سؤالان طرحا بقوة في الأوساط السياسية خلال الأيام الأخيرة: هل سقط خيار التجديد للرئيس اميل لحود؟ وما هو البديل من التمديد والتجديد أي من هو الرئيس البديل؟
عن السؤال الأول تجيب أوساط متعددة الاتجاهات ان خيار التجديد للحود ساقط بالفعل للاعتبارات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ عندما "أفرج" اللبنانيون عن أنفسهم وعن مواقفهم، فإنهم عبروا بلا مواربة ولأسباب متداخلة دستورية وسياسية ووطنية عن رفضهم التمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية الحالي. ولم يشذّ من بين القوى السياسية والمرجعيات والشخصيات المختلفة في موقفها هذا، الا النائب ميشال المر الذي "أهدى" نتائج الانتخابات البلدية في المتن الى الرئيس والتجديد. وحتى القوى المتريثة في تحديد موقفها، لا يخفى انها ترى في التجديد عنواناً لمشكلة لبنانية بالغة الكلفة. وحتى الجهات التي ربطت موقفها "النهائي" من التمديد والتجديد بـ"مقتضيات الخط الوطني والقومي"، أكدت بداية أنها ضد التجديد، وهي تعرف تمام المعرفة أن لا خطر على "الخط الوطني" من أي قوة سياسية حية في لبنان، اذا كان "الخط الوطني" مفهوماً على انه التزام بوثيقة الوفاق الوطني بكل ما تنص عليه.
ويمكن القول بلا تردد أن التجديد سقط في الامتحان اللبناني، وإن كان ثمة تفاوت في القناعة بين فريق لبناني وآخر بمدى تأثير الموقف اللبناني على قرار الاستحقاق، بين مقتنع بأن له تأثيراً ومقتنع بأن قرار الاستحقاق منحكم فقط الى حسابات اقليمية ودولية. وفي اعتقاد العديد من الأوساط السياسية ان إبقاء خيار التمديد والتجديد قيد التداول من قبل البعض يهدف الى التأثير في الخيار البديل، أكثر من كونه خياراً فعلياً قائماً.
المصلحة السورية
ثانياً ـ وإذا كان المعترضون على التجديد قد شرحوا الحيثيات التي تملي هذا الاعتراض، مشددين على الكلفة الباهظة التي ستترتب على لبنان من جراء التجديد للحود، فإن الأوساط نفسها ترى ان كلفته على لبنان لا تعني السياسيين معارضين وأقل معارضة وموالين فقط، بل تعني النظام السياسي وطبيعته الميثاقية والوضع الاقتصادي والمالي أيضاً. غير أن الأوساط تعتبر أن للتجديد كلفة على سوريا التي لا مصلحة لها في أن تدير علاقتها بلبنان وقد برزت بوضوح الوجهة اللبنانية المعارضة لبقاء لحود في السطة، ولا مصلحة لها في أن ينتقل لبنان في ظل رئاسة ثانية للحود الى نظام شبه أمني انقلابي على الطائف، كما لا مصلحة لها في أن تكون شاهداً على تدهور في المجالات كافة.
المعطيات الدولية
ثالثاً ـ واذا كان مما لا شك فيه ان خيار التجديد سقط في الامتحان اللبناني، وان له كلفة على سوريا أيضاً، فإن الأوساط تلفت الى الموقف الدولي حيال هذه المسألة.
1 ـ تشير الأوساط الى أنه بالاضافة الى التوافق الأميركي ـ الفرنسي ـ الأوروبي كما عبرت عنه قمة الرئيسين الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك حول ضرورة حصول انتخابات رئاسية في لبنان بالاستناد الى الدستور وحول ضرورة أخذ رأي اللبنانيين في الحسبان، فإن مصادر ديبلوماسية غربية ذكرت أمام هذه الأوساط أن قمة "سي ايلاند" اختلفت تقريباً على كل شيء باستثناء لبنان حيث جرى التأكيد على الموقف نفسه.
2 ـ وتضيف انها سمعت خلال اليومين الماضيين من السيناتور الأميركي راي لحود أثناء وجوده في بيروت كلاماً أميركياً واضحاً، حرص على أن ينسبه الى نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد "المكلف بالموضوع اللبناني فضلاً عن موضوعات أخرى" كما قال، ومفاد هذا الكلام ان الولايات المتحدة مع انتخاب رئيس جديد للبنان على قاعدة الدستور اللبناني، عبر "انتخابات حرة ومستندة الى الدستور". وقال السيناتور ان لدى لبنان دستوراً يجب احترامه وانتخابات يجب احترام مواعيدها. وإذ أبدى رغبته في أن يأتي الى لبنان في السنة المقبلة "في ظل رئيس جديد"، أضاف ان هذا الموقف الأميركي الرسمي سيبلغ عاجلاً الى كل من بيروت ودمشق، ملاحظاً ان تجاهله من شأنه أن يحدث تأزماً في العلاقات الأميركية ـ اللبنانية ومزيداً من التأزم في العلاقات الأميركية ـ السورية.
