عندما عرض رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مطلع الأسبوع الجاري ما سمّاه دفتر الشروط الذي يرى ضرورة التزام رئيس الجمهورية المقبل به، تناول موضوع المخيمات الفلسطينية على نحو واضح طارحاً معادلة واقعية تقوم على توفير الضمانات الإنسانية والأمن الاجتماعي للفلسطينيين في مقابل السلاح الفلسطيني بعد أن بات هذا السلاح عبءاً على المخيمات نفسها كما لاحظ جنبلاط.
وعلى الأرجح فإن جنبلاط المعروفة مواقفه حيال الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ينطلق من قناعة بأن السلاح في المخيمات لا يشكّل حماية أمنية لسكانها أولاً ولا وظيفة له في إطار النضال الفلسطيني المتركّز في الداخل ثانياً ولا دور له انطلاقاً من لبنان ثالثاً وأساساً. وأكثر من ذلك فإن الزعيم الاشتراكي يخشى هذا السلاح عندما يغدو في أيدي مجموعات أصولية متطرفة خطِرة يمثل الوضع الاجتماعي المزري في المخيمات واحداً من أسباب نموّها إضافة الى أسباب أخرى استخباراتية. ولذلك فإن معادلة جنبلاط واضحة لجهة تلازم معالجة مسألة السلاح ومعالجة المسألة الانسانية ـ الاجتماعية، وكل ذلك في إطار سياسي يفترض أن ينهض على أساس حوار سياسي لبناني ـ فلسطيني ـ سوري.
وإذا كان ما طرحه جنبلاط واضحاً تماماً، فإن السؤال الذي تطرحه أوساط لبنانية وجدت في الطرح الجنبلاطي فرصة لمعالجة موضوع "يجرجر" نفسه منذ مدة طويلة وفرصة لطي صفحة من العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية المتأزمة، وفي لحظة مناسبة، هو الآتي: لماذا لم تتعاط السلطة في لبنان والفريق السياسي ـ الأمني المهيمن عليها بالتحديد قبل الآن مع هذا الملف بهدف إقفاله، ولماذا لا تزال تؤجله؟
"الحل السياسي" الممكن
وقبل أن تجيب الأوساط المرحّبة بالطرح الجنبلاطي عن هذا السؤال، تجدر الإشارة الى "معطى" يكشف عنه مصدر فلسطيني مطّلع يقول أنه سبق لمسؤول فلسطيني رفيع المستوى أن طرح علناً خلال زيارة له الى لبنان المعادلة نفسها التي عرضها جنبلاط، لكن الجهة اللبنانية الرسمية لم تتعامل في حينه مع هذا الطرح، ومعروف لدى اللبنانيين جميعاً أن الجهة الرسمية التي تمسك بهذا "الملف" وتتمسك به هي الفريق السياسي ـ الأمني لرئيس الجمهورية. ويضيف المصدر الفلسطيني أن زيارات المسؤولين في السلطة الفسلطينية وفي منظمة التحرير الفلسطينية توالت وبوتيرة ملحوظة الى بيروت، وكان وضع المخيّمات بنداً دائماً في المحادثات، وكان المسؤولون الفلسطينيون يشدّدون باستمرار على ما يسمّونه "الحل السياسي" لموضوع المخيمات بديلاً من "الحل الأمني". وفي "الحل السياسي" هذا، كانوا دوماً يعرضون حواراً لبنانياً ـ فلسطينياً رسمياً، ويطلبون تجديد الاعتراف اللبناني الرسمي بمنظمة التحرير الفلسطينية وتكريس هذا الاعتراف باعادة فتح مكتب المنظمة في بيروت بوصفه مكتب تمثيل سياسي، ويشير المصدر الى ان هذه الاقتراحات التي يرى الفلسطينيون ان الأخذ بها يؤسس لـ"الحل السياسي" لموضوع المخيمات، قوبلت بوعود كبيرة لكن هذه الوعود لم تنفذ حتى الآن.
اذاً، ثمة استئخار من الفريق السياسي ـ الأمني للأمر في وقت تستفحل أزمة المخيمات وينبت "أمير" بين فترة وأخرى، وتولد "منظمة" وتدور اشتباكات، وحتى مساعدة الفلسطينيين على توحيد مرجعيتهم في لبنان لا تحصل في وقت من المعلوم ان هذا الأمر في يد العديد من "اللاعبين" ضمن "الملف" الفلسطيني. وأكثر من ذلك تقول رواية مصادر سياسية لبنانية موثوقة ان الفريق السياسي ـ الأمني أياه "استخدم" ورقة المجنسين الفلسطينيين في إحدى الدوائر الانتخابية خلال الانتخابات البلدية الاخيرة لترجيح كفة لائحة معينة، في مقابل الوعود التي كانت تعطى للفلسطينيين بأن يتم درس اقتراحاتهم لـ"الحل السياسي" لموضوع المخيمات.
