في موازاة زيارة رئيس الوزراء العراقي اياد علاوي الى كل من دمشق وبيروت، تكشفت مجموعة من المعطيات التي يجدر أخذها في الاعتبار لتعلقها بالوضع اللبناني مباشرة أو غير مباشرة. وهذه المعطيات تحددها أوساط سياسية متابعة على النحو الآتي:
أولاً ـ بالإضافة الى الحفاوة التي استقبل بها علاوي في العاصمة السورية وما أعلن من اتفاقات بين الجانبين السوري والعراقي لاسيّما لجهتي استئناف العلاقات الديبلوماسية في "أقرب وقت" وتشكيل لجنة أمنية مشتركة لمراقبة الحدود بين البلدين، فقد قدّم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الخطاب الرسمي المتكيّف مع التطوّرات، وذلك خلال لقائه الصحافيين في دمشق.
وفي هذا الخطاب الرسمي المتكيّف، يعلن الشرع ان حكومة علاوي هي "حكومة انتقالية لكنها شرعية تحت غطاء الأمم المتحدة"، ويضيف "في مساعدتنا لهذه الحكومة نعطيها فرصة قد لا تتوافر لها فيما لو كنا في مواجهة معها كي نتخلص من القوات المتعددة الجنسية في العراق"، ويستطرد قائلاً "هذا لا يعني اطلاقاً اننا نسينا ان هناك قوّات متعددة الجنسية في العراق وهي نفسها القوات السابقة التي كنا نطلق عليها تسمية قوات الاحتلال (..)".
في الخطاب السوري الرسمي حيال العراق على لسان الوزير الشرع، اعتراف بـ"شرعية" الحكومة العراقية الموقتة، وغياب لافت للحديث عن شرعية "المقاومة" في العراق، وإقرار بـ"المسار" المحدد لانتقال السيادة الى العراقيين عبر قوله بمساعدة الحكومة العراقية على "التخلص" من القوات المتعددة الجنسية، وإظهار أقصى التعاون في مجال ضبط الحدود، وهو الأمر الذي كان موضع جدل سوري في الفترة السابقة.
تكيّف وبراغماتية سوريان إذاً، تستجيب دمشق عبرهما لمطلب أميركي مباشر في المسألة العراقية. وذلك يتزامن مع "رهان" لا يتردد الشرع في إبرازه لدى حديثه عن الولايات المتحدة، من الكلام عن "تيارين في أميركا" الى قوله "قد تتغير الأمور بعد الانتخابات (الأميركية) وأهم ما هو موضع تقدير في ما يتغير هو أن يختفي أولئك الذين خططوا للعدوان الإسرائيلي والأميركي في العراق (..)".
وبهذا المعنى فإن التكيف والبراغماتية السوريين يرتبطان بـ"الرهان" على "تغير الأمور في أميركا بعد الانتخابات"، أي ان التكيف والبراغماتية مطروحان سورياً بأفق استعادة الحوار السوري ـ الأميركي.
التكيف عراقياً والتسوية مع واشنطن في لبنان؟
ثانياً ـ وإذ تعتبر الأوساط السياسية المتابعة ان الخطاب السوري المتجدد على لسان الشرع بانعكاساته داخل العراق وعلى الحدود السورية ـ العراقية، يمثل تطوراً لافتاً على الصعيد الاقليمي، فانها (الأوساط) تسارع الى نقاش التأثيرات المباشرة لهذا التطور على الوضع في لبنان.
وفي هذا المجال، وفيما لا تخفي هذه الأوساط تقديرها أن تطور العلاقة السورية ـ العراقية يشكل مصدر استقرار ينعكس ايجاباً على لبنان، تلفت الى أن ثمة وجهتي نظر تصاحبان هذا التطور الذي يمكن وصفه بانه "تنازل" سوري أمام اميركا. وجهة النظر الأولى ترى أن من شأن "التنازل السوري" اقليمياً ان يفتح أفق تسوية سورية ـ أميركية حول لبنان بما في ذلك حول الاستحقاق الرئاسي اللبناني المقبل، بينما ترى وجهة النظر الثانية ان هذا "التنازل" يبقي أفق تلك التسوية مسدوداً.
وتشرح الأمر بالقول أن وجهة النظر الأولى تنتمي الى "تجارب" مرحلة ما قبل الحادي عشر من أيلول الأميركي، حيث كانت "المعادلة" قائمة على أساس "العطاء" في "الاقليمي" في مقابل "الأخد" في "اللبناني"، في حين أن وجهة النظر الثانية أقرب الى "مبادئ" السياسة الأميركية بعد 11 أيلول والتي من المرجح لها أن تبقى أكانت الإدارة المقبلة جمهورية أو ديموقراطية، أي أن أميركا ستستمر في مطالبة سوريا باستجابة سائر المطالب وتعتبر ان "التنازل" الأول لا بد أن يقود الى "التنازل" الأخير. لكن الأوساط التي لا تحسم تماماً في أي من الوجهتين ستسلك العلاقة السورية ـ الأميركية مع استبعادها تجديد "الوكالة" لسوريا عن لبنان في ظل ما هو معلن من مواقف واجراءات أميركية، تدعو الى قراءة كلام الشرع عن دعم سوريا "الخيارات الداخلية" اللبنانية بوصفه يقع في مرحلة لا يزال مسار العلاقة السورية ـ الأميركية "ضبابياً" وإن كان من الطبيعي افتراض ان سوريا معنية بأخذ المعطيات اللبنانية والاقليمية والدولية في نظر الاعتبار.
