لم يكن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في خطاب تأبين الشهيد غالب عوالي، أول من أمس، يشبه أحداً غير السيد حسن نصر الله نفسه في مؤتمره الصحافي غداة أحداث الضاحية في السابع والعشرين من أيار الماضي، وفي الحالتين كان منفعلاً ومتوتّراً. وبالتجربة، يستدلّ على أن نصر الله لا يكون منفعلاً وخطابه متوتراً إلاّ عندما يكون ثمة "منغّص" داخلي يرى فيه خطراً على المقاومة سياسياً وأمنياً، لأنه في حالة المواجهة مع إسرائيل يكون "مُسلطناً".
بالتأسيس على ما تقدم، أي بالنظر الى أن نصر الله حدّد سبب انفعاله حيال جريمة اغتيال القيادي في "المقاومة الإسلامية" على أنه الخلل الأمني الذي نفدت منه إسرائيل لتنفيذ جريمتها، فمن الطبيعي أن تتوقّف الأوساط السياسية أمام مسبّبات ذلك الخلل الأمني الذي يؤشّر نصر الله إليه.
وفي هذا السياق، تقول أوساط متابعة وبعضها غير بعيد من "حزب الله" أنها ليست مفاجأة بأن ثمة حرباً أمنية ـ استخباراتية بين "حزب الله" وإسرائيل، وبأن شطراً من هذه الحرب يدور على الأرض اللبنانية، خصوصاً أن "الهدف" الذي اختارته إسرائيل أول من أمس كادر قيادي رئيسي في المقاومة ينسّق بينها وبين الانتفاضة الفلسطينية. كما أنها لن تكون مفاجأة لو تواصلت الحرب الاستخباراتية الإسرائيلية استهدافاً لكوادر المقاومة وقياداتها وصولاً الى رأس الهرم، في وقت تعلن إسرائيل أن "حزب الله" وأمينه العام تحديداً هدفين لها في التوقيت الذي تراه مناسباً. بيد أن ما يصدم فعلاً هو الاتهام المباشر الذي وجّهه السيد نصر الله بوجود تراخ أمني "رسمي" تتحمّل مسؤوليته الأجهزة الأمنية والسلطة السياسية، ما يشير تالياً الى أحد ثلاثة احتمالات، فإما أن ثمة خلافاً أمنياً بين المقاومة والأجهزة بمعنى الخلاف في التقدير أو أن ثمة تراجعاً في التنسيق الأمني بين الجانبين، أو أن ثمة خلافاً سياسياً مستتراً.
"هيبة" الحزب و"سقف" حمايته السياسيّة والأمنية
وفي تقدير الأوساط المتابعة أن أخطر ما في الأمر هو أن أي احتمال من الاحتمالات الثلاثة لو جرى الأخذ به إنما يعني أن "هيبة" المقاومة لم تعد هي نفسها، وذلك ما قد يفسّر التراخي أو التكاسل. وتعرب الأوساط نفسها عن اعتقادها أن أحداث الضاحية في 27 أيار الماضي شكّلت مفصلاً في "انتهاك" هذه "الهيبة"، لأن تلك الأحداث أعطت عبر "اقتحام" الأجهزة العسكرية والأمنية لـ"عقر دار" الحزب إشارة الى خفض سقف "الحماية" السياسية والأمنية لـ"حزب الله" من قبل السلطة وفريقها الحاكم والأجهزة المؤتمرة بهذا الفريق. وبهذا المعنى يصحّ القول أن اغتيال المقاوم عوالي هو نتيجة لـ"مشهد" الضاحية في 27 أيار الفائت، أي أن الخطير فعلاً هو أن الحرب الاستخباراتية الإسرائيلية تُشنّ ضدّ "حزب الله" في لحظة انخفاض سقف الحماية السياسية والأمنية الرسمية، ما يشكّل ثغرة بالغة الخطورة. ذلك أنه من المعروف أن "الأمن" لا يعود على سويّة معيّنة عندما لا يعود القيّمون عليه "قابضين عن جد" المسألة السياسية التي يحمون.
