن مصادر ديبلوماسية عربية وغربية أن القيادة الإيرانية عندما فوتحت بـ"فكرة" التمديد للحود أو التجديد له، لم تبدِ حماساً للأمر لا بل حذّرت من عواقب السير فيه في ظلّ الأوضاع الإقليمية والدولية الضاغطة، تسجّل ان "حزب الله" المقيم إقليمياً على تقاطع سوري ـ إيراني لم يتلقّ مع ذلك إشارة معاكسة للموقف الذي عاد والتزم به.
وفي الأسباب التي لا تجعل قرار الحزب بتأييد التمديد مفاجئاً، ترى الأوساط نفسها أن "حزب الله" على الرغم من اقترابه في فترات عدة من "الداخل" اللبناني وقضاياه، واصل سياسة عدم إعطاء "الداخل" الوزن الذي يستحق. وتميل الأوساط الى الاعتقاد أن "حزب الله" كان يهتم في بعض الأحيان بـ"الداخل" من باب درء المشاكل، لكنه كان يرى أن "الداخل" يسيّره قرار كبير وأنه "ممسوك".. وان هذا "الداخل" لا يعدو كونه "تفاصيل"، ولذلك أدار علاقاته السياسية على أنها أشبه بـ"علاقات عامة" كما تقول.
أين الخطأ؟
إذاً، لا التريّث في تحديد الموقف والتمايز عن الآخرين يشكّلان افتعالاً ولا قرار تأييد التمديد أخيراً يشكّل مفاجأة من وجهة نظر الأوساط التي ترى مع ذلك أن "حزب الله" أخطأ في تغطية التمديد، وذلك للاعتبارات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ ان الحزب ومن موقعه كحليف قوي لسوريا لم يعطِ للقيادة السورية قبل اتخاذها القرار تقديره الحقيقي لمساوئ التمديد وعواقبه، أو انه لم يسعَ معها الى تقليب الأمور على وجوهها.
ثانياً ـ ان الحزب ومع كونه الحليف المميّز لسوريا وربما الأقرب إليها، لم يستطع تحاشي ما سعى الى تحاشيه أي أن يبدو "حزب التمديد".
ثالثاً ـ ان "حزب الله" بالغ مع المبالغين في اعتبار العهد الحالي ضمانة له وللمقاومة، وهو العارف قبل غيره وأكثر من غيره أن المقاومة في لبنان تقرّرها توازنات إٍقليمية وليس شخصاً، وهو على أي حال تجاهل "الداخل" اللبناني طويلاً لقناعته أن المقاومة لا يقررها الوضع اللبناني.. وهو العارف قبل غيره أيضاً أن "الداخل" يصبح ضرورة لـ"الحماية" في لحظة إقليمية ـ دولية محدّدة.
رابعاً ـ أن "حزب الله" ذو مصلحة "استراتيجية" في عدم جعل الاستحقاق الرئاسي محطة "مواجهة" مع الخارج الدولي، وفي عدم استدراج المشكلة معه لا بل "التبكير" بها، والإيحاء بالموافقة على أن الساحة السياسية مفروزة فعلاً بين داعم لسوريا ومعادٍ لها.
خامساً ـ أن "حزب الله" معنيّ بحماية علاقاته الدولية لا سيما على الصعيد الأوروبي، الفرنسي والإيطالي والبريطاني.
سادساً ـ ان "حزب الله" ذو مصلحة في أن تتشكّل من حوله "شبكة أمان" لبنانية تقيه من "غدرات الزمان"، وهي "شبكة" كانت ولا تزال قابلة للتشكّل.
سابعاً ـ يفترض أن "حزب الله" يعلم أنه يمكن أن يكون "ضحيّة" التمديد، في وقت قد ينقلب العهد الممدّد من خطاب "المواجهة" الى فعل "المساومة" مع الخارج الدولي، فيما كان من شأن ترجيح "لبننة" الاستحقاق أن يحصّن "الداخل" ضد الضغوط الأميركية وغيرها.
ثامناً ـ ويفترض أن يركّز خطاب "حزب الله" تجاه قضايا الداخل اللبناني لا سيما في عنواني الفساد والإصلاح، على مجمل أجنحة السلطة وليس في اتجاه واحد، كي يكون منسجماً وعلى قدر من الإقناع.
تفويت فرصة
وإذ تعتبر الأوساط نفسها أن الأسباب الآنفة تشكّل مجتمعة دواعي اعتبار أن "حزب الله" أخطأ... بداية لأنه لم يساهم في السعي الى تصويب وجهة الاستحقاق الرئاسي قبل أن يصل الى الاصطفاف الذي حصل، تلفت الى أنها ليست في وارد تحميل الحزب ما لا طاقة له على تحمّله أو ما لم يطق غيره احتماله أصلاً، لكنها تعتقد أن الحزب مع وعيها لاعتباراته وحساباته، لم يُعِر مصالحه السياسية الداخلية الاهتمام الذي تستحق، فجرى تفويت فرصة ثمينة لا يبدو معها "حزب الله" مفروزاً عن الآخرين بحدّة، بل جزءاً من "لبننننة" لا شك في أن محصلتها لا يمكن أن تكون موالية للغرب.. مضيفة أنه لم يعتمد في هذه المناسبة عقله السياسي الاستراتيجي الذي اشتهر به في مواجهاته مع إسرائيل.
قد يغضب "حزب الله" من هذه الملاحظات النقديّة وقد لا يعيرها أي اهتمام. بيدَ أن الأوساط تختم بالتشديد على أن ملاحظاتها صادرة عن حرص على الحزب وعن تقدير لمكانته واحترام لتضحياته.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.