8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ضمانة "حزب الله" غير التمديدي بالضرورة تكون بانخراطه في "تحالف لبناني" يحميه

من خلال متابعة المواقف التي يعلنها قياديّو "حزب الله" من الاستحقاق الرئاسي في انتظار الموقف "الأخير" الذي سوف يتّخذه، لا يخفى أن المعادلة التي تقوم عليها المواقف المعلنة حتى الآن تقول عملياً أن الحزب ليس تمديدياً حتماً وإن كان دائم التنويه بالرئيس إميل لحود لناحية الموقف من المقاومة. لكن لا يخفى في المقابل أن الحزب يتعاطى فعلياً وفي العمق مع الاستحقاق الرئاسي المقبل بوصفه هو ـ أي الحزب ـ موضوعه الرئيسي، انطلاقاً من قناعة لعلّه لا يخطئ في امتلاكها بأن أحد عناوين المرحلة المقبلة سواء المرحلة التي لا تزال تفصل عن موعد الاستحقاق أو تلك التي تليه، هو الضغط الأميركي حول موضوع المقاومة أو ما تسمّيه الولايات المتحدة "الإرهاب".
ومن الواضح تماماً أن "حزب الله" يتعامل إذاً مع الاستحقاق الرئاسي على أساس أن يكون محطة ضمانات تعطى له، أي ألاّ يكون الاستحقاق بتأثيرات إقليمية ودولية وبتفاعل لبناني مع هذه التأثيرات محطة لـ"تصفية" حسابات معه، ولذا فإن المواقف المعلنة بقدر ما تبدو "جدلية" تبدو أيضاً حذرة.
من 27 أيار الى اليوم
وفي هذا السياق، تتوقف أوساط سياسية متنوعة أمام الاعتبارات التي تجعل الحزب محقاً في تعاطيه الحذر والمتريّث حيال الاستحقاق الرئاسي، وإن كان يجب القول أن هذين الحذر والتريّث لا يشكّلان التباساً. وتبدي هذه الأوساط اعتقادها أن الاعتبارات "الموجبة" لهذا التعاطي هي الآتية من وجهة نظرها.
أولاً ـ مباشرةً بعد الانتصارات البلدية التي حقّقها والتي وجّه من خلالها رسالة قوية الى "الاستكبار العالمي" كما أعلن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في حينه، أراد عبرها القول أن "حزب المقاومة" حزب جماهيري بامتياز، يواجه "حزب الله" مجموعة من الضغوط المباشرة بدأت بأحداث الضاحية الجنوبية في 27 أيار الماضي ومرّت باغتيال المقاوم غالب عوالي في ظروف أمن متراخ تحدّث عنها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله.. ولم تنته حتى الآن على خلفية الأحداث الجارية في النجف العراقي والمواقف الشيعية المتفاوتة منها.
الأمن السياسي لبنانياً
ثانياً ـ وإذ يرى بعض الأوساط أن واحداً من الأسباب الرئيسية التي تجعل "مقاومة حزب الله" محاطة بعوامل لا تلعب لصالحها، هو الانهيار المريع في الوضع العربي بكل حلقاته ما يجعل "الأمن السياسي" للمقاومة مهتزاً، فإن أوساطاً أخرى لا تتردّد في التعبير علناً عن قناعة لديها بأن ما واجهه "حزب الله" خصوصاً خلال الفترة الممتدة من 27 أيار الماضي وحتى اليوم، هو "رسائل" وجّهتها قوى متداخلة محلياً وعلى غير صعيد الى أميركا حول استعدادها لـ"المساومة" على حساب "حزب الله"، ما يضاعف من اهتزاز "الأمن السياسي" للمقاومة. وكان الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط أول المحذّرين من هذه "الرسائل"، وقد تداول بشأنها في لقائه الأخير مع السيد نصر الله حيث عرض له جنبلاط "هواجسه" في هذا المجال.
.. وفي الإطار الإقليمي
ثالثاً ـ وتضيف الأوساط أن الضغط الأميركي ـ والإسرائيلي ـ بموضوع "حزب الله" ليس جديداً ولا مفاجئاً، لا بل يتوقع له أن يتصاعد. غير أن الجديد في هذا الضغط أنه إذ يمارس على كل من سوريا وإيران، يبدو منتهزاً وجود ملامح خلاف سوري ـ إيراني "مستعص" يتّصل بقراءة كل من دمشق وطهران للمسألة العراقية وبكيفية تعاطي كل منهما مع هذه المسألة، علماً أن مصادر ديبلوماسية ترى أن الخلاف السوري ـ الإيراني لا يقتصر على العراق بل له تداعيات أخرى. وبما أن "حزب الله" مقيم في الجانب الإقليمي على تقاطع سوري ـ إيراني، فمن الطبيعي برأي الأوساط نفسها أن يكون في وضع "حرج" وعلى مقدار من الصعوبة.
