لا يخرج زوّار الرئيس نبيه برّي من عنده هذه الأيام بـ"غلّة" كافية في ما يتعلق بالموضوع الأساسي الذي يشغل الساحة السياسية أي الاستحقاق الرئاسي المقبل، في حين انه بـ"قليل" من الإصرار عليه يبوح بعددٍ من الإشارات المهمة في ما يتصل بالوضع على الساحة الشيعية.
بالنسبة الى الاستحقاق الرئاسي، لا يخفي الرئيس برّي ارتياحه الى المناخات الأقل تشنجاً المحيطة بالتداول بهذا الموضوع. وإذ لا يقدم تفسيره لتراجع مناخات التشنج في الوقت الحاضر، يرفض الخوض في احتمالات الاستحقاق أو "ترجيح" أي منها، مؤكداً ان "كل أوان لا يستحي من أوانه"، وأن "لا شيء يتضح قبل أيلول" ناصحاً بـ"الرواق". وعندما يُسأل عن مغزى قوله مرتين خلال الأسابيع الماضية انه سيعلن موقفه في 25 تشرين، يضحك ويجيب "في 25 تشرين يكون الذي ضرب ضرب والذي هرب هرب". ويُسأل ثانية: لكنك بذلك تبدو وكأن لا موقف لك حيال الخيارات الرئاسية المفتوحة أو كأنك أعطيت نفسك والمجلس النيابي إجازة مفتوحة حتى يوم الاقتراع، فيجيب "لا، ليس الأمر كذلك فرئيس المجلس هو من يتولى في الوقت المناسب عملية البلورة والتظهير ويقود إخراج الاستحقاق وفاقاً لما يكون قد ارتسم من معطيات". ويُسأل ثالثةً: هل ستكون لك زيارة قريبة الى دمشق لمناقشة هذا الأمر مع القيادة السورية لـ"تحرير" حركتك الداخلية في هذا الملف؟ ويجيب "كل شيء في وقته ولست الآن في وارد إشغال الاخوة في سوريا بهذا الأمر في ظل الظروف الإقليمية والدولية المعروفة".
الداخل الحركي والهوية الثقافية الإسلامية
ويتوقف الحديث مع الرئيس برّي في هذا الموضوع عند هذا الحدّ و"لا زيادة لمستزيد". لكن هذا الحديث ضمن الحدود المشار اليها لا يلخص ما يقوم به برّي من تحركات في الآونة الأخيرة، لاسيّما بعد الانتخابات البلدية التي استخلص عِبرها "الحركية" والسياسية العامة.
وفي هذا المجال وبشيء من "الانشراح" يشرح برّي التوجهات التي يسير عليها داخل حركة "أمل" وخارجها وذلك على النحو الآتي:
أولاً ـ في الشأن التنظيمي الداخلي، يلفت الى تغييرات أجراها ويجريها على الصعيد الحركي القيادي من ناحية وعلى الصعيد الهيكلي العام من ناحية ثانية.
1 ـ تعديلات في المكتب السياسي للحركة أدّت الى إدخال دم جديد الى صفوفه والى تفعيله.
2 ـ تعزيز الشُعب والأقاليم في الحركة بكوادر كفوءة، لردم الهوّة حيث هي موجودة بين الحركة والناس.
3 ـ استعادة بعض الوجوه الحركية السابقة ممن خرجوا في مرحلة معينة من صفوفها، وهذا ما ينطبق على استعادة قياديين بارزيْن من حركة "المقاومة المؤمنة"، أحدهما علي الحسيني الذي جرى ضمّه الى المكتب السياسي وثانيهما أكرم طليس الذي تم تسليمه مسؤولية البقاع.
4 ـ التركيز على المسألة الثقافية في الحركة وفي هذا السياق التركيز على مواصفات ثقافية إسلامية للمسؤولين الثقافيين في هيئات الحركة كافة.
5 ـ تعزيز دور "الهيئة الشرعية" في الحركة، والتي يترأسها الشيخ عبد الأمير قبلان، وذلك بضمّ العلاّمة السيد علي الأمين اليها نائباً للرئيس.
