توقّفت مصادر ديبلوماسية غربية وعربية خلال الأيام الأخيرة أمام التأزّم المتصاعد في العلاقة الإيرانية ـ الأميركية الذي تزامن بشكل رئيسي مع جولة رئيس الوزراء العراقي أياد علاوي في عدد من دول المنطقة من بينها سوريا، حيث قرأت أوساط مقرّبة من دمشق زيارة المسؤول العراقي إليها على أنه مؤشر الى احتمال حدوث انفراجات ما في العلاقة السورية ـ الأميركية.
وفي هذا الإطار، تحدّد المصادر الديبلوماسية ثلاثة أسباب جوهرية للتأزم الإيراني ـ الأميركي المتصاعد: الأول يتعلّق بالملف النووي لإيران، والثاني يتّصل بحسم التيار المسمّى "التيار المحافظ" نفوذه داخل مفاصل السلطة كافة على حساب "التيار الإصلاحي" مما أفقد الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية إمكان "الرهان" على صراع داخلي في الجمهورية الإسلامية في مدى منظور على الأقل، في حين أن السبب الثالث يعود الى ما يمكن تسميته التمدّد الإيراني داخل العراق. وإذا كانت المصادر نفسها تعتبر أن ما ذكرته من أسباب لا يختصرها كلّها، وتبتعد عن تعيين السبب الأول بين الأسباب التي حدّدتها؛ فإنها تؤكد في الوقت نفسه أن الدور الإيراني في العراق يشكّل مصدر أزمة بين طهران وواشنطن.
إيران ودور الشيعة في النظام الجديد
ما هو الدور الإيراني في العراق؟
في مجال الجواب عن هذا السؤال، تلفت المصادر الديبلوماسية يدعمها مطّلعون على السياسة الإيرانية الى عدد من النقاط التي تمثّل مجتمعة مضمون سياسة الجمهورية الإسلامية حيال العراق ما بعد الحرب وما بعد سقوط نظام صدام حسين.
أولاً ـ تعتبر طهران التي لها حدود طويلة مع العراق تمتدّ الى نحو 1200 كلم أن لها مصالح وشبكة علاقات تاريخية في هذا البلد، لا سيما أن المناطق العراقية المجاورة لإيران وهي مناطق الوسط والجنوب، ليست فقط المناطق الأكثر كثافة لكنها أيضاً مناطق ذات غلبة شيعية كاسحة.
ثانياً ـ وتعتبر طهران أن إطاحة نظام صدام تشكّل "فرصة" تاريخية لتصحيح غبن تاريخي وقع على شيعة العراق منذ العام 1920، ولتحقيق قيام نظام عراقي يمسك الشيعة مفاصله الرئيسية ويشكّلون "عصبيّته" المسيطرة.
ثالثاً ـ وترى طهران أنه للوصول الى هذا الهدف، لا بد لشيعة العراق أن ينخرطوا في عملية سياسية وأن يقودوها، ونقطتا الانطلاق في هذه العملية السياسية هما وحدة الشيعة عبر تحالف قواهم الرئيسية أولاً والالتفاف خلف المرجعية الشيعية ثانياً، بصرف النظر عن خلافات قد تبرز بين المرجعية الشيعية العراقية و"الولي الفقيه" في الجمهورية الإسلامية. وفي هذا السياق تذكّر المصادر الديبلوماسية ومعها المطّلعون على السياسة الإيرانية بأن إيران لم تتبنّ السيد مقتدى الصدر وحركته، لا بل لعبت دوراً في مساندة مرجعية السيد علي السيستاني وفي دفع الصدر الى الالتحاق بهذه المرجعية.
رابعاً ـ ولأن هذا هو هدفها، فقد كان لإيران موقف واضح ضد الاحتلال في العراق، لكنه واضح في رفض انخراط الشيعة في عمليات عسكرية ضد قوات "التحالف". وفي تقدير القيادة الإيرانية أن لا مقاومة عراقية ذات مشروع سياسي محدد، وان العمليات التي تحصل في العراق من صنع أجهزة النظام السابق المتحالفة مع "مجموعات سلفية"، علماً ان التحالف بين نظام صدام وهذه المجموعات ومنها "القاعدة" بدأ قبل فترة من سقوط صدام، كما تؤكد المصادر الديبلوماسية ومعها المقربون من طهران. وفي السياق نفسه، توضح المصادر الآنفة ان وقوف إيران ضد العمل العسكري في العراق أو موقف عدم "الفتوى" به، ينطلق من رفض التماهي مع "مقاومة" يقودها طرفان يناصبان الشيعة العداء لا بل يصنفون الشيعة على انهم العدو الأول.
"حزب الله" ومقتدى الصدر
وقبل الذهاب الى الاستنتاجات التي تجيب بشكل واضح عن سؤال: لماذا التأزم الإيراني ـ الأميركي اذاً؟ تجدر الإشارة الى أن "حزب الله" المرتبط بالجمهورية الإسلامية بعلاقة مرجعية، لم يرغب في تأكيد المعطيات التي يقوم عليها الدور الإيراني في العراق، كما جرى عرضها. بيد أن مصدراً قيادياً بارزاً في الحزب ينفي بصورة قطعية وجود علاقة بين "حزب الله" وحركة مقتدى الصدر، ويقول أن لا معرفة للحزب ببنية تلك الحركة وأن الموقف السياسي للحزب هو الدعوة الى وحدة الشيعة خلف المرجعية في النجف أي مرجعية السيد السيستاني، ويؤيد جهود الجمهورية الإسلامية في هذا المجال.
