إذاً أعلن رئيس الجمهورية إميل لحود أنه يريد المنصب الكبير لنفسه ثانية، منهياً بذلك السطر الأخير من سيرته الذاتية التي كتب فيها أنه لم يطلب يوماً شيئاً لنفسه بل أتته كل "الأشياء" صاغرة!
"اللبننة" و"الخيارات المفتوحة"
ومع ذلك، فإن "الخبر" ليس هنا. انه في "معنى" هذا الإعلان، في سياقه وفي الدلالات.
أولاً ـ مع صدور بيان الترشيح عن بعبدا، يكون الانقلاب على مقولة "الخيارات الرئاسية المفتوحة" التي جرى إشغال الرأي العام والمجتمع السياسي بها طيلة أيام، قد وقع فعلاً، ويكون آخر من تحدّث بها بقليل من "الفصاحة" أي نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي قد "خدم عسكريّته" لأقلّ من أربع وعشرين ساعة فقط.
ذلك أن هذه المقولة التي جرى تسويقها ونسبُها الى القيادة السورية، أتت بعد أن انتظمت معظم المواقف الداخلية من الاستحقاق الرئاسي في نسق واحد رافض لتعديل الدستور ولخيار التجديد للرئيس الحالي، لتطلب (المقولة) من القوى والتكتّلات والتيّارات والشخصيات اللبنانية عدم إسقاط هذا الخيار بـ"الضربة القاضية"، وإبقاءه حياً من بين خيارات عدة. وقال غلاة المدافعين عن هذه المقولة من اللبنانيين أن الهدف منها يتراوح بين عدم إحراج دمشق وتقييد حركتها من ناحية أو التمكن من إيجاد "المخرج" المناسب للرئيس لحود من ناحية ثانية أو اعتماد خيار التجديد في أسوأ الأحوال من ناحية ثالثة.
وبهذا المعنى، إذا كانت مقولة "الخيارات الرئاسية المفتوحة" أتت لتحدّ من اندفاعة "اللبننة" التي كانت تؤشّر الى وجهة واضحة رفضاً للتجديد، فإن إعلان لحود ترشيحه ليس على أساس الدستور الذي يمنعه من تولّي المنصب فترة ثانية بل على أساس التعديلات الدستورية التي ستحصل (!)، يعني أنه يغلق "الباب المفتوح" ويفرض نفسه بوصفه "الخيار" وليس خياراً، ويعني أن تعديل الدستور الذي طرح لإبقاء الخيارات مفتوحة بات مطروحاً فقط لتمكين لحود من التجديد.
وبطبيعة الحال، كان "البلد السياسيّ" فاهماً لـ"المقولة" ومراعياً لها وإن لم "تبْلِفْه". ولذلك، كان ثمة نقاش مساء أول من أمس حول ما إذا كان لحود بإقدامه على إبداء "الجهوزية" قد سعى الى فرض أمر واقع على سوريا لحسم "القرار" أو أنه "استشعر" أن الأمر في طريقه الى الحسم.. والله أعلم.
التحدّي والمواجهة
ثانياً ـ ومع صدور بيان الترشيح عن بعبدا، يكون البلد قد انتقل من "التداول" في الاستحقاق الرئاسي الى "المواجهة" بشأنه، ويكون فريق لحود قد اتّخذ قرار "المواجهة" التي لا تعني فقط رفضه تأمين انتقال هادئ للسلطة فقط بل إخضاع الوضع اللبناني لامتحان عسير أيضاً.
ذلك أن إغلاق الأبواب في وجه "اللبننة" ثمّ إغلاق "الخيارات المفتوحة" يشكّلان تحدياً لقوى حية رئيسية وللحياة السياسية برمّتها ولآمال اللبنانيين في استنقاذ بلدهم بجعل الاستحقاق الرئاسي محطّة للتغيير.
ان فرض لحود نفسه بوصفه "الخيار" يشكل تحدياً سافراً للبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي قال كلاماً حاسماً في رفض تعديل الدستور وإعادة انتخاب "الشخص نفسه" الى "ما لا نهاية".. ويشكّل تحدياً لرئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الذي أكد عزمه على معارضة تعديل الدستور وعلى السعي الى تكوين "أقلية نيابية معطّلة لتعديل الدستور". ولذلك ليس مستغرباً أن يأتي طلب الولاية الثانية غداة المواقف الصريحة لصفير وجنبلاط، وقبل 48 ساعة من موعد جنبلاط في بعبدا اليوم، واستباقاً للبيان المنتظر صدوره عن الاجتماع الشهري لمجلس المطارنة الموارنة في الأول من أيلول المقبل. هذا من غير نسيان أن الرئيس رفيق الحريري الذي التزم "تهدئة اللعبة" لم يخفِ قبل الآن معارضته التجديد للحود وهو الذي أعلن أنه لن يشارك في الحكم إذا حصل هذا الأمر.
ويعرف اللبنانيون، وقد تمرّسوا في السياسة، أن العديد من الفاعليات الأخرى ترفض شرب هذه الكأس، ما يعني أن ثمة أكثرية سياسية ـ شعبية ضد هذا الخيار. ويعرف الجميع أن القيود والضغوط على الدينامية اللبنانية هي ما حال حتى الآن دون بروز حجم هذه الأكثرية السياسية ـ الشعبية التي لا تتشكّل فقط حول المواقف الرافضة لتعديل الدستور بل حول ضرورة تلاقي اللبنانيين على إنقاذ البلد في المجالات كافة. كذلك يعرف اللبنانيون أن البون شاسع بين الأكثرية السياسية ـ الشعبية وبين الأكثرية النيابية، لأن الأولى لا تتكوّن بـ"كبسة زرّ" بينما الثانية أكثر "سهولة".
محاولة فرز سياسي
ثالثاً ـ والسؤال الذي طرحه غير وسط سياسي مساء أول من أمس كان الآتي: هل يصحّ اتخاذ "قرار التجديد" للرئيس لحود في "وجه" البلد؟
وعن هذا السؤال جاءت الأجوبة معبّرة. فقد رأى معظم المناقشين أن تصوير عدم التجديد للحود وكأنه هزيمة لسوريا أمام أميركا، ينطوي على مقاصد خطيرة لأنه يدعو من يتّخذ "القرار" الى فرز اللبنانيين بين فريقين سوري وأميركي، والحال أن ذلك غيرصحيح وأقلّه أن ليس ثمة فريق أميركي اذا جرى التسليم بوجود فريق سوري في المقابل، مع العلم أن ثمة ضغوطاً أميركية على دمشق حول عناوين كثيرة من بينها الاستحقاق الرئاسي اللبناني. فهل رفضُ البطريرك لتعديل الدستور وتمسّكه بالاختيار اللبناني "الحرّ" لرئيس جمهورية لبنان، هو "تأمرك" في وقت "يتأفف" الأميركيون من عدم ثقة البطريرك بسياساتهم؟ وهل في ما طرحه وليد جنبلاط سواء في "وثيقة النقاط العشر" أو في تصريحاته "تأمرك" أو إساءة الى سوريا؟ وهل في دعوته الى تسوية لبنانية ـ سورية بشأن العلاقات بين البلدين ما يسيء الى سوريا؟
من هنا، يعرب معظم الوسط السياسي عن اعتقاده أن الحسم بالتجديد للحود (إذا تأكد)، فضلاً عن أنه يضع البلد "في ظهر" من يتّخذ هذا "القرار"، فإنه يكشف سوريا أمام مزيد من الضغوط الخارجية. في حين أن من يعترضون على هذا الخيار، لا يتمسّكون فقط بجعل الاستحقاق الرئاسي محطة دستورية ديموقراطية، بل هم لا يديرون لسوريا ظهرهم إذ يتمسّكون بالعلاقة معها ويدعون الى تحصينها بتسوية تواجه الضغوط الخارجية. ولا مصداقية لكل الكلام عن أن "اللبننة" إنما هي "أمركة" في نهاية المطاف، وكل الكلام ـ بما في ذلك ما نظّر له الفرزلي ـ عن "الخيار الاستراتيجي" لا يغيّر في واقع أن العلاقة بسوريا مسلّمة وطنية لكل اللبنانيين، لا بل أكثر من ذلك، ان الأكثر حرصاً على "الخيار الاستراتيجي" هم الذين لا يخفون من وراء الحديث عن "الاستراتيجية" منافع ومصالح شخصية.
على أي حال، أجمع العديد من الأوساط السياسية خلال اليومين الماضيين على أن طلب لحود التجديد لنفسه، إنما هو انقلاب على "اللبننة" وعلى مقولة "الخيارات المفتوحة"، وهو إعلان تحدّ ومواجهة مع معظم البلد، وهو محاولة يائسة لفرز اللبنانيين وإعادة "الأجواء الملبّدة"... ورأت أن السير في هذا التوجه يدخل البلاد في أزمة كبرى من طبيعة وطنية، وأن ربط بيان الترشيح أول من أمس بخطاب يوم عيد الجيش في الأول من آب الماضي ينبئ بهذه الأزمة وبتداعيات غير محمودة من بينها المسّ بجوهر النظام السياسي اللبناني وطبيعته.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.