في الذكرى الثالثة لأحداث السابع من آب 2001، لا يزال البُعد "الاستراتيجي" لذلك اليوم من التاريخ اللبناني غير حاضر تماماً في "الوعي الجماعي" للبنانيين، ويقتصر الأمر بالنسبة الى معظمهم على "المشهد القمعي" الذي تولّت المخابرات تشكيله لا سيما عند أبواب قصر العدل في بيروت. غير أن الأوساط المواكبة لتلك المرحلة تعتبر أن "7 آب" أتى في واقع الأمر في ذروة تطوّرات لبنانية، وأتى لـ"يقمع" هذه التطوّرات ومنع تحوّلها الى دينامية لبنانية هي الأولى من نوعها منذ اتفاق الطائف. وللدلالة على ذلك، تلفت الأوساط الى المقدّمات التي استهدف منظّمو "7 آب" منع تفاعلها:
مقدّمات آب 2001
أولاً ـ كانت نتائج الانتخابات النيابية في صيف العام 2000 لا تزال "طازجة"، وقد شكّلت مناسبة عودة قوية للفرقاء الذين تمّ استهدافهم بين عامي 1998 و2000، وهم الفرقاء الذين بعودتهم سعوا الى تصويب مسار الحكم أو تعديله بعد أن برزت خلال العامين اللذين سبقا ملامح انقلاب على الدستور والنظام الجمهوري الديموقراطي البرلماني.
ثانياً ـ وكانت زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري الى بكركي في تشرين الثاني من العام 2000 (بعد الانتخابات) والتي لم تكن على ما يؤكد الرئيس بري باستمرار، خارج التنسيق مع دمشق، وشكّلت المبادرة الأولى في أهميتها تجاه المسيحيين، والتي كان من شأنها (المبادرة) لو نجحت أن تؤذن بانتهاء مرحلة ما سمّي "الإحباط المسيحي" وأن تفتح ولو بطريقة غير مباشرة صفحة جديدة في العلاقة المسيحية ـ السورية، والعلاقة اللبنانية ـ السورية تالياً. والكل يذكر انقضاض فريق الحكم على مبادرة بري، على أساس أن رئيس المجلس "يشتغل" بما ليس من ميادين "اختصاصه"، على اعتبار أن "أمر" المسيحيين في عهدة الرئيس ولو أنه يعلن ويكرّر أنه "فوق الطوائف" وليس ممثلاً لطائفته.
ثالثاً ـ بروز نوع من التلاقي بين ثلاثة من أركان نظام الطائف هم فضلاً عن الرئيس بري، الرئيس رفيق الحريري والزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، وهو الثلاثي الذي إذا تكرّس يعتبر من زاوية فريق الحكم تهديداً له.
رابعاً ـ تشكّل "لقاء قرنة شهوان" في نيسان من العام 2001، وإعلانه بيانه التأسيسي من بكركي، حيث برز الى النور إطار معارض يحمل "المبادئ" التي حدّدها مجلس المطارنة الموارنة في ندائه في أيلول من العام 2000، ويمثّل ذراعاً سياسية مستظلّة بالكنيسة المارونية وضاربة باسمها الى حدّ كبير.
خامساً ـ زيارةُ البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير التاريخية الى الجبل مطلع آب 2001، ورعايته مع جنبلاط المصالحة الوطنية في تلك المنطقة التي شهدت أكثر مآسي الحرب اللبنانية والتي تشكّل أساساً في الوفاق الوطني اللبناني تاريخياً.
"7 آب" محطة قطع لـ"اللبننة"
في هذه الأجواء التي كانت تُفيد بدينامية لبنانية ناشطة، وضامنة للطائف، خطر في بال المسؤول عن أحد الأجهزة الأمنية أن ينظم انقلاباً على هذه الدينامية منعاً لاكتمال مقوّماتها، مستغلاً ما بدر من أنصار بعض التيارات المعارضة من "أخطاء" في يوم المصالحة التاريخية في الجبل. وكان في ذهن "المنظم" لحساب فريق الحكم أن ثمة مشروعاً لـ"اللبننة" يطرح نفسه في البلاد "يتجاوز" الرئيس من جهة وبعض أطرافه (المعارضة المسيحية تحديداً) يطرحه (مشروع "اللبننة") بالضدّ من سوريا من جهة ثانية، وان ضربه "ضروري" لمنع دوائره من الاتساع، وأن مَن يجب ضربه أولاً هو الفريق المسيحي البطريركي، وذلك على أساس منع اللقاء المعارض الفتيّ آنذاك من أن يقوى عودُه، و"في الطريق" تقطيع أوصال إمكان التواصل بين المراجع السياسية المسلمة والبطريركية، علماً أنه لم يكن ثمة تحالف معلن أو غير معلن بين المراجع السياسيين المسلمين (ما عدا جنبلاط آنذاك) والبطريركية وفريقها، ولا حتى نية تحالف. لكن "المنظم" الذي يرى نفسه لاعباً ماهراً في "البيلياردو" صوّر لنفسه ولغيره أن ثمة تحالفاً يهدف الى إسقاط الرئيس في منتصف ولايته.
