8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بعضُ دعاة عدم تحويل "اللبننة" تأمركاً يقدّمون الوجه الآخر لـ "الأمرَكة"

ماذا حصل بعد أن أطلق نائب وزير الخارجية الأميركي ريتشارد أرميتاج تصريحه الشهير يوم الجمعة الفائت، المتضمّن قوله إن الانتخابات الرئاسية اللبنانية "تخصّ حكومتي لبنان وسوريا"، وأن "الوقت حان لتتسلّم القوات المسلّحة اللبنانية السيطرة على البلاد بأسرها وأن تعود القوات السورية الى بلادها"، مهدّداً بانتقال واشنطن الى المرحلة الثانية من العقوبات على دمشق؟
بدايةً، تشرح مصادر ديبلوماسية غربية معنية أن ما قصد إليه أرميتاج من قوله إن الانتخابات الرئاسية اللبنانية "تخصّ حكومتي لبنان وسوريا" هو أولاً أن الولايات المتحدة لن تتدخّل في الاستحقاق الرئاسي اللبناني، وهو ثانياً أن واشنطن ليست في وارد "صفقة" مع سوريا حول هذا الاستحقاق، الأمر الذي أوضحه المسؤول الأميركي في مقطع آخر من التصريح نفسه إذ قال "نحن لا نختار المرشحين لأن هذه أمور تخصّ الشعب اللبناني بموجب دستور العام 1926".
وتلفت المصادر نفسها الى أن القسم الثاني من تصريح أرميتاج المتضمّن الدعوة الى مغادرة القوات السورية لبنان والتهديد بمزيد من العقوبات تجاه سوريا، لا ينفصل عن القسم الأول ولا يتناقض معه، أي أنه يفسّر واقع أن الموقف الأميركي من الاستحقاق اللبناني يأتي في سياق استمرار التأزم والتوتّر في العلاقة السورية ـ الأميركية. وتعتبر أن ما أدلى به أرميتاج لا "ينسف" ما أعلنه مسؤولون أعلى في الإدارة الأميركية عندما دعوا الى "انتخاب" رئيس جديد للجمهورية اللبنانية ضمن المواعيد الدستورية ووفقاً للدستور.
كيف تعاطى فريق سياسي مع كلام أرميتاج؟
على كل حال، ليس هنا الموضوع. فالأهم قطعاً يتعلّق بكيفية تعاطي بعض المجتمع السياسي اللبناني مع ما أعلنه أرميتاج، لا سيما من قِبل سياسيين موالين لفريق الحكم وآخرين ينسبون أنفسهم الى "الخطّ القومي".
وفي هذا المجال، تلاحظ أوساط سياسية "مستقلّة" أن هذه الفئة من السياسيين تصرّفت على النحو الآتي:
أولاً ـ لم يخفِ الموقف الاعتراضي لهذه الفئة على "التدخّل الأميركي في الشؤون اللبنانية"، والمذكّر بأن الوجود السوري في لبنان "شأن يخصّ لبنان وسوريا"، ارتياحاً لدى هذه المجموعة السياسية حيال موقف أرميتاج من "الانتخابات" الرئاسية، وهو الموقف الذي جرت قراءته على أنه إبعاد لـ"العامل" الأميركي في هذا الاستحقاق.
ثانياً ـ وعلى الرغم من تضمّن تصريح أرميتاج لغة تصعيدية إزاء سوريا، فقد وجد بعض هذه الفئة السياسية أن الكلام الأميركي يتضمن إعترافاً أميركياً بدور سوريا لا سيما دورها في الاستحقاق الرئاسي اللبناني.
ثالثاً ـ وفي ضوء ذلك، راح بعضهم "يحاضر" بهدف حثّ اللبنانيين وعدد من الفرقاء السياسيين على حُسن قراءة ما أعلنه أرميتاج. وفي حُسن القراءة هذا، يخاطب هذا البعض الآخرين بالقول: أنظروا فإن أميركا ليست ضدنا!
الوجه الآخر للأمركة
ماذا يعني هذا التصرّف بالضبط؟
1 ـ تعرب الأوساط السياسية في الجواب عن هذا السؤال، عن اعتقادها أن محاولة هذا الفريق من السياسيين توظيف موقف أرميتاج ضد الآخرين داخلياً وفي موضوع الاستحقاق الرئاسي أكثر من سواه، تفضح كلام هذا الفريق الذي يُساجل تحت عنوان أن "لبننة الاستحقاق لا تعني أمركته"، فإذا به يلجأ هو نفسه الى "الأمركة".
2 ـ وتؤكد الأوساط أنها لم تكن بحاجة الى تصريحات أرميتاج أو غيره من المسؤولين الأميركيين لـ"تكتشف" أن أمر الاستحقاق الرئاسي في لبنان يتقرّر في محطّته الحاسمة تفاهماً ووفاقاً مع سوريا. وعندما تشدّد هذه الأوساط على "لبننة" الاستحقاق، فإنها تتطلّع ليس فقط الى تظهير موقف لبناني سياسي وشعبي بل الى تشكيل "حاضنة" لبنانية للرئيس المقبل أيضاً، على أساس أن تأخذ سوريا بهذه المعطيات. ذلك أن تظهير الموقف اللبناني السياسي والشعبي لتشكيل "الحاضنة" للعهد المقبل، هو "اللبننة" وهو العمل السياسي المطلوب، على اعتبار أن الأهم من شخص الرئيس المقبل وبرنامجه، القوى السياسية الحاضنة والضامنة له. وبهذا المعنى، فإذا كان الوجه الأول لتصرّف ذلك الفريق من السياسيين هو "الأمركة" والاعتماد على عوامل خارجية إقليمية ودولية، فإن الوجه الثاني هو تغييب السياق اللبناني لإنتاج السلطة وفي مقدّمها رئاسة الجمهورية.
