8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

واشنطن تواصل مشروع تغيير الأنظمة في المنطقة

ثمة حرب "دولية" وشيكة في مكان جديد من المنطقة العربية تكاد تحصل من غير أن ينتبه إليها أحد، ومسرحها المحدّد هو السودان. هذا ما تلفت إليه مصادر ديبلوماسية غربية تدعو الى أخذ هذا "المعطى" في الاعتبار.
لماذا السودان؟
صحيحٌ أن السودان "رضخ" في اللحظة المناسبة وسار في الحلّ للمسألة الجنوبية لكن الصحيح أيضاً أنه ظنّ أن "خير ذا بشرّ ذا" ففتح المشكلة في الغرب (دارفور) فارتكب سلسلة من الأخطاء والحماقات، فكان "المجتمع الدولي" له بالمرصاد. والأرجح أن هذا "المجتمع الدولي" كان ينتظره عند المفترق الأول، أي الجنوب السوداني، لكنه نفد يومها، أما الآن فهو وقع في الفخّ، على ما تقول المصادر الديبلوماسية المطّلعة على الموقف الأميركي بالدرجة الأولى.
بيد أن ما تقدّم لا يجيب عن السؤال المطروح. ذلك أن المصادر نفسها تحدّد مجموعة من الأسباب والاعتبارات التي تجعل السودان "الهدف التالي" من مدخل "ثغرة دارفور".
1 ـ "ينام" هذا البلد العربي الافريقي على مخزون هائل من النفط من الواضح أن ثمة هدفاً أميركياً لضمّه (النفط) الى احتياطها الاستراتيجي واستكمال السيطرة على هذه المادة.
2 ـ ان وجود النفط وغيره من الثروات بين يدي نظام إسلامي، غير مقبول من وجهة النظر الأميركية، فالولايات المتحدة تعتبر أن لها تجربة مرّة مع النفط "المستقل" عن سيطرتها، خصوصاً النفط "الإسلامي".
3 ـ ان النظام الإسلامي في الخرطوم، إذا كان اليوم يحاول التكيّف مع المعطيات الدولية، فإن الدوائر الأميركية (والغربية) لا تنسى أن الحركة الإسلامية السياسية موجودة فيه وأنه كان في فترة من الفترات "ملجأ" لقوى وتيارات تناصب أميركا العداء، وأنه "قد" يعود في "لحظة" معيّنة الى سيرته الأولى.
4 ـ أن السيطرة على السودان بـ"صيغة" ما، تستكمل عملية ترويض ليبيا، لكن الأهم هو أنها من غير أن تضطّر الى "مواجهة" مصر مباشرة تطوّقها بطريقة تجعل هذه الدولة تحت الرقابة المباشرة.
5 ـ ولهذه الأسباب جميعاً، فضلاً عن اعتبارات اقتصادية استراتيجية أخرى، فقد بات تغيير النظام السوداني الحالي أمراً ملحّاً لأميركا وحلفائها الغربيين من مدخل "أزمة دارفور". ولذلك فإن الحرب "الدولية" الوشيكة ستتدرّج شعاراتها تباعاً وصولاً الى الدعوة الى تغيير النظام أو إسقاطه بـ"سيناريو" ليس بالضرورة أن يكون شبيهاً بـ"السيناريو العراقي" عسكرياً.
الرسائل السياسية: العراق لم يعد مشكلة!
وإذا كان ما سبق تحديده يجيب عن السؤال: لماذا السودان، فإن المصادر الديبلوماسية الغربية تلفت الى أن ثمة كمية من الرسائل السياسية يوجهها تهديد السودان بالحرب ثم الحرب نفسها.
أ ـ لا شك أن الرسالة الأولى تفيد أن السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط ستتواصل بمفاصلها الرئيسية، والمفصل الأهم من بينها تغيير عدد من النظم الحاكمة تحت ضغط عوامل عدة أو دفع الأنظمة الى تغييرات واسعة بحيث لا تعود هي نفسها.
ب ـ والرسالة الثانية تقول أن مرحلة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة ليست وقتاً ضائعاً وأن لا انقطاعات في عملية تنفيذ سياسة إخضاع "النظام العربي".
ج ـ أما الرسالة الثالثة فهي بمثابة إعلان من جانب واشنطن بشكل خاص بأنها تجاوزت الى حد كبير "المشكلة" في العراق. وهنا، تستفيض المصادر نفسها في شرح أهمية التطورات السياسية الأخيرة في العراق، مركزة بشكل خاص على "الحكم العراقي القوي" قيد التأسيس في بغداد، بزعامة رئيس الحكومة المؤقتة أياد علاوي الذي يتصرف بـ"حزم وحنكة في آن داخلياً"، ويحوز على الثقة الأميركية والغربية.
الصراع في فلسطين
غير أن ذلك كله لا يختصر المشهد العربي الراهن ولا المشهد الذي ترغب أميركا في رؤيته في المنطقة.
ففي "المعلومات" التي تدلي بها المصادر أن الادارة الأميركية الحالية تتطلع إذا ما فاز الرئيس جورج بوش بولاية رئاسية ثانية، الى تحقيق "التسوية" في المنطقة في العام 2005 المقبل. وقد نقل وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس خلال زياراته في المنطقة بما في ذلك زيارته الى لبنان، هذا "التوجه الأميركي الجدّي والجادّ".
من هنا، وعلى خلفية هذه "المعلومات" التي لم يتأخر ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في الشرق الأوسط تيري رود لارسن عن مواكبتها من فلسطين، يمكن قراءة التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية. وفي تقدير معظم المصادرالديبلوماسية ان الصراع على السلطة الدائر في المناطق الفلسطينية وفي غزة تحديداً، هو بمثابة عملية مجازة أميركياً لتغيير "النظام الفلسطيني" بما يطيح الرئيس ياسر عرفات ويأتي بـ"سلطة" موالية لواشنطن، أي مستعدة لقبول "أي" تسوية كان عرفات يرفضها حتى الآن.
واذا كان صحيحاً أن مسار تغيير "النظام الفلسطيني" بدأ منذ العام 2002 بمحاصرة عرفات في مقره في رام الله ثم في فرض التنازلات عليه، فالصحيح كذلك أن هذا الهدف نفسه لم يتغير. وكما في أي "خطة"، يجري استغلال "ثغرة الفساد"، لكن مع ملاحظة التطور الدراماتيكي المتمثل في التعرض المباشر لـ"هيبة الرمز". وإذا كان تغيير "النظام الفلسطيني" يقف على مشارف "حرب أهلية" فلسطينية مثلما بدا واضحاً من نذر أحداث غزة، الأمر الذي قد يشكل رادعاً للمتصارعين، واذا كان بروز هذا الخطر قد يدفع الأحرص من بين المتصارعين على الوحدة الوطنية الى تقديم تنازلات، فإن المشهد الفلسطيني يسير تدريجاً باتجاه مزيد من الضعف لتبرز سلطة ما توافق على ما لم يوافق عليه "أبو عمار".
سوريا: الواقعية والضغوط
ولا تتردد المصادر الديبلوماسية الغربية في القول ان المشروع الأميركي لتغيير الأنظمة مستمر، وهو نجح في العراق بصيغة معينة، ونجح في دول أخرى بصيغة مختلفة، ولا بد أن يتواصل، وأن ما يجري الآن حول السودان من ناحية وفي فلسطين من ناحية ثانية، يشكل مؤشّر الاستمرارية.
وفي هذا المجال، وإذ تعترف المصادر نفسها بأن سوريا في دائرة الخطر، بسبب التطورات من حولها، وبسبب أن الضغط على إيران حليفة سوريا سيزداد بقوة كما تتوقع المصادر، فإنها تبدي اعتقادها أن سوريا "بدأت" التعامل مع المعطيات الإقليمية والدولية بطريقة "مختلفة" عن المرحلة السابقة. وفي رأيها أن دمشق أبدت قدراً كبيراً من الواقعية بالعلاقة مع الموضوع العراقي، لا سيما خلال زيارة علاوي، حيث يُعتبر الاتفاق على استئناف العلاقات الديبلوماسية بين دمشق وبغداد في أقرب وقت بمثابة اعتراف سياسي سوري بـ"الوقائع" السياسية العراقية الجديدة، وكذلك يعتبر الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية لمراقبة الحدود المشتركة بين البلدين إيجابياً أيضاً. والأمران يؤشّران من وجهة نظر المصادر نفسها الى "تكيّف" سوريّ في مجال الملفّ العراقي، يتزامن مع المساعدة السورية في مجال الحرب على الإرهاب كما تبدّى من خلال سلسلة خطوات أخيراً.
بيد أن المصادر تشدّد على أن الولايات المتحدة تعتبر أن المحك الآخر لعلاقتها بسوريا يتعلّق بـ"ملفيّ" المنظمات الفلسطينية الراديكالية من جهة و"حزب الله" من جهة ثانية، متوقّعة ضغوطاً أميركية متزايدة على دمشق. وتختم بالقول أن ما يجري في المنطقة، عبارة عن "حلقات" في مشروع واحد.
هذا ما تقوله المصادر الديبلوماسية الغربية. "مجنون يحكي وعاقل يفهم". ولا يخفى أن قراءة متأنّية للتطورات الإقليمية والدولية، واجبة أكثر من يوم مضى، لفرز "التهويل" عن "الحقيقي"، وتظهير "الضدّ الذي يلغي ضدّه"، واستبقاء ما يجب التعامل معه بجدية في هذه المرحلة التي بات معها الشطر الأعظم من "النظام العربي" في "القبضة" الأميركية، وذلك تحصيناً للمواقع وتحديداً للخسائر وتعييناً لميادين الممانعة الممكنة وبأي شروط.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00