من هنا، تعتبر الأوساط نفسها أن استحضار معاني "7 آب"، لا بد منه في سبيل استذكار أن الغاية منه كانت ضرب دينامية لبنانية قيد النشوء. وعندما تكون هذه هي الغاية فمن الواضح أن البديل من الدينامية اللبنانية (التي شكا الطائف باستمرار من عدم حصولها في موازاته) هو "الدولة الأمنية". ووقائع الأسابيع والشهور والسنوات التي تلت "7 آب" (بما في ذلك محطة انتخابات المتن الفرعية في حزيران 2002) بدءاً من "قانون أصول المحاكمات الجزائية والضربات المتتالية التي وجهها الفريق نفسه الى السلطتين التشريعية والتنفيذية، تؤكد أن "الدولة الأمنية" قامت فعلاً في لبنان على أنقاض الدستور والمؤسسات، وأن ما جرى وضعه موضع التنفيذ فعلاً هو نظام شبه أمني وشبه رئاسي... تماماً لأن الدينامية اللبنانية جرى إجهاضها ومعها مشروع "لبننة" لا يمكن لقواه خاصة إذا التقت أن تكون ضد سوريا بل متفاهمة معها، لأن لا بري ولا الحريري ولا جنبلاط ولا البطريرك ضد سوريا بل على العكس، على الرغم من مزاعم خصومهم.
"روح 7 آب"
إذاً، في الذكرى الثالثة لأحداث السابع من آب 2001، تستحضر الأوساط المواكبة لهذا اليوم بمقدّماته ونتائجه، ما تسمّيه "البعد الاستراتيجي" الذي هدف إليه الانقلاب على "اللبننة" من أصحاب "الدولة الأمنية"، وذلك ليس لتبرئة الطرح المعارض المسيحي آنذاك من أخطاء معيّنة في قراءة مرحلة ما بعد تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، ولكن لوضع النقاط على الحروف بالمعنى التاريخي للكلمة. وفي سياق وضع النقاط على الحروف، تعتبر الأوساط أن "7 آب" لا يزال راهناً في العمق، وذلك انطلاقاً من الآتي:
1 ـ في وقت تعاطى المعنيّون لبنانياً بالاستحقاق الرئاسي المقبل، على أساس تكوين المعطيات اللبنانية في هذا الاستحقاق وتظهيرها، أي على أساس "لبننة" هذا الاستحقاق لوضع نتائج هذه "اللبننة" بتصرّف سوريا لتقوم بتحديد خيارها الرئاسي اللبناني، بدا واضحاً أن فريق الحكم أبدى تبرّماً شديداً من "اللبننة" التي قال بها الرئيس بشار الأسد نفسه.
2 ـ ولا يخفى أن التبرّم الشديد من "اللبننة" يستند الى أمرين رئيسيين هما أن "لبننة" الاستحقاق أي حصول تفاهم لبناني حول هذا الاستحقاق لن يكون في مصلحة تمديد الواقع القائم حالياً أولاً، وأن "اللبننة" لن تتحقق من دون أن يكون عنوانها الرئيسي إنهاء "الدولة الأمنية" في لبنان ثانياً.
تبرّم فريق الحكم لقطع الطريق
على النتائج المنطقيّة
3 ـ ولذلك، فقد برز التبرّم وتصاعد في لحظة سياسية لبنانية محددة: بعد أن عبّر الفرقاء السياسيون الرئيسيون في البلاد عن مواقفهم الداعية الى جعل الاستحقاق الرئاسي محطة للتغيير، وقبل أن ينتقل هؤلاء الفرقاء من مرحلة الإدلاء بموقف عام الى مرحلة التحديد أي الى مرحلة تكوين الصورة حول البديل من الوضع القائم. فقد عبّر فريق الحكم المتبرّم عن رغبة شديدة في إجهاض مسار "اللبننة"، معتبراً أن الخطر لا يكمن في الإدلاء بمواقف عامة بل الخطر في الانتقال الى التحديد في مسار لبناني متكامل الحلقات. وبهذا المعنى فإن "روح 7 آب" لا تزال حاضرة عند هذا الفريق، وإن كانت إمكانياته لتنفيذه متضائلة.
4 ـ ومن الواضح أن محولة قطع مسار "اللبننة" بمناسبة الاستحقاق، تهدف الى منع بلوغها النتائج المنطقيّة، وإلاّ لكان الرئيس بري بوصفه رئيس "الهيئة الناخبة" مهّد للقائه المحتّم بالقيادة السورية للتشاور في أمر الاستحقاق واحتمالاته بمشاورات نيابية وسياسية يحمل حصيلتها الى دمشق، وللرئيس بري سابقة في هذا المجال في العام 1995 وإن لم تجرِ الرياح بما تشتهي السفن حينذاك.
5 ـ على أنه وعلى الرغم مما تقدم، فإن التواصل المطلوب حصوله واستمراره بين الفرقاء، لا بد أن يتوصّل في المطاف الأخير الى نقطة رئيسية هي أن الأهم من إسم الرئيس البديل هو "الحاضنة اللبنانية" لهذا الرئيس، أي القوى الضامنة للمرحلة المقبلة بالتفاهم مع سوريا، وعندما يحصل ذلك لا يعود ثمة خوف على الطائف والدستور والحريات من "دولة أمنية" هي عكس آمال اللبنانيين وعكس التطورات على غير صعيد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.