يوماً بعد يوم، يكتشف فريق الرئيس إميل لحود من المشتغلين على التجديد له أن هذا الخيار يصطدم بجدران سميكة لبنانياً وإقليمياً ودولياً ما يجعله خياراً ساقطاً بالفعل. وفي ضوء هذه "الملاحظة"، تفيد المعلومات المتوافرة أن الرئيس لحود دخل حتى من مكان إجازته في مرحلة من التوتّر الشديد، في حين بدأ بعض فريقه السياسي ـ الأمني يفكر في البدائل ويخطّط لها.
سوريا تبتعد عن التجديد ولحود يتوتّر
وفي المعلومات أيضاً أن الرئيس لحود متوتّر ليس فقط لتلمّسه حقيقة أن المجتمع السياسي اللبناني بغالبية قواه الرئيسية الحيّة والفاعلة قد "اقترع" ضد التجديد، ما يجعل فرضه تحدياً للبنانيين في محصّلة إرادتهم السياسية، إنما لـ"شعوره" أن سوريا "تأخرت" من وجهة نظره في حسم قرارها بالتجديد له. وهنا يقول "العالمون" إن دمشق التي احتفظت لنفسها بتحديد الوقت المناسب لحسم الموقف، باتت تبتعد أكثر فأكثر عن خيار دعم لحود في ولاية رئاسية ثانية من دون أن تبلّغ لحود نفسه بـ"تموّجات" تفكيرها حيال الاستحقاق الرئاسي اللبناني. ولا يخفى في هذا المجال أن العاصمة السورية التي تربط حسم الموقف من جانبها بشأن هذا الاستحقاق بما ستكون عليه صورة الوضع الإقليمي في الأسابيع المقبلة وتحديداً بالعلاقة السورية ـ الأميركية، تعرف أن التجديد للحود مرفوض أميركياً في جميع الأحوال، وان أي تسوية "افتراضية" بين دمشق وواشنطن لا يمكن أن تتم حول اسم لحود، وربما أكثر من ذلك، فإن واشنطن كما أبلغت ديبلوماسيّتها جميع المعنيين ليست في وارد عقد صفقة مع سوريا بشأن الاستحقاق الرئاسي في لبنان، ولا في وارد صفقة اقليمية يشكّل الاستحقاق اللبناني واحداً من بنودها، كما يقول العارفون ضمن الأوساط السياسية اللبنانية.
إذاً، في الوقت الذي تفحص سوريا الاحتمالات، التي من بينها احتمال التعاطي مع ما ستفرزه "لبننة" الاستحقاق، يتصرف لحود بتوتّر، محاولاً الضغط على دمشق لـ"التعجيل" لمصلحته. ولحود الذي كان يعِد نفسه بأن يشهد مطلع تموز الجاري حسم التعديل الدستوري للمادة 49، طلب من مقرّبين منه الترويج لأخبار تفيد أن البلاد ستشهد مع عودته من الإجازة تطوّراً جديداً يضع جميع معارضي التجديد في خانة "اليكْ"، مبشّراً بـ"مواقف حاسمة" تشلّ قدرة المعارضين على المعارضة.
خطة أولى: رئيس بديل "ممسوك"
بيدَ أن جزءاً آخر من الفريق السياسي ـ الأمني الذي يلمس تحوّل خيار التجديد للحود الى ما يشبه "الاستحالة"، لا يتصرّف بالطريقة نفسها. ذلك انه بقدر ما يمثل التجديد للحود ضماناً لمصالح هذا الجزء، فان المجيء برئيس "مكموش" يشكل ضماناً للمصالح أيضاً. وفي هذا الإطار، تتحدث المعلومات عن وقوع اختيار هذا البعض على وزير سابق كانت أول مهمة وزارية له في الستينيات من القرن الماضي، وهو يلقى دعم مسؤول أمني لبناني كبير، فضلاً عن دعم وزير سياسي حالي هو لا يعتبر نفسه من ضمن فريق التجديد. وتضيف المعلومات أن الوزير السابق يحيط نفسه بقدر من الايحاءات التي تفيد أنه يحظى بدعم سوري وبموافقة أميركية، لكنه يسعى الى الحصول على بركة البطريركية المارونية، ليغدو "كامل الأوصاف".
خطة ثانية: "حرق" المعارضين
ليس هذا فقط. فالفريق السياسي ـ الأمني اللبناني الذي يخطط لـ"بدائل" من التجديد للحود، موحياً بالتنسيق مع فريق أمني غير لبناني أو انّه ينسّق معه بالفعل، يعمل على خط آخر مواز. فإذ يعتبر أن البدائل من لحود المصنفة "محروقة" بالمعايير الدولية ـ الأميركية، وهي بدائل من ضمن "الصف الواحد"، يسعى في الوقت نفسه الى "حرق" بدائل من ضمن المعارضة. وفي هذا الإطار، ترددت في الأيام الأخيرة معلومات عن دعوات وجهت أو ستوجه الى شخصيات في المعارضة، ولو كانت هذه الشخصيات متفاوتة جداً في معارضتها، لزيارة دمشق ولقاء كبار المسؤولين السوريين. وفي ذهن الفريق السياسي ـ الأمني اللبناني الذي يوحي بالتنسيق مع فريق أمني غير لبناني أن مثل هذه الخطوة من شأنها اختراق المعارضة من جهة وحرق الشخصيات مسيحياً من جهة ثانية.
