8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط يتجاوز "الأسماء" ويطرح برنامج حكم وحكومة "يضمن" الرئيس المقبل

أجمعت الأوساط السياسية خلال الأيام القليلة الماضية على الاشادة بـ"وثيقة النقاط العشر" التي أعدّها "الحزب التقدمي الاشتراكي" وعمّمها على أعضاء "اللقاء الديموقراطي" الذي يترأسه النائب وليد جنبلاط. وقد تنوّعت أسباب الإشادة بالوثيقة، وكان ثمة جوامع مشتركة في إطار التنويه بما تضمنته من نقاط ومواقف جرى التعبير عنها في صيغة أسئلة تارة وفي صيغة أجوبة محددة تارة أخرى.
أولاً ـ تسجّل الأوساط السياسية للزعيم الاشتراكي، بالاجماع، انه أكثر المواقع السياسية تجسيداً لمقولة "لبننة" الاستحقاق الرئاسي المقبل، وأولها انتقالاً من الفكرة المجردة الى المضمون، بهدف تأكيد وجود حيّز لبناني مهم لا بدّ أن يكون له دور ملموس في صياغة معادلات الاستحقاق من جهة وبهدف استعادة عملية إنتاج السلطة في لبنان في لبنان الى سياق شبه طبيعي من خلال القوى الرئيسية الحية والفاعلة من جهة ثانية.
ثانياً ـ وإذا كانت الأوساط تلاحظ ان جنبلاط أضاف في مقدمة "وثيقة النقاط العشر" وصف "العربية" الى "اللبننة"، فإنها تعرب عن اعتقادها ان "الأدب السياسي" الجنبلاطي أراد تمييز "اللبننة" التي يريدها عن "اللبننة" بالنسبة الى آخرين، فلا هي "اللبننننة" المتنكرة للعلاقة بسوريا، ولا هي "اللبننة" التي تدير ظهرها لمقتضيات مساهمة لبنان في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا هي "اللبننة" المتحالفة مع الولايات المتحدة... بل "اللبننة العربية" الملتزمة بقرار ذاتي من أطرافها بموجبات انتماء لبنان العربي كما تم تحديده في "وثيقة الوفاق الوطني"، وإن كان ما ينبغي تحديده من عناوين الإلتزام اللبناني بالانتماء العربي، رهناً بحوار وطني يفضي الى تسويات بين القوى اللبنانية الرئيسية.
العلاقة بسوريا: تجربة شهاب نموذجاً
ثالثاً ـ وفي رأي الأوساط ان الوثيقة التي لا تعوزها الجرأة في عناوينها الرئيسية والفرعية كافة، انما تقدم ترجمة فعلية لـ"اللبننة العربية" بالعلاقة مع سوريا، تقوم على التمييز بين "الاستراتيجي" في العلاقة بدمشق وبين الشأن اللبناني الداخلي وإدارته المستقلة. وإذا كان لا يمكن القول ان جنبلاط هو أول من يلامس فكرة التسوية اللبنانية ـ السورية، فهو في المقابل أول من يطرح في وثيقة سياسية تسوية تدعو سوريا الى ترك الشأن الداخلي في عهدة اللبنانيين، من زاوية قناعة راسخة لديه بأن "محصّلة" الاتفاق بين اللبنانيين لا يمكن أن تناقض المصالح الاستراتيجية اللبنانية ـ السورية المشتركة.
وفي تقدير الأوساط نفسها ان جنبلاط لا يقدم في هذا المجال "تنازلاً"، أمام أحد، في الداخل اللبناني خصوصاً، إذ سبق له في محطات عدة بعد الطائف أن دعا الى "تصحيح" العلاقات اللبنانية ـ السورية في مجالاتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وهو إذ يطرح اليوم إعادة تنظيم هذه العلاقات بما يفرز بين ما هو استراتيجي وما هو غير استراتيجي، انما يأخذ في الاعتبار التجربة وبعض نتائجها، ممّا أضرّ بهذه العلاقات من ناحية، وضرورة التفاهم مع سوريا في وجه الضغوط الأميركية على الوجود السوري في لبنان وعلى العلاقات اللبنانية ـ السورية من ناحية ثانية بحيث يشكّل هذا التنظيم المتجدّد للعلاقات تحصيناً لها وللبنان و"استباقاً" للضغوط في آن.
ولطالما أبدى الزعيم الجنبلاطي في مجالسه تقديره لتجربة الرئيس الراحل فؤاد شهاب مع الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر، في مجال العلاقة بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة، خصوصاً بعد "الخيمة" على المصنع، حيث قامت "تسوية تاريخية" أخذ عبد الناصر بموجبها موقفاً لبنانياً "منسجماً" مع السياسة الخارجية المصرية، وأعطى في المقابل اللبنانيين تدّبر أمورهم الداخلية.. لا بل كان عبد الناصر في فترات عدة يبدو "الضمانة" للبنان من أن ينجرف بما لا طاقة له على احتماله في إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
الحريّات تفكيكاً لـ"الدولة الأمنية"
رابعاً ـ وترى الأوساط أن "وثيقة النقاط العشر" حاشدة بـ"المعادلات". فجنبلاط يقدم من خلالها أجوبته على إشكاليات تاريخية كما على إشكاليات تجربة ما بعد الطائف. فتشديده على الحريات الديموقراطية وتأكيده على أن لا تناقض أو تعارض بين الحريات والمسألة القومية يجيبان على الإشكالية ـ المعضلة التي اجتازتها المنطقة طوال ما يقارب ستة عقود. وكذلك فإن التركيز على الحريات، يأتي من باب تأكيد رفض "الدولة الأمنية" التي أطلّت برأسها خلال السنوات الماضية. والأهم ان جنبلاط الذي كانت له تحفظات على الطائف في التجربة، يتصدر الآن الدعوة الى حماية الدستور واحترامه وتطبيقه والى تفكيك كل العوامل التي "حبكتها" الدولة الأمنية، لاسيّما على صعيد القضاء.