الوضع الشيعي
رابعاً ـ و"تسقط" الضغوط الأميركية في موضوع "حزب الله" ليس فقط على أرضية وضع عربي منهار وخاصرة سياسية لبنانية رسمية رخوة (الرسائل)، وفي ظل خلاف سوري ـ إيراني إقليمياً، ما يجعل "الأمن السياسي" لـ"مقاومة حزب الله" في دائرة "الخطر"، لكن هذه الضغوط "تسقط" أيضاً على واقع وجود بدايات فرز في الداخل الشيعي، أو صراع على الوضع الشيعي. وفي هذا الإطار تقول الأوساط السياسية المتابعة أنه "قد" لا يكون جائزاً تحميل بعض التحركات الشيعية في المدار اللبناني أخيراً ما لا تحتمله، لا سيما أنها توضع تحت عنوان "وحدة الصف"، لا سيما بالنسبة الى الاجتماع الشيعي في صور غداً، لكن مما لا شك فيه في المقابل أن هذه التحركات الشيعية تحصل في وقت لا يلعب "حزب الله" دوراً مقرّراً في حصولها أو عدمه أو دوراً مبادراً في أقلّ تقدير، ما يعني أن "الثنائية" التي حكمت الوضع الشيعي طيلة سنوات، وفي أحيان كثيرة بـ"غلبة" لحزب الله، لم تعد على السويّة نفسها.
في ضوء هذه المقدمات جميعاً، والتي تعرض الأوساط من خلالها ما تعتقد أنه يمثّل اعتبارات موجبة لحذر "حزب الله" وتريّثه في حسم الموقف من الاستحقاق الرئاسي المقبل، تسارع الى القول أن "حزب الله" إذا كان منطلقاً فعلاً من هذه الاعتبارات، فهو محقّ تماماً. وتستدرك لتقول أن الاعتبارات التي أشارت إليها مبنيّة على "النظر" الى مجموعة من الوقائع كما تقدّم نفسها راهناً وعلى التحليل الموضوعي لهذه الوقائع.. وإن كان لا شيء "علمياً" يحتّم استقرار الوقائع كما هي الآن، فهي قد تزداد ضغطاً وتشتدّ، وقد يحدث عامل معيّن "يخربطها".. لكنها قائمة الآن.
بيدَ أن الأوساط المتابعة تطرح سؤالاً على "حزب الله" هو الآتي: إذا صحّت الاعتبارات الآنفة، وهي على الأرجح صحيحة من وجهة نظر هذه الأوساط، هل يحقّ لـ"حزب الله" أن يستمرّ في البحث عن ضمانات في دائرة الضمانات السابقة نفسها أم أن ثمة بديلاً حقيقياً لذلك؟
"اللبننة" والتغيير
وفي وقت تطرح هذا السؤال آملة في أن يستجرّ نقاشاً وحواراً مع الحزب، تلفت الى أن "البديل" يقوم على العوامل الرئيسية الآتية:
1 ـ ان القوى والتيّارات والشخصيات اللبنانية التي تعلن التضامن مع "حزب الله" وتشديدها على "حمايته" كثيرة جداً. وإذا كان صحيحاً بالفعل أن مِنْ بين هذه القوى والتيّارات والشخصيات مَنْ يختلف مع المقاومة سواء بقيت محصورة في مزارع شبعا أو لا، أو ارتبطت بملفات أخرى للصراع في المنطقة، فالمؤكد أن أياً منها لا يقبل الضغوط على "حزب الله" ولا الصفقات من وراء ظهره ولا المساومة على وجوده. وأكثر من ذلك، تقول الأوساط أن "حزب الله" أحيط علماً بحوارات جرت بين شخصيات من توجه سياسي معيّن لا "يبخّر" للمقاومة عادة، مع أركان السفارة الأميركية في بيروت ومع موفدين أميركيين، وقد "أفهم" الأميركيون أن أي لبناني لا يقبل التعاطي مع "حزب الله" لا على أنه "منظمة إرهابية" ولا على أنه خارج النسيج السياسي ـ الاجتماعي اللبناني، وان أمر "حزب الله" شأن لبناني صرف.
2 ـ وإذا كان صحيحاً أن معظم القوى والتيّارات والشخصيات السالفة الذكر، يرى أن لبنان لا بد أن يكون لأسباب لبنانية أولاً وفي ظروف خارجية معروفة ثانياً، مقبلاً على تغيير ينقذه من الأزمة العامة التي يختنق فيها، فإن الأوساط ترى أن الصحيح أيضاً هو أن "حزب الله" لا "يجوز" أن يبقي نفسه خارج مسار التغيير، لا سيما أنه في العديد من وجوه خطابه السياسي الداخلي تغييري. وتذكّر بأن "حزب الله" معني بأن يعالج الإشكاليات الكثيرة التي تواجهه، بالانفتاح على المدى اللبناني الواسع.
3 ـ وتختم الأوساط بالتأكيد على أن "لبننة" الاستحقاق مسألة تعني إطلاق دينامية سياسية تنتج محصّلة لبنانية، ولن تكون ضد سوريا و"حزب الله"، وليست "أميركية" سوى في نظر بعض الهوامش. ولا شك في أن لحزب الله مصلحة في أن يكون جزءاً من عملية "اللبننة" هذه. ذلك أنه في هذا الإطار، ينخرط "حزب الله" في "تحالف لبناني" واسع هو البديل من البحث عن الضمانات في الدائرة السابقة نفسها، وغالباً ما تشكلت هذه الدائرة من أشخاص، بينما "الضمانة" من هذا التحالف تكمنُ في كونه يشكّل مظلة لحزب الله وحماية له وحاضنة لا شك أنه يحتاجها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00