صمت الحملة على زيارة علاوي
ثالثاً ـ وتسجل الأوساط نفسها أن من الانعكاسات المباشرة للخطاب السوري الرسمي حيال العراق مصاغاً على لسان الوزير الشرع، توقف الحملة المبرمجة ضد رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري على خلفية دعوته علاوي الى لبنان، لا بل صمت أدوات هذه الحملة ومحاولة بعضهم استدراك موقفه بما يلائم الخطاب السوري.
وإذ تستثني من هذه الملاحظة رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط الذي اعترض على زيارة علاوي من منطلقات نقدية تشمل دمشق أيضاً، أي أنه صاغ موقفه الاعتراضي من موقع "وطني مستقل" سعى من خلاله الى محاولة معرفة "القعر" الأخير للتنازلات أمام أميركا، فان الأوساط تلفت الى ان الحملة المبرمجة قبل صمتها (أي اضطرارها الى الصمت) كانت تسعى الى فرز الوضع السياسي اللبناني في ذروة صراعاته بين متضامن مع سوريا وموال للسياسة الأميركية، معيدة (الحملة وأصحابها) البلاد الى أجواء من "التقاتل" حول خيارات لا يختلف حولها اللبنانيون.. قبل أن يكتشف أصحاب الحملة ان "ساعتهم" غير مضبوطة على "ساعة" دمشق.
فضل الله ـ بري ـ دمشق ـ العراق ـ ايران
رابعاً ـ على أن زيارة علاوي الى كل من سوريا ولبنان تزامنت أو بالأصح هي أفضت الى "تطور شيعي" لافت. وفي هذا السياق تقول الأوساط أنه اذا كانت علاقة رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري بعلاوي معروفة وليست جديدة، فان الجديد تمثل في اللقاء الذي تم بين رئيس الوزراء العراقي والمرجع الاسلامي (الشيعي) السيد محمد حسين فضل الله في دمشق.
صحيح ان لقاء بري ـ علاوي تم في بيروت، وفي إطار اللقاءات الرسمية التي عقدها الضيف مع الرؤساء، لكن الصحيح أيضاً أنه سبق لبري ان التقاه مرات عدة، وأكد له دائماً على أهمية سوريا بالنسبة الى العراق وعلى أن العلاقة بسوريا هي "الحل" وهي "الضمانة".
في هذا الوقت، فان لقاء فضل الله ـ علاوي في سوريا، ينطوي على أبعاد كثيرة: أنه تم في سوريا أي بـ"معرفة" سوريّة أولاً، وان العلامة فضل الله مرجع إسلامي شيعي ذو "نفوذ" فقهي وعلمي وعلى علاقة "طيبة" بالنجف والمرجعية فيها، بينما علاقته بالمرجعية الإيرانية "مضطربة" ثانياً. ويبدو كأن ثمة تغطية شيعية مرجعية لعلاوي الشيعي بـ"دعم" سوري، تستكمل "التعارض" السوري البادئ في التشكل مع "المقاومة" السنية في العراق.
وفي رأي الأوساط انه من الصعب الكلام خاصة في غياب معلومات دقيقة عن تنسيق بين فضل الله وبرّي في الشأن العراقي أو عن "محور" برّي ـ دمشق ـ فضل الله شيعياً في العراق، واستطراداً في لبنان. بيد ان الأوساط نفسها يلفتها تزامن ذلك مع ذروة التأزم العراقي ـ الإيراني والأميركي ـ الإيراني في وقت يقف "حزب الله" الحليف لسوريا وإيران موقفاً مغايراً في المسألة العراقية.
من السابق لأوانه توقع حصول تفاعلات لهذا "المستجد" الشيعي، لاسيما ان لقاء فضل الله ـ علاوي "يفرز" بينه وبين "حزب الله" أكثر فأكثر وبينه وبين إيران ايضاً، ولاسيما ان الدور المرجعي لـ"السيد" يزداد اتساعاً وينظر اليه شيعياً على انه "الواصل" بين لبنان والنجف.. مروراً بدمشق. غير ان الأوساط، وبالعلاقة مع تطوّرات أخرى حدثت في الأشهر والأسابيع الماضية على الصعيد الشيعي اللبناني وبعض هذه التطوّرات بأفق إقليمي، تختمُ بالدعوة الى مراقبة التفاعلات على هذا الصعيد ومتابعتها لأنها تشكل مؤشراً مهماً الى مرحلة جديدة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.