أوجه استخدام موضوع المخيمات
لماذا كل ذلك؟
تحدد الأوساط اللبنانية المرحبة بطرح جنبلاط جملة اعتبارات تدخل في حسابات الفريق نفسه، وذلك على النحو الآتي:
أولاً ـ ان هذا الفريق الذي يعرف تمام المعرفة ان السلاح في المخيمات ليس وسيلة ضغط في مسار تحقيق عودة اللاجئين ومنع التوطين، والذي يعرف ان للحل السياسي (على أساس معادلة وليد جنبلاط) قابليّة التحقق، يتصرف على أساس إبقاء هذا الملف مفتوحاً وإبقاء الأضواء مسلطة عليه، وفي ذهن بعضهم إمكان "استثمار" الفوضى سياسياً أو التهديد بها.
ثانياً ـ ان الفريق نفسه، بعدم التوجه نحو "الحل السياسي"، يحاول إبقاء هذا "الملف" فزاعة نحو الداخل اللبناني، وإبقاء لون من الأنقسام اللبناني حول هذا الموضوع، وتبرير شعاراته "الوطنية".
ثالثاً ـ وهذا الفريق ينأى باستمرار عن الحديث في معالجة موضوع المخيمات بالسياسة بما يؤدي الى تحقيق المعادلة المقترحة من جنبلاط، والتي يؤدي تنفيذها الى استعادة المخيمات الى حضن الدولة، في مقابل تصويره ان الحل يكمن في دخول الأمن اللبناني الى المخيمات التي يصفها بـ"الجزر الأمنية"، لكنه يقول أيضاً ان الدخول مرهون بتوافر ظروف ملائمة وان هذه الظروف لم تنضج بعد.
رابعاً ـ واذا كان ما سبقت الإشارة اليه، يعكس "الفائدة" التي يجنيها الفريق أياّه من المماطلة، فان الأشد خطورة يتمثل في محاولة "الاستفادة" من "صورة" المخيمات بوصفها بؤراً إرهابية، تسويغاً للكلام السياسي عن دور الفريق في محاربة الإرهاب وأحياناً التهويل بامكان انفلاته "لولا" الضبط المفروض عليه، وأحياناً أخرى محاولة "شراء" المقابل لاستئصاله. وبكلام آخر، ترى الأوساط ان إحدى وظائف طريقة تعاطي الفريق السياسي ـ الأمني بهذا الملف، موجهة الى الخارج، الأميركي تحديداً، في محاولة لـ"استدراج عروض"، وإدخال موضوع المخيمات من ضمن صفقة ما. وهذا لا يعني سوى "تجهيز" ورقة المخيمات لـ"عملية بيع وشراء".
ملف أحداث الضنية
اذاً، وعلى خلفية اللجوء الى محاولة توظيف موضوع المخيمات سياسياً بما في ذلك في استحقاقات التمديد والتجديد، وقد غُلّفت هذه المحاولة بالحديث عن مواجهة الإرهاب، ترى الأوساط اللبنانية نفسها ان في موازاة عنوان المخيمات عنواناً آخر يتعلق باستمرار محاكمة معتقلي الضنية بعد أربع سنوات ونصف السنة من أحداث الضنية. وتشير هنا الى أن "الصيغة" هي نفسها كما في الحالة السابقة أي إبقاء الملف مفتوحاً لإبقاء الضوء مسلّطاً على أن ثمة إرهاباً في لبنان وعلى أن ثمة مواجهة له.
وتستند الأوساط في استنتاجها هذا الى ما تذكره مصادر إسلامية عاقلة عن استدعاءات بشكل منتظم لـ"شباب متديّنين" من طرابلس وعكار والبقاع الغربي الى التحقيق. وتضيف المصادر الإسلامية أن هذه الاستدعاءات التي تتمّ تحت لافتة أحداث الضنية السابقة، تكشف في عدد من جوانبها عن نزاع بين جهازين استخباريين لبنانيين، أي عن "تنافس" بينهما. وإذ تعود الأوساط بالتأسيس على ما تذكره المصادر الإسلامية الى الاستنتاج، تقول أن عدم إنهاء محاكمة معتقلي الضنية يبقي الملف مفتوحاً ومعه حالة الاستدعاءات للمفاخرة بأن ثمة متابعة في مجال ملاحقة الإرهاب والإرهابيين، وهذا ما يوجه الفريق السياسي ـ الأمني من خلاله رسائل الى الولايات المتحدة.. ودائماً في إطار "عملية البيع والشراء".
وإذا كانت هذه الطريقة في التعامل مع "ملف الضنية" تترك انعكاسات بالغة السلبية كما تؤكد المصادر الإسلامية العاقلة، فإن الأوساط اللبنانية تعتبر أن تعاطي الفريق السياسي ـ الأمني مع مسألتي المخيمات ومعتقلي الضنية بوصفهما موضوعين في إطار مشروع التمديد والتجديد، وبوصفهما "عدّة شغل" ورسائل الى الخارج، إنما هو نوع من التلاعب الخطير بالاستقرار. وتختم بالقول ان إدارة عناوين "دقيقة" بتوظيف سياسي "مصلحي"، إنما يجعل الأمن مسألة سياسية ويسيء الى لبنان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.