اذاً، تسجل الأوساط المتابعة قناعتها بأن اغتيال عوالي واحدة من نتائج 27 أيار من زواية "الهيبة" المنقوصة للمقاومة لدى الفريق الحاكم وأجهزته، أي أن الاغتيال الذي لا يجادل أحد، في أنه كان يمكن أن يحصل بـ"أي شكل"، إنما حصل في لحظة خلل وجد السيد نصر الله نفسه حياله مضطراً لـ"الصراخ"، فكيف إذا كان نصر الله قدم بعد 27 أيار "ملاحظات" لم يؤخذ بها لا بل رد عليها المرجع القضائي مسخّفاً وهو المرجع القضائي نفسه الذي عاد ورد ثانية خلال اليومين الماضيين على كلام نصر الله حول الأحكام المتساهلة بحق العملاء. ومن وجهة نظر الأوساط نفسها، فإن "المشهد" الذي بدت عليه الضاحية في أيار، أعطى "الايحاءات" لمن يعنيه الأمر بأن ثمة استعداداً ما لـ"المفاصلة" على موضوع "حزب الله"، وهذا هو بالضبط المناخ المختل.
أسئلة في "الأمن الوطني والقومي"
غير أن الأوساط تلفت الى قضية ثانية. فالسيد نصر الله تحدث، أول من أمس، عن عملاء محليين لإسرائيل يسرحون ويمرحون، لا بل يقتربون أكثر فأكثر من قيادة المقاومة، وتحدث عن عناصر استخباراتية إسرائيلية تدخل البلاد بجوازات سفر أوروبية وأميركية وأجنبية، أي أنه لفت الى وجود شبكات إسرائيلية تخرق الأمن الوطني والقومي للبنان، وليس أقل من ذلك، وعلى الأرجح ان قيادة الحزب أبلغت هذه المعطيات الى الأجهزة الرسمية المختصة. والسؤال الذي يغدو مطروحاً بقوة من وجهة نظر الأوساط هو الآتي: هل ثمة ما هو أخطر على الأمن الوطني والقومي اللبناني من وجود شبكات اسرائيلية؟ وفي رأيها أن أسئلة عدة تتفرع عن ذلك السؤال المركزي: هل أن الأجهزة الأمنية باختصاصاتها كافة غافلة عن هذا الخطر على الأمن الوطني والقومي؟ هل أن مطاردة شبكات أصولية وتجار المخدرات أولوية تعلو أولوية مواجهة الاختراق الاسرائيلي؟ أم أن ثمة ما هو أهم يتعلق بالتنصت على السياسيين والإعلاميين وملاحقة "فلول" المعترضين على التمديد واتهامهم بـ"الخيانة الوطنية والقومية؟ والأهم هل ثمة تخطيط يقضي بالتمهيد لدخول الضاحية عسكرياً وأمنياً، من مدخل "الثغرة" وبصيغة من صيغ الأمر الواقع أي من دون تفاهم سياسي ـ وطني بما يجعل "المفاصلة" مع الخارج أكثر احتمالاً؟
عبرة من السبعينيات
وإذ تؤكد الأوساط أنها لم تكن ترغب في هذا النقاش ودماء الشهيد عوالي لم "تنشف" بعد، تعود بالذاكرة الى مرحلة نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي. ففي نهاية الستينات كان "المكتب الثاني" قد أصبح في نظر معظم السياسيين وأكثرية اللبنانيية عنواناً للتدخلات السياسية واستباحة الحريات والقمع والسيطرة على السلطة السياسية، أي أنه كان قد أصبح مستنزفاً بـ"شرّ أفعاله". وخيضت معركة رئاسة الجمهورية صيف العام 1970 من قبل معارضي العهد الشهابي الثاني (عهد الرئيس الراحل شارل حلو) تحت يافطة الديموقراطية والحريات وصنوها آنذاك إسقاط "الشعبة الثانية"، ونجح المعارضون في إيصال الراحل سليمان فرنجية الى رئاسة الجمهورية. وأطلق العهد الجديد يومها حربه على "المخابرات" و"الأجهزة"، وكان ما كان من نتائجها، وأبرزها "أمن ضعيف" بمقياس ضرورات مواجهة تحديات تلك المرحلة.