3 ـ والأخطر من كل ذلك برأي الأوساط نفسها، هو أن هذا الفريق من السياسيين باسم "اكتشاف" اعتراف أميركا بدور سوريا في لبنان تارة وباسم الدفاع عن سوريا على قاعدة "اكتشاف" حجم الضغوط الأميركية عليها تارة أخرى، يفوته (أي الفريق) أن إعلان الولايات المتحدة على لسان أرميتاج أو غيره "عدم التدخل" في "الانتخابات" الرئاسية، إنما يعني إخضاع هذا الاستحقاق والمسار السياسي اللبناني لـ"المراقبة". ولذلك يصبح المطلوب من هذا الفريق قبل غيره أن يُحسن القراءة في سبيل تجنيب سوريا مزيداً من أسباب الضغط الأميركي عليها. والى ذلك تضاف "حقيقة" أن النظر الى الاستحقاق الرئاسي من زاوية ضرورة أن يشكّل محطة حساب لكل الظروف المحيطة بلبنان ولكيفية مواجهتها، ومحطة للتغيير في آن.. انّ النظر الى الاستحقاق من هذه الزوايا واجب لا فكاك منه.
سوريا وإيران و"كسب الوقت"
وماذا عن كلام أرميتاج في شقّه الإقليمي المتعلق بسوريا؟
ترى المصادر الديبلوماسية الغربية والأوساط السياسية اللبنانية أن كلام المسؤول الأميركي لا يضيف جديداً في مجال توصيف العلاقة الأميركية ـ السورية بأنها مأزومة ومتوترة، وإن كان يفيد أن البراغماتية السورية في التعامل مع زيارة رئيس الوزراء العراقي أياد علاوي الى دمشق الشهر الماضي وما أسفرت عنه من نتائج قال الجانبان السوري والعراقي عنها إنها إيجابية، لم تؤسّس لتغيير في العلاقة السورية ـ الأميركية.
وإذ تلفت المصادر الديبلوماسية الغربية الى أن الحوار بين واشنطن ودمشق غير قائم بين العاصمتين مباشرة، والى أن سوريا في حواراتها مع أطراف ثالثة لم تقدّم ما من شأنه تعديل المسار الحالي للعلاقة مع أميركا، تشير الأوساط السياسية اللبنانية والمصادر الغربية في غضون ذلك الى معطيات متوافرة لديها عن الأداء السوري الراهن، وذلك على الشكل الآتي:
أ ـ لا تزال دمشق في موازاة بعض "التكييف" لممارستها السياسية لا سيما على صعيد المسألة العراقية، لم تقدّم "التنازلات" المطلوبة منها أميركياً في العديد من الملفات التي تطالبها واشنطن بها عراقياً وفلسطينياً ولبنانياً... وسورياً.
ب ـ وترى الأوساط اللبنانية المطّلعة تدعمها المصادر الديبلوماسية الغربية انّ سوريا لن تكون مستعدة في الظرف الراهن لـ"تنازلات"، وانّها في ما تعتبره وقتاً أميركياً ضائعاً في ظل دخول الولايات المتحدة في انتخاباتها الرئاسية، تسعى الى كسب الوقت على افتراض أن يفشل الرئيس جورج بوش في التجديد لولاية ثانية. وتلفت المصادر الآنفة، خصوصاً الديبلوماسية منها، الى أن دمشق لا تراودها أوهام حيال المرشح الديموقراطي جون كيري وسياسته المعلنة المنحازة الى إسرائيل، لكنها في المقابل تفترض أن اعتراضات كيري على سياسة بوش في المنطقة قد تترجم نفسها فيما لو فاز بالرئاسة الأميركية بنوع من العودة الى الأمم المتحدة وبلون مختلف من التفاوض.
ج ـ وإذ تسجّل المصادر الديبلوماسية أن سوريا ليست وحدها في المنطقة تلعب "لعبة كسب الوقت"، بل إيران أيضاً تمارس اللعبة نفسها ولو بطريقة مختلفة متّكلة على أوراقها داخل العراق، تؤكد أن ثمة أمرين لا بدّ من الالتفات إليهما: الأول هو أنّ افتراض أنّ هناك وقتاً أميركياً ضائعاً بسبب الانتخابات الرئاسية، يتغاضى عن واقع أنّ قضايا المنطقة تدخل للمرة الأولى على هذا النحو في صميم الصراع الرئاسي الأميركي، وأنّ إدارة بوش لم تفرمِل سياستها الإقليمية بسبب الانتخابات، والأخطر أنها قد توكل الى إسرائيل بعض المهام. أمّا الأمر الثاني فهو أنّ السياسة الأميركية حيال المنطقة لن تشهد تغييراً "حقيقياً" حتى لو تغيّر الرئيس الأميركي، لأن الرئيس المقبل محاصر بوقائع لن يستطيع القفز فوقها وهو محكوم بمتابعتها.
وهنا، تعود الأوساط اللبنانية الى الحديث لتختم بالقول إن هذه الظروف والمعطيات الإقليمية والدولية كافة، تحتّم أن يمرّ الاستحقاق الرئاسي اللبناني بـ"سلام"، على قاعدة وفاق وطني لبناني من ناحية وتفاهم لبناني ـ سوري من ناحية أخرى، تحصيناً للوضع اللبناني وللعلاقة اللبنانية ـ السورية بحيث لا يكون ثمة مجال لأي ضغوط إضافية تخترق لبنان و"الساحة" اللبنانية ـ السورية المشتركة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00