مسيحيّو الجنوب وسنـّته
ثانياً ـ على ان الرئيس برّي الذي يصف التوجهات التنظيمية السالفة الذكر بأنها عملية استنهاض تنظيمي لوضع الحركة، والذي يبدو وكأنه أخذ بخيار إعطاء "أمل" هوية ثقافية إسلامية، لا يتردّد في القول أن لا استنهاض داخلياً بمعزل عن الاستنهاض "الخارجي" أي السياسي والشعبي. وفي إطار هذه المعادلة التي لا تطرح في ذهنه إشكالاً بين الهوية الثقافية الإسلامية للحركة من جهة والانفتاح على المكوّنات الأخرى للواقع اللبناني من جهة أخرى، يشير برّي الى العناوين الآتية:
أ ـ يبدي رئيس "أمل" بداية اعتزازه بالعلاقة التي تربطه بالمسيحيين في الجنوب وبالتعاطف الذي أبدوه تجاهه الى حد اعتبارهم انه ضمانتهم الرئيسية، ويشير الى أن التصويت المسيحي للوائح المدعومة منه في الانتخابات البلدية الأخيرة زاد بما نسبته 190 في المئة عن الانتخابات السابقة. وهذا ما يطرح عليه ـ وعلى الحركة ـ مسؤولية تطوير هذه العلاقة باستمرار.
ب ـ كذلك، يبدي رئيس المجلس اعتزازه بالعلاقة التي تربطه بسنّة الجنوب وبالتفافهم حوله، وقد ارتفعت نسبة تصويتهم للوائحه بما نسبته 170 في المئة قياساً الى الانتخابات السابقة.. الأمر الذي يطرح عليه ـ وعلى الحركة ـ مهمة تطوير العلاقة بمناطق تواجدهم وإيلاء مزيد من الاهتمام بما يطالبون به إنمائياً، تماماً كما مناطق تواجد المسيحيين.
الشيوعيون والأسعديون
ج ـ وإذ يحرص على تنمية العلاقة بالقوى السياسية التي تحالفه، ينوّه برّي بشكل لافت بالعلاقة بالشيوعيين، نافياً أن تكون هذه العلاقة استجدت في ظروف الانتخابات البلدية الأخيرة، مؤكداً ان التنسيق معهم سابق على هذه الانتخابات ومستمر بعدَها أيضاً.
د ـ ويشير الى انه أعطى توجيهاته الى فروع الحركة بالتعامل إيجاباً مع "الأسعديين" (أنصار الرئيس كامل الأسعد)، ذلك ان "هولاء جزء لا يتجزأ من أهلنا" كما يقول موضحاً، ومن الواجب عدم الانغلاق في وجههم.
العلاقة بفضل الله
ثالثاً ـ بيد ان الرئيس برّي الذي يعرض التوجهات التي يعتمدها في إطار معادلة تزامن الاستنهاضين الداخلي والخارجي السياسي والشعبي، ويؤشر الى وجهة الانفتاح على الطوائف والعقائد... وعلى قضايا الناس، يرى نفسه معنياً إذ يستشعر ان ثمة سؤالاً عن "الحميمية المستجدة" بالمرجع العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله، بأن يوضح الرابط بين العلاقة بالسيد فضل الله وعملية الاستنهاض بشقّيها الداخلي والخارجي.
وهنا، يؤكد بري أن السيد فضل الله من "مرجعيّاتنا التي نعتز بها"، ويذكّر بأنه قال أن العلاقة معه ستشهد مزيداً من الازدهار والتطوّر، وأن اللقاءات بينهما ستتواصل. وإذ ينفي بشكل قاطع أن تكون العلاقة بفضل الله مندرجة في سياق ما يحكى عن "تعريب" في مقابل المرجعية الإيرانية، أو أن تكون مندرجة في سياق استهداف "حزب الله" عبر "محاصرة" مداه الإسلامي، لا يتردّد في مدح سعة أفق السيد وعلمه، وإن كان حديثه يوحي وكأن ثمة "أشياء إضافية" بينهما لا يفصح عنها.
ويشعر السائل أن بري قد يكون راغباً في إبقاء "بعض اللغز" حول هذا الموضوع حتى لو لم يكن ثمة لغز في واقع الأمر.
