8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التصعيد في وجه المواقف الدولية يستدرجُ التدويل وبديلُه تسوية لبنانية ـ سورية

كشفت وقائع الأسبوع المنصرم ان استعجال القيادة السورية حسم مصير الاستحقاق الرئاسي اللبناني تمديداً للرئيس اميل لحود ثلاث سنوات إضافية، أتى في سباق مع تطوّر دولي، أميركي وأوروبي، عبّرت عنه المواقف الأميركية والأوروبية المتسارعة الداعية الى انتخاب رئيس جديد للبنان وفقاً للدستور اللبناني الحالي والمحذّرة من عواقب تجاهل ما سمّته واشنطن وباريس ولندن "الإجماع" المعترض على تعديل الدستور والذي عكسته تصريحات المقامات الروحية والقادة السياسيين وممثلي المجتمع المدني. كذلك، بدا ان استعجال دمشق حسم خيار التمديد للحود، انما أتى لـ"قطع الطريق" أمام "كرة الثلج" لبنانية آخذة في التوسّع.
وهكذا، فمنذ الأحد في 22 آب وبعد عظة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الذي وجّه انتقاداً قاسياً الى ما سمّاه "المشاورات الجارية وراء الحدود"، تسارعت الخطوات السورية مِن المسارعة عبر "مصادر قريبة من دمشق" الى نفي وجود استشارات والحديث في المقابل عن لقاءات يجريها الرئيس بشار الأسد مع القيادات اللبنانية حول الوضع في المنطقة، الى قيام الرئيس لحود نفسه بحركة مشاورات مع فاعليات سياسية خلال يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، وتتويجه هذين اليومين ببيان الترشيح الى ولاية ثانية، وصولاً الى تحديد مواعيد لرئيسي مجلس النواب نبيه برّي ومجلس الوزراء رفيق الحريري في دمشق بعد إلغاء موعد الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، إنتهاء بـ"قرار" التمديد الذي كان ثمة حرص سوري على ترجمته فوراً في جلسة يوم السبت لمجلس الوزراء، تمهيداً لبت تعديل الدستور في جلسة عاجلة لمجلس النواب .
ان الاستعجال الذي أظهرته دمشق خلال الأسبوع الماضي، أظهر بما لا يدعُ مجالاً للشك ان مقولة "إبقاء الخيارات الرئاسية مفتوحة" قد سقطت دفعة واحدة وخلال ساعات، وان "اللبننة" أُطيحت، وان العاصمة السورية التي ذكرت مصادر قريبة منها انها تضع الاستحقاق الرئاسي عنواناً للمواجهة مع الولايات المتحدة، حسمت قرار التمديد للحود في المواجهة مع واشنطن.
الفرز الداخلي
وإذا كانت الأوساط السياسية المتابعة ترى في قرار التمديد للحود تعبيراً عن عمق الأزمة في العلاقة بين دمشق وواشنطن وعن انسداد قنوات الحوار بين العاصمتين، وتعتبر ان العاصمة السورية محقة في ملاحظة التصعيد الغربي ضدّها من مدخل الاستحقاق الرئاسي في لبنان، فإنها (الأوساط) تسجّل في المقابل عدداً من الملاحظات التي من شأن الإقرار بصحتها أن يقود الى استنتاج ان "قرار التمديد" رخو جداً في سباقه مع المعطيات محلياً وخارجياً.
أولاً ـ ليس خافياً على أحد بما في ذلك على دمشق ان "قرار التمديد" مثل موقفاً متعاكساً مع رغبة أكثرية سياسية ـ شعبية لبنانية عبرت عن نفسها بوضوح خلال الأسابيع القليلة الماضية.
ثانياً ـ ان "قرار التمديد" أحدث فرزاً مجانياً ضمن حلفاء سوريا. فالرئيس الحريري الذي عبر عن موقف اعتراضي على التمديد لم ينجح في اقناع دمشق بأن التمديد للحود مضّر بلبنان وبسوريا و"اضطر" الى تمرير التمديد عن غير قناعة به. والنائب جنبلاط الذي كان في طليعة الداعين الى "مواجهة" البرنامج الأميركي في المنطقة، لم يجد ان التمديد يخدم هذا التوجه، ولم ير مبرراً لـ"مسايرة" هذا الطلب السوري وهو الذي صاغ معادلة واضحة مفادها ان الديموقراطية لا تتناقض مع مقتضيات الالتزام القومي فاستمر معارضاً لـ"قرار التمديد". واذا كانت دمشق، على الرغم من الإطراء على البطريرك صفير على مدى الشهور الماضية، لم تتعامل معه بوصفه حليفاً مع أن مواقفه أتت تعلن رفضه تغطية الولايات المتحدة وخططها الاقليمية، فانها بـ"قرار التمديد" قطعت جسور العلاقة به. والى ذلك تضاف حقيقة ان عدداً من "عظام الرقبة" من بين المرشحين الرئاسيين ممن كانت لهم مواقف في مراحل معينة وضعتهم في تعارض مع بيئتهم، أصيب بـ"القهر" و"الإحباط"، وعبر عن ذلك بشكل واضح النائب مخايل الضاهر الذي في فورة غضب رأى ان التطوّر الأخير "حصل في ليلة لا ضوء قمر فيها".