خطة ثالثة خطيرة: التلاعب بالمؤسسات والاستقرار
ومع أن مراهنة هذا الفريق على الخطوة الأخيرة (حرق معارضين) تحتاج كي تصبح حقيقية الى "دهاء" لا يقل وجوده عند المعارضة نفسها، فإن الخطة التي يركز عليها هذا الفريق تقضي بتأجيل الاستحقاق الرئاسي الى ما بين 3 و23 تشرين الثاني المقبل، أي الى ما بعد الانتخابات الأميركية.
بطبيعة الحال ان التأجيل الى هذا التاريخ يعني ان خيار التجديد للحود ساقط تماماً، لأن تعديل الدستور للتجديد لا يعود وارداً. لكنه يعني محاولة فرض رئيس من "طينة" الفريق الذي يعمل له، في لحظة انشغال الولايات المتحدة بانتخاباتها. لكن الخطير في المعلومات المتوافرة هو أن الفريق نفسه أو بعضه سيحاول في حال عدم مرور "الخطة" السابقة، تأجيل الاستحقاق الرئاسي برمته، وترك الأمر في عهدة حكومة انتقالية تعهد رئاستها الى مرجعية غير مدنية، تتولى التحضير للانتخابات النيابية والإشراف عليها فيقوم المجلس المنبثق منها بانتخاب الرئيس الجديد. وهذا يقتضي تطيير الحكومة الحالية باستقالات من داخلها وتطيير نصاب المجلس النيابي مرات متتالية.
طبعاً، تبدو هذه الخطة "همايونية" من زوايا عدة: التلاعب بالدستور والمؤسسات الدستورية، وبالاستقرار السياسي في البلاد. لكنها في الوقت نفسه تعكس ارتباكاً شديداً، ذلك أنها ترتكز في محطاتها كافة الى فرضيات وتهيؤات وافتراض أن مفاصل جميع الأمور "تحت السيطرة" وهي ليست كذلك. ولأن لا رهان عند أحد على "حكمة" هذا الفريق أو "عقله"، فإن الأوساط السياسية تنبه الى خطورة المرحلة الفاصلة عن الاستحقاق الرئاسي، انطلاقاً من توقع أن يعمد التجديديون او الباحثون عن بدائل من نفس "الصنف" الى تأزيم الأوضاع اللبنانية بشكل "دراماتيكي".
جنبلاط والعرض البديل
لكن هل من بديل لكل هذا التوتر اللحودي والتخطيط الموازي لـ"طهو" الاستحقاق على نار التأزيم؟
نعم، يجيب المطلعون. وما قدمه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أول من أمس هو البديل أو أحد العروض البديلة وهو الآلية البديلة، تماماً لأنه عرض "اللبننة" الضامنة لسوريا وللعلاقة بها.
فجنبلاط الذي شاء أن يحصن سوريا باللبننة مُظهراً بوضوح أن "اللبننة" ليست ضد سوريا، حدد دفتر الشروط الواجب توافرها في الرئيس الجديد، وهي شروط لا يستطيع أحد وضعها خارج "الخط الوطني" في الوقت نفسه الذي يشترط على الرئيس الجديد توسيع هامش القرار اللبناني في الشؤون الداخلية. والآلية الضمنية في ما عرضه الزعيم الاشتراكي تفترض بالمرشح الى رئاسة الجمهورية المرور بالناخبين اللبنانيين، فإذا كان الناخبون اللبنانيون من وزن جنبلاط وتاريخه لا يصلحون لضمان خط العلاقة مع سوريا، فهل من أمل يرجى لسوريا ولبنان؟
أما الذين يظنون أن تأجيل الاستحقاق الى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، يجعلهم أكثر قدرة على التحكم بمساره، فإنهم في واقع الأمر يراهنون على الحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة، وإلا فما معنى تعميمهم مقولة أن إعادة انتخاب جورج بوش تعني التشدد الذي يفترض مواجهته؟ أليس في مثل هذا الكلام افتراض أن جون كيري أقل تشدداً؟. والحال أن أي عارف بالسياسة الأميركية يقول إن سياسة الادارة في واشنطن ستبقى هي نفسها في خطوطها العامة والكثير من تفاصيلها. والسؤال الأهم: هل من منطق بعدُ لسياسة تقوم على الرهان على الوقت وتبني حساباتها على تأخير الاستحقاقات في مواجهة التحديات كافة؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.