استقبال السيستاني
رابعاً ـ ويتطرّق بري بعد ذلك الى استقباله منفرداً المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني لدى مروره بمطار بيروت في رحلته العلاجية الى لندن.
وفي هذا المجال، يبدي الرئيس بري استغرابه لما يُقال عن "استياء" شيعي من هذا الانفراد في الاستقبال. ويقول أنه خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية كان على تواصل دائم مع السيد السيستاني بوسائط شتى لكن اللقاء المباشر بينهما كان للمرة الأولى لدى استقباله له أخيراً. ويشير الى أن ما أملى عليه "السرية" حيال مسألة مرور السيستاني ببيروت أمران: الأول يتعلق بالأسباب الصحية للسيد التي تمنع انهاكه باستقبال واسع والثاني الأهم يتّصل بالأسباب الأمنية إذ كيف يُعلم احداً بقدومه في ظروف أمنية سيئة في العراق وقبل خروجه سالماً منه؟ ويلفت الى أن القيادة السورية والرئيس بشار الأسد تحديداً كانا على علم بتفاعلات الوضع الصحي للسيستاني ومسألة سفره الى لندن عبر بيروت، وأكثر من ذلك كان الرئيس الأسد متابعاً بدقّة لهذا الموضوع. ويقول بري أنه وفيما عينه وقلبه على ما يجري في النجف، يرفض الكلام السياسي عن توقيت رحلة علاج السيد بالتزامن مع التطورات النجفية.
بين فضل الله والسيستاني وعلاوي: إيران؟
خامساً ـ ويثير كلام الرئيس بري فضول السؤال عن الجامع المشترك بين "استنهاض" العلاقة بالسيد فضل الله وبين العلاقة بالسيد السيستاني، وبين العلاقة برئيس الوزراء العراقي أياد علاوي.
وينطلق السؤال من ملاحظة بعض "الخبثاء" (أو الأذكياء) أن علاقة السيد فضل الله بإيران "فاترة"، وكذلك هي علاقة السيد السيستاني بالجمهورية الإسلامية، إضافة الى أن علاقة فضل الله بالسيستاني "عادية". فهل ثمة ما هو "انتي ـ إيراني" في استراتيجية بري الاستنهاضية؟
بسرعة، يرد بري أن قراراً رئيسياً اتخذه بتطوير مكتب "أمل" في طهران وتعزيز كادره، و"العلاقة بيني وبين إيران جيدة جداً".
وفي معرض مزيد من التوضيح، يقول أنه تعرّف الى علاوي قبل فترة غير طويلة، وقد زاره علاوي عندما كان لا يزال عضواً في مجلس الحكم الانتقالي، وقد نصح المسؤول العراقي حينذاك بتنقية العلاقة وتطويرها بكل من دمشق وطهران.
ويضيف أنه عندما أتى علاوي الى بيروت في زيارة رسمية نهاية تموز الماضي، أقام على شرفه مأدبة اقتصرت على الوزراء اللبنانيين النظراء للوزراء العراقيين ضمن وفد علاوي إضافة الى عدد من السفراء بينهم السفير الإيراني في بيروت. وعندما وجه الدعوة الى السفير الإيراني لم يكن له أي إشارة اعتراض على تلبية الدعوة وحضرها بالفعل، وتحادث على هامش المأدبة مع علاوي في جوّ أكثر من طبيعي.
إذاً، في جواب بري نفي لسلوك "انتي ـ إيراني" في إطار الاستراتيجية الاستنهاضية التي يجب الاعتراف بأنها عندما تدخل الى "الساحة الشيعية" تصبح داخلة في حقل ألغام يمتدّ من جنوب لبنان الى العراق فإيران مروراً بمجمل الوضع العربي.
المهم أن بري في استراتيجيته الشيعية واللبنانية والإسلامية "يستجمع" عدداً كبيراً من العوامل ويقدّمها بـ"براءة" سياسية حيناً وبـ"دهاء" أحياناً، لا بل في كل الاحيان، منطلقاً من تحديد "علني" لهوية أمل" الثقافية الإسلامية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أيٌّ من الاستحقاقين أسهل على بري، الاستحقاق الرئاسي أو الاستحقاق "الاستنهاضي"؟.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.