"حزب الله"
خامساً ـ وثمة نقطة بارزة في الوثيقة الجنبلاطية تتعلق بالمقاومة و"حزب الله". ولا يخفى في هذا المجال ان جنبلاط الذي لا يرى مبرراً في الظروف الإقليمية ـ الدولية الراهنة لـ"تسريح" المقاومة التي تشكل من وجهة نظره سلاحاً استراتيجياً في مواجهة الاحتلال والعدوان الإسرائيليين، يطرح في الوقت نفسه عنواناً لافتاً هو "حماية حزب الله". وفي نظر أوساط عديدة، ان جنبلاط يشتبه بوجود "مشاريع" مساومة على ظهر "حزب الله"، ولذلك فهو بطريقة شبه مباشرة يدعو الى رفض أي بيع أو شراء من أي جهة أتيا، ويتمسك باعتبار الحزب مكوناً رئيسياً من مكونات لبنان. كذلك، وفي مجال آخر، يعلن جنبلاط رفضه أن تستمر "المتاجرة" من قبل البعض بالمخيمات الفلسطينية، وهو بقدر حرصه على المقاومة اللبنانية (مقاومة "حزب الله")، يطرح معادلة جدّية: السلاح الفلسطيني في مقابل الحقوق الانسانية للاجئين الفلسطينيين.
وإذا كان في ما تقدم استعراض لأبرز ما تعنيه "وثيقة النقاط العشر" من دفع لمسار "اللبننة" أو "اللبننة العربية"، فإن الأوساط السياسية تتوقف بعد ذلك عند الجانب الأكثر أهمية على الصعيد العملي، أي ما يتعلق بـ"الدينامية السياسية" التي تطلقها هذه الوثيقة، وتسجّل في هذا الإطار النقاط الرئيسية الآتية:
برنامج حكم وحكومة.. لقوى ضامنة للرئيس
1 ـ ان الوثيقة تنقل النقاش في موضوع الاستحقاق الرئاسي المقبل من نقاش في الأسماء الى نقاش في البرامج، على قاعدة ان البقاء في حدود الأسماء يضيّق البحث بينما يتسع البحث في رحاب البرامج. والى ذلك يضاف ان الوثيقة تكسر الحلقة المفرغة بين أن تكون العربة أمام الحصان أو أن يكون الحصان أمام العربة، في ظل رفض بعض المرشحين الإعلان عن برامج لان ذلك ليس أمراً دستورياً.
2 ـ ان الوثيقة تحفّز سائر الأطراف على التقدم بـ"وثائق"، ما من شأنه ملء الفراغ السياسي الراهن أو الانتظارية الراهنة، بحوار وطني متسع تأكيداً لـ"اللبننة"، وتجسيداً لضرورة أن يأخذ الفرقاء الأساسيون زمام الاستحقاق بأيديهم.
3 ـ ان الوثيقة في حدّ ذاتها تتقاطع الى حدّ كبير مع أطراف أخرى على الساحتين السياسية والنيابية، ما يعني انها قابلة بالحوار لأن تؤسس لـ"تحالف سياسي" ضامن للاستحقاق وللمرحلة المقبلة.
4 ـ والأهم على الاطلاق هو ان جنبلاط لا يقدم "وثيقة النقاط العشر" بوصفها برنامجاً رئاسياً. ذلك ان الزعيم الاشتراكي يعرف أكثر من غيره ان رئيس الجمهورية بموجب الدستور لا يحكم، وان البرنامج هو للسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء. ولذلك لم يتأخر جنبلاط في القول ان ما يعرضه هو برنامج حكم وحكومة تشارك فيهما القوى المتفقة بينها عليه. وهذا يعني ان جنبلاط يرى الرئيس المقبل من ضمن نظرة شاملة الى الحكم المقبل، ويتجاوز بذلك "عقدة" الأسماء، معلناً بشكل واضح ان البديل من الأسماء هو برنامج حكم يندرج ضمنه الرئيس، أي انه يتبنى معادلة لا غبار عليها: القوى الرئيسية تتحاور لتنتج برنامج حكم مشتركاً ولتضمن هي نفسها الرئيس المقبل أو الحكم المقبل.. أو العهد المقبل، ولتعيد الاعتبار بعد ذلك الى "معنى" حكومة الوفاق الوطني.
وتتوقع الأوساط ختاماً أن الوثيقة التي أحدثت دوائر في مياه الحياة السياسية الراكدة، ستطلق دينامية سياسية لبنانية خلال شهري آب وأيلول، تظهر القوى والتقاطعات وتؤثر في مجرى الاستحقاق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00