8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التجديد الذي كان مرفوضاً لرؤساء حاكمين مرفوض لمن يُفترض ألا يحكم

انطلاقاً من قاعدة أن العودة إلى التاريخ مدخل لا بدّ منه للإطلالة على الحاضر وقراءته، وفي ضوء التجربة اللبنانية التي تفيد أن معظم ما فيها لا يزال راهناً، يعرب المخضرمون في السياسة اللبنانية عن اعتقادهم أن كل رئيس للجمهورية في لبنان، خصوصاً في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية طبع المرحلة التي شغل خلالها سدّة الرئاسة بطابعه وترك بصمات واضحة عليها، لا بل إن هذه البصمات دخلت في التاريخ اللبناني بإيجابياتها وسلبياتها، الأمر الذي يستطيع معه الباحثون تقديم قراءات نقدية واستنتاجات بتصرّف اللبنانيين.
الخوري
ويقول المخضرمون إن الرئيس الأول بعد الاستقلال الشيخ بشارة الخوري الذي لم ينقصه الوعي الحاد للكيان ومعطيات قيامه ولا الوعي بـ"لبنانيته" و"عروبته" في آن، والذي كانت له "قامة" عربية مكرّسة بين عمالقة ذلك العصر العربي، وقع مع ذلك في أخطاء قاتلة لم تمنع هالته الاستقلالية والدستورية من محاسبته ومحاكمة عهده على أساسها. فبين تنامي الحاشية حوله وتزايد أطماعها في "الدولة" الناشئة، وبين انتخابات العام 1947 المزوّرة، وسماحه لنفسه بالتجديد عام 1949 بعد انتهاء ولايته الأولى، سقط العهد بـ"ثورة بيضاء" في منتصف ولايته الثانية "المجدّدة"، وبقي في