ويؤكد المصدر القيادي أن بعض التفسيرات التي أعطيت في بيروت لـ"مسيرة الأكفان" التي نظمها "حزب الله" في أيار الماضي، لا تمت الى الحقيقة بصلة. ذلك ان "المسيرة" كانت في معرض الاحتجاج على تعرّض القوات الأميركية في العراق للمقدسات الدينية، وللتحذير في انزلاق أميركا الى مزيد من التعرض للمقدسات في وقت كانت الاشتباكات بين الأميركيين و"جيش المهدي" على أشدها. ويضيف أن "مسيرة الأكفان" جاءت تعلن التمسك بـ"المقدس" ولم تكن تعلن عن علاقة للحزب بالداخل العراقي على الاطلاق، وان قول مقتدى الصدر قبل ذلك أنه يمثل ذراعاً لـ"حزب الله" في العراق لا يعكس الواقع، ولعله حاول الإيحاء بعلاقة في معرض الاستقواء أو الحديث عن "حصانة معنوية" وليس من شأن "حزب الله" أن "يلاحق" من يحمل يافظته هنا أو هناك أو يرفع صور أمينه العام في هذا المكان أو ذاك.
إيران حاجة أميركية و"شريك مضارب" لواشنطن
وإذا كان كلام القيادي في "حزب الله" يؤكد ما تنسبه المصادر الديبلوماسية الى السياسة الإيرانية لجهة مسألة وحدة الشيعة العراقيين على الأقل، فإن المصادر نفسها مدعومة من المقربين من طهران تسأل: اذا كانت الأركان الأربعة المشار إليها تشكل مضمون السياسة الإيرانية حيال العراق، فلماذا التأزم بين طهران وواشنطن اذاً؟
وعن ذلك تجيب بالقول أن ثمة وجهاً أول لهذه السياسة الإيرانية تجاه العراق مطمئناً لواشنطن أو هو يُفترض أن يطمئنها، على اعتبار أن هذه السياسة "تحيّد" قطاعاً واسعاً من العراقيين عن المواجهة العسكرية مع القوات الأميركية في العراق، وهي في الوقت نفسه غير غائبة داخل المؤسسات السياسية العراقية عبر تحالفاتها مع أطراف عراقيين. بيد أن الوجه الثاني لسياسة إيران حيال العراق، هو الوجه الإشكالي حيث ترى الولايات المتحدة في إيران "شريكاً مضارباً" في العراق، وهذا هو "الفتيل" الذي يشعل تأزم العلاقة الإيرانية ـ الأميركية في الموضوع العراقي، وأميركا تعرف بحسب المصادر السابقة أن لا علاقة لطهران بـ"تسللات" عبر الحدود أو بـ"تنظيمات" إرهابية أو بعمليات عسكرية.
خلاف إيراني ـ سوري
غير أن المصادر الديبلوماسية التي تفسّر واحداً رئيسياً من أسباب التأزّم على خط طهران ـ واشنطن، وتشرح "مبّرر" ارتفاع النبرة الأميركية تجاه إيران في هذا الموضوع، تسارع الى القول أن ذلك كله لا يعني أن ثمة ارتياحاً أميركياً "نهائياً" في المقابل حيال السياسة السورية في المسألة العراقية وإن كانت زيارة علاوي الأخيرة الى دمشق شكّلت منعطفاً سورياً في هذا "الملف".
وتشير الى أنه على الرغم من وجود تأزّم إيراني ـ أميركي متعدّد الأسباب والأبعاد، وآخر سوري ـ أميركي متعدّد الأسباب أيضاً، فإن ثمة خلافاً إيرانياً ـ سورياً حول المسألة العراقية لم تزُل كلّ أسبابه بعد على الرغم من العلاقة الطيّبة بين دمشق وطهران، وتركيز السياسة السورية على تطوير العلاقة مع إيران وتركيا، في موازاة تطوّر العلاقة الإيرانية ـ التركية. وتلفت في هذا السياق الى أن الخلاف الإيراني ـ السوري بدأ قبل الحرب الأميركية على العراق واستمرّ بعدها، حيث كان الموقف الإيراني أكثر براغماتية في التعامل مع التطوّرات وهي براغماتية تدعمها شبكة العلاقات الإيرانية داخل العراق، بينما كان الموقف السوري متراوحاً بين التأييد السياسي لـ"مقاومة الاحتلال" والتعاطي البارد مع النتائج السياسية للحرب، وهو كان وربما لا يزال أقل قدرة من إيران على التأثير في مجرى العملية السياسية التي ترى فيها إيران السبيل الأنجع من غيره. وبهذا المعنى، تختم المصادر نفسها بملاحظة أن التأزم الإيراني ـ الأميركي حول العراق وغيره من الملفات لا يقفل الباب بإحكام أمام انحسار هذا التأزّم بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية خاصة، ولذلك فإن أحد الخيارات أمام دمشق يتمثّل في الوقوف خلف إيران في الموضوع العراقي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.