3 ـ وتشدد الأوساط على ان التجديد يصبح بناء على كل المقدمات الآنفة تحدياً للبنانيين وتحدياً للموقف الدولي الأميركي ـ الأوروبي (ومن ضمنه روسيا)، فضلاً عن كونه ذا كلفة على سوريا للأسباب المشروحة آنفاً، ولأنه يعرضها ولبنان الى مزيد من الضغوط.
البديل ليس إسماً في البداية
وإذ ترى ان الاعتبارات التي جرى طرحها كافية لاستنتاج ان خيار التجديد قد سقط بالفعل، تنتقل الى الإجابة عن السؤال الثاني: ما هو البديل ومن يجسده؟
وهنا، تبدأ بالاشارة الى أن ثمة من يظن ان انتقال البحث الى بديل من لحود من شأنه أن يضع المعترضين على التجديد له في "مأزق"، الأمر الذي يؤدي الى إعادة إحياء الخيار التجديدي مرة أخرى. وفي مقابل هؤلاء، يطرح البعض الآخر إشكاليات، منها ان أسماء ترشح نفسها لخلافة لحود تقيم في "خانة" لحود نفسها، ومنها أنه لا يمكن الإتيان بمرشحين من المعارضة، ومنها ان "الوسط" الماروني أي "الوسطيين" الموارنة ليسوا بحجم يسمح بإطلاقهم في "فضاء" الرئاسة اللبنانية.
بيد أن الأوساط المتعددة الاتجاهات والمتقاطعة على معارضة التجديد للحود، ترى أن مسألة الأسماء ليست "عقدة" في ذاتها لأن الأساس هو حصول توافق لبناني بين القوى الحية الرئيسية حول "البرنامج" الذي يجب أن يشكل سقفاً للرئيس المقبل، وأن يكون انتخابه مجرد محطة أولى في سياق انتقال لبنان من مرحلة الى أخرى. وبكلام آخر، تشرح الأوساط رأيها بالقول أن الأمر المطروح يتجاوز المواصفات الشخصية للرئيس المقبل ـ على أهميتها ـ نحو توافق وطني يشكل المناخ السياسي المطلوب توافره لتظليل الانتخابات الرئاسية.
عناوين التوافق اللبناني المطلوب.. والإسم نتيجة
وفي هذا السياق، تسجل شخصيات منتمية إلى هذه الأوساط مجموعة من العناوين التي لا بد أن تكون في صلب توافق وطني لبناني:
أ ـ انطلاقاً من وجوب التمسك بوثيقة الوفاق الوطني وبالدستور، وانطلاقاً من اعتبار ان الدستور غير قابل للمس قبل تطبيقه تطبيقاً كاملاً، تغدو إعادة الاعتبار للميثاق والدستور في المرحلة المقبلة عنواناً رئيسياً.
ب ـ وإذا كانت المرحلة السابقة منذ الطائف، تميزت بالسياق غير الطبيعي لإنتاج السلطة وتحقيق المشاركة، فإن استعادة لبنان وحياته السياسية الى سياق ديموقراطي طبيعي، تصبح العنوان التالي المهم.
ح ـ وفي هذا الإطار، يصبح موضوعا قانون الانتخابات الديموقراطي ومفهوم حكومة الوفاق، عنواناً منطقياً.
د ـ الى ذلك، فان المسألة الاقتصادية ـ الاجتماعية، بالتوازي مع المسألة المالية (الدين العام والعجز) تمثل عنواناً رئيسياً، يحتاج الى توافق سياسي كبير، يبني على الاجراءات التي كان جرى الشروع بها في امتداد باريس ـ 2 ويضع توجهاً انقاذياً فعلياً، وهو التوجه الذي قطع العهد الحالي الطريق عليه بحسابات سياسية ضيقة.
هـ فتح ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية بهدف الوصول الى تصحيح الاختلالات وتطوير هذه العلاقة لمصلحة البلدين والموقف المشترك من الصراع العربي ـ الاسرائيلي ولمصلحة العمل العربي المشترك بما في ذلك في الميدان الاقتصادي.
و ـ استعادة لبنان علاقاته على المستويين العربي والدولي بما يأخذ في الاعتبار كل المعطيات المتغيرة وبما يمكنه من تحصين وضعه حيال التطورات.
ز ـ اعادة صوغ دور لبنان في المنطقة والعالم في مواجهة التحديات كافة.
وتقول الأوساط نفسها ان تحقيق توافق لبناني حول هذه العناوين يحقق بالنتيجة فرزاً بين المرشحين للرئاسة، ويفرض على من يبقى منهم من "الجديين" الالتزام بهذا التوافق، فيكون انتخاب أحد هؤلاء "نتيجة" ومحطة في مسار تغييري ممره الإلزامي التوافق المشار اليه. وتختم بالتشديد على أن البديل من لحود يصبح والحالة هذه توافقاً لبنانياً أحد بنوده الاستحقاق الرئاسي، لا بل بنده الأخير ـ أي النتيجة ـ هو الرئيس المقبل الذي يتمتع بالقدرة على السير بما تم الاتفاق عليه، ولن يحصل أي "مأزق" على الاطلاق في مسيرة الانتقال الى مرحلة جديدة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.