بعد أن أعطت المواقف التي أطلقتها القوى السياسية الرئيسية إشارة واضحة الى رفض الاجتماع السياسي اللبناني لخيار التمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية اميل لحود، أيقن فريق الرئيس ان هذا الخيار بات أشبه باستحالة، خاصة ان سوريا صاحبة الكلمة "الأخيرة" في هذا الاستحقاق أخذت على نفسها عهداً بأن تدعم الرئيس الذي ترجّحه المعطيات اللبنانية. والنتيجة الرئيسية التي ترتبت على المشهد السياسي المعارض لبقاء الحال على ما هي عليه والتوّاق الى اعتبار الاستحقاق المقبل محطة في مسار تغيير ديموقراطي من ضمن الطائف، كانت (النتيجة) أن أصيب فريق الرئيس بنوع من "الهستيريا"، وبدايتها تعميم هذا الفريق خلال وجود الرئيس في إجازته ان عودته الى البلاد من الإجازة ستكون موعداً مفصلياً لـ"هجوم مضادّ" على معارضي التمديد، هدفه "شلّ" هؤلاء أي تعطيل عملية بلورة المحصلة الإجمالية. وبالفعل بدأ "الهجوم المضاد" المندرج في سياق "الهستيريا" المشار اليها، مستنداً الى الآتي:
الهجوم على الحريري
أولاً ـ تركيز الهجوم على رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري الذي يصنفه فريق الرئيس "العدو رقم واحد" على اعتبار انه يشكل "الحلقة" الأكثر تقدماً في معارضة التجديد والتمديد، و"الحلقة" التي يمكنها في لحظة معينة شدّ سائر حلقات "السلسلة". وحمل الهجوم على الرئيس الحريري عنوانين رئيسيين:
أ ـ على قاعدة ادعاء فريق الرئيس ان التجديد للحود خيار حسمته دمشق في انتظار تبليغه الى كل الفرقاء، هوجم الحريري تحت عنوان انه يعارض خياراً سورياً محسوماً، أي انه ينقلب على الدور السوري في لبنان. وبما ان الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي يعلنون موقفاً معترضاً على تعديل الدستور والتمديد لرئيس الجمهورية ويبدون الحرص على المسار الديموقراطي في لبنان، فقد اعتبر فريق الرئيس انه وجد فرصته لاتهام الحريري بـ"التعامل" مع هذه الجهات الدولية والتحالف معها.. ضدّ سوريا.
الفريق الرئاسي وأميركا
وإذا كان من غير المجدي مناقشة هذا "التفكير" لانه لا يستحق فعلاً، لان ليس كل من يعارض التمديد أميركياً، وكثيرون ممن يعارضونه يؤكدون تحالفهم مع سوريا، فمن المفيد في المقابل التذكير بمحاولات فريق الرئيس التقرّب من أميركا للحصول منها على دعم التمديد والتجديد، للقول تالياً ان التمديد مدعوم إقليمياً ودولياً ويجمع "المجد" من طرفيه.
1 ـ ليس خافياً على الوسط السياسي "الضيّق" في لبنان ان ثمة اجتماعات تعقد منذ فترة طويلة بين أركان من فريق الرئيس وممثلين عن الإدارة الأميركية على مستويات سياسية وأمنية، وآخرها قبل فترة وجيزة بين أحد هؤلاء الأركان وأميركيين في عاصمة غير واشنطن، وغاية هذه الاجتماعات التسويق للتجديد.
2 ـ في هذه الاجتماعات يقدم الفريق نفسه مميزات الرئيس لحود، على انه الوحيد الذي يحظى بثقة سوريا، وانه الرئيس اللبناني القوي، وانه بهاتين الصفتين أي الثقة السورية والقوة، القادر الوحيد على التعاطي مع "ملفي" المخيمات الفلسطينية و"حزب الله"، على اعتبار ان مواقفه الوطنية والقومية "تشفع" له في تحريك "الملفين".. إضافة الى التذكير بحرب فريق الرئيس على "الإرهاب الأصولي" (الضنية مثالاً) وعلى تجّار المخدرات.
3 ـ ولم يعد خافياً على أحد في الوسط السياسي "الضيّق" إن المعادلة المطروحة أمام الأميركيين هي الآتية: وحده الرئيس القوي والموثوق سورياً هو القادر على التعاطي مع الولايات المتحدة ومطالبها. لم يعد ذلك خافياً، ما اضطر الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط الى التحذير من رسائل موجهة الى أميركا مرتين على الأقل ومن الضاحية الجنوبية لبيروت. وهذا من غير نسيان التبرعات لحملة الرئيس الأميركي جورج بوش.