في هذا المناخ، تحول لبنان، خصوصاً بوجود المقاومة الفلسطينية على أرضه، الى "قاعدة" استخباراتية دولية، لاستخبارات المعسكرين.. وللاستخبارات الاسرائيلية، ولم يكن أمن لبنان منيعاً. فنفذت اسرائيل في العام 1973 عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في شارع فردان في قلب العاصمة بيروت، ولم تكن الأجهزة الأمنية تعلم شيئاً.
ما العبرة من هذه العودة الى التاريخ؟
إذا كان صحيحاً بـ"المنطق التاريخي" انه لا يمكن لأمور معينة أن تتكرر "حرفياً"، فالصحيح هو أن الأجهزة عندما تستغرق في السياسة الداخلية فإنها "تهري" نفسها، وعندما تمارس دور السلطة الموازية تصبح عرضة لتصفية الحسابات والانتقامات السياسية، ويغدو الأمن الوطني ضعيفاً.. وعندما يغدو الأمن الوطني بلا مناعة تصبح البلاد في دائرة خطر جسيم. فهل من يعتبر فيوجه الأجهزة صوب دورها الطبيعي في حماية لبنان من الخطر الإسرائيلي الذي يبقى في طليعة الأخطار؟ وهل من "يعقِل" حقيقة أن الخطر ليس في عدم التمديد أو التجديد بل الخطر باعتراض المسار الديموقراطي في جميع المحطّات؟ أم أن الأمور ستتكرر بحيث يجري تحت عنوان الأمن الوطني تخوين الناس وقمعهم والفتك بالحياة السياسية؟
بين ردّ الحزب وخطّة إسرائيلية لاستدراجه
على أي حال، وفيما تجمع الأوساط على أن حماية "حزب الله" مهمة لبنانية، وعلى رفض أن يسيل دم "حزب الله" لأنه أمانة في أعناق كل اللبنانيين ولا يقبلون عرضه لـ"البيع والشراء" في "الأسواق" الخارجية، فإنها تلفت الى خطورة اللحظة، لا سيما في ضوء تطورات يوم أمس جنوباً.
وفي هذا المجال، ومع فهمها لحقيقة أن "حزب الله" لا يستطيع أن يمرّر جريمة اغتيال عوالي من دون ردّ، ومع تقديرها لواقع أن الحرب الأمنية ستستمر بأشكال مختلفة بينه وبين إسرائيل، ومع يقينها أن الحزب يعرف كيف يردّ ويصيب ويوجع، فإن الأوساط المتابعة تبدي خشيتها من أن تخطّط إسرائيل لـ"استدراج" المقاومة الى مواجهة على "الجبهة الجنوبية". ذلك أن الحكومة الإسرائيلية "المرتاحة" الى التطورات على الساحة الفلسطينية في ظل الصراع الفلسطيني الداخلي الخطير، و"المرتاحة" الى وضع حليفها الأميركي في العراق (بالمعنى الاستراتيجي)، وفي ظل المواقف العربية والدولية المعروفة، قد تجد (إسرائيل) أن الفرصة مؤاتية لـ"تصفية" الحساب مع "حزب الله". وبهذا المعنى، يصبح من الضروري أن تكون مواجهة "حزب الله" للأخطار الإسرائيلية عليه وعلى لبنان، محكومة الى "سقف" التنبّه من "الاستدراج"، وهو ما تعرب الأوساط نفسها عن اطمئنانها إليه ثقة بالحزب وأدائه، لا سيما في لحظة إقليمية ـ دولية ليس خافياً معها أن "التوسيع" مصلحة إسرائيلية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.