استدراج التدويل باسم المواجهة
ثالثاً ـ واذا كانت سوريا محقة في ملاحظة الاتجاه الأميركي والغربي الى ممارسة مزيد من الضغوط عليها، فان الأوساط تسأل: هل كان من الحكمة قيادة الاستحقاق الرئاسي الى هذا المصير؟ ألم تكن المصلحة السورية ـ واللبنانية ـ تقضي بمواجهة الضغوط الخارجية بغير هذا الفرز في الوضع اللبناني؟ وهل يمكن مواجهة الضغوط أصلاً بواقع سياسي مرغم على أمره أم أن المصلحة كانت ولا تزال تفرض ترييحاً للوضع اللبناني؟ أم أن كل هؤلاء المعترضين على التمديد لا يمثلون شيئاً في مقابل قلة سياسية شعبية تقول في المجالس ما لا "تبخّر" به خارجها.
رابعاً ـ وإذ تلاحظ الأوساط ان قرار دمشق التمديد للحود اتخذ فيما كانت المواقف الدولية تتدفّق على نحو غير مسبوق، من الناطق باسم البيت الأبيض الأميركي الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك فوزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية، وصولاً الى وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر باسم الاتحاد الأوروبي، فان هذه الأوساط تسجل ان وضع قرار التمديد للحود في مواجهة الموقف الدولي، يشكل تصعيداً في وجه "المجتمع الدولي" بصرف النظر عن "الرأي" فيه، لم يسبق لدمشق ان لجأت اليه، خاصة انها اعتادت في مراحل سابقة على "مداراته" وعلى "اللعب على تناقضاته" وعلى "فصل" الأوروبي عن الأميركي. وتضيف الأوساط أن التمديد للحود في مواجهة مع "المجتمع الدولي"، يعني أن الضغوط ستزداد ولن تتراجع، لا بل أكثر من ذلك، أن هذا التصعيد عبر قرار التمديد للحود، يستدعي (أي يستجر) تدويلاً ليس من مصلحة لبنان وسوريا في جميع الأحوال. وذلك، وسط معلومات يجري تناولها في الأروقة الديبلوماسية عن تحريك لمجلس الأمن الدولي حول الموضوع اللبناني.
خامساً ـ وتقول الأوساط أن المشكلة ليست في الجانب العملي ـ التقني، أي أنها ليست في إمكان "تزميط" التمديد في مجلس النواب لأن ذلك يمكن أن يحصل، بل إن المشكلة تكمن في الجانب السياسي. وفي هذا الجانب السياسي أن دمشق من أجل التمديد للحود "ضحّت" بمجمل الفريق السياسي اللبناني سواء الجزء منه الحليف لسوريا أو الذي يتبنى قضايا مشتركة مع سوريا من جهة أو الجزء الذي أبدى باستمرار انفتاحاً على تطوير العلاقة بسوريا من جهة ثانية. كذلك، في الجانب السياسي أن دمشق تصّعد في وجه "المجتمع الدولي" في لحظة "استشراس" الدول النافذة في القرار الدولي، وعلى خلفية وضع لبناني عمّق قرار التمديد للحود أزمته.
التسوية اللبنانية ـ السورية لا تزال البديل
سادساً ـ وفي وقت من الواضح أن ليس ثمة تسليم لبناني بالتمديد للحود، وان المعارضة السياسية ـ الشعبية للتمديد ستواكب محطته الدستورية المتبقية في مجلس النواب وستليها، تؤكد الأوساط انها كانت ولا تزال مقتنعة بأن البديل من وضع لبنان السياسي في ظهر سوريا ومن التصعيد في وجه "المجتمع الدولي"، هو تسوية لبنانية ـ سورية تحفظ لـ"الداخل اللبناني" دوره بما في ذلك إمساكه بشؤونه من ناحية وتعزّز التنسيق اللبناني ـ السوري في مواجهة المرحلة الصعبة من ناحية أخرى. ذلك ان "الحد من الخسائر" وإبطال ذرائع الضغوط وتوفير مناخ من التماسك الداخلي... أمور برهنت التجربة انها ضرورية جداً لـ"مواجهة" الأخطار، و"اللبننة" اليوم أكثر من أي يوم مضى تشكّل ضمانة للبنان وسوريا، خاصة إذا كانت "لبننة عربية" و"ديموقراطية" كما قال الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، وكما ما فتئ البطريرك صفير يكرّر ولو بمصطلحات مختلفة، حتى يوم أمس في عظته الأسبوعية حيث حذّر من ذلك الإفراغ المتمادي لـ"الداخل" اللبناني.
وتختم الأوساط قائلة ان المسألة ليست مسألة تمرير التمديد للحود في المحطة الدستورية النيابية الأخيرة، بل المسألة في ما قبل ذلك وبعده، حيث جعلت التطوّرات الأخيرة دمشق نفسها مكشوفة تماماً في لبنان، في وقت كانت ولا تزال قادرة على تجنّب تصدّر الوضع اللبناني بمثل هذا الانكشاف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00