البلديات
ب ـ وإذا كان عنوان الانفتاح على أميركا "يُتّهم" به فريق الرئيس على الرغم من محاولة هذا الفريق الايحاء بأن الانفتاح لا يكون تأمركاً إذا كان "مسموحاً" اقليمياً ويكون "خيانة" في حالة أخرى، فإن العنوان الثاني للهجوم على الحريري، هو نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث انتقل الرئيس لحود بـ"قدرة قادر" من الحديث عن الانتخابات البلدية قبل حصولها بوصفها انتخابات بلا أبعاد سياسية الى الحديث عن دلالاتها على مستوى المزاج الشعبي بعد حصولها، واعتبارها مؤشراً الى "شعبية" العهد، بالرغم من ان النتائج لم تظهر انتصاراً لأي من أركان فريق الرئيس.
ثانياً ـ وتتجلى "الهستيريا" في الاتصالات "المحمومة" التي يجريها فريق الرئيس بأركانه السياسيين والأمنيين بمرشحين رئاسيين أعلنوا عن أنفسهم وعرضوا أفكارهم بشأن موقع رئاسة الجمهورية ودورها الدستوريين. وهذه الاتصالات التي تشمل مرشحين كان يعتبرهم فريق الرئيس من "أهل الدار" تركّز على نقطتين بالدرجة الأولى: "ولوْ" تترشحون في وجه الرئيس!، وان الكلام عن ان برنامج رئيس الجمهورية هو احترام الدستور والسهر على تطبيقه، هو بمثابة "إدانة" لمرحلة كاملة.
الحريري والبطريرك
ثالثاً ـ كما تتجلى "الهستيريا" في التهديد من تواصل الأطراف المعترضين على التمديد والتجديد في ما بينهم، على اعتبار ان ثمة فارقاً بين أن يعلن كل طرف بمفرده موقفه وبين أن يكون ثمة تلاقٍ يؤسس لدينامية لبنانية. ويبني فريق الرئيس لحود على ان ثمة استعصاءين هما الرئيس الحريري من ناحية والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من ناحية ثانية، وان ثمة "مؤامرة" بينهما، وان المطلوب منع التقائهما بأي شكل من الأشكال. وعلى هذه الخلفية قرأت مأدبة الغداء التي أقامها النائب غطاس خوري للسيناتور الأميركي راي لحود على انها مؤامرة أميركية ـ حريرية ـ قرنة شهوانية، لاسيّما ان من بين حضور تلك المأدبة أعضاء من "لقاء القرنة". ومن هنا يتحرك فريق الرئيس بحثاً عن "ملفات" يمكن فتحها في وجه شخصيات مسيحية "تتهم" بعلاقة "ما" مع الحريري.
عنوان "دقة الظرف"
رابعاً ـ وفي "الهستيريا" دائماً، ان فريق الرئيس وفي ضوء التطوّرات الأخيرة بعد جريمة الاغتيال الإسرائيلي للمقاوم غالب عوالي والعدوان الإسرائيلي على الجنوب، اعتبر هذه التطوّرات فرصة لـ"إخماد" النقاش في موضوع الاستحقاق الرئاسي المقبل بحجة "دقّة الظرف" و"أولوية الوحدة الوطنية"، وثمة من بين الفريق من يعتبر ان هكذا تطوّرات ترجح التجديد لرئيس الجمهورية "الفريد" في المواقف الوطنية والقومية، ودائماً على قاعدة انه كلما اشتدت المواجهة يكون ذلك في مصلحة التمديد. ومن نافل القول ان هذه المعادلات المطروحة تضع المسألة الوطنية في تناقض مع المسألة الديموقراطية، الأمر الذي دفعت المنطقة العربية ثمنه غالياً خلال العقود الطويلة الماضية، ويا ليت هؤلاء يقرأون محاضرة المرجع الإسلامي العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله في الجنوب قبل أيام، لكانوا أعفوا اللبنانيين من محاضراتهم "الوطنيّة والإصلاحيّة".
وإذا كان كل ما تقدم يفيد عن "هستيريا" يتخبط فريق الرئيس فيها، وعن هجمات "خبط عشواء" هنا وهناك، تجمع بين الماء والنار، بين سوريا وأميركا، ويتوهّم القائمون بها إمكان فتح أفق تسوية في العلاقات السورية ـ الأميركية يكونون هم عنوانها، علماً انهم يروّجون لحصولهم على دعم أميركي، وهو أمر مشكوك به ضمن المعطيات القائمة على غير صعيد... إذا كان ما تقدم ينم عن "هستيريا" إذاً، فإن المراقبين السياسيين لا يستبعدون أن يقدم هذا الفريق على "أعمال هوجاء" خلال الأيام والأسابيع المقبلة في لحظة نهاية حكم قبل أن يعيد الفريق نفسه اكتشاف ان كل ذلك لا يخدم تمديداً ولا تجديداً ولا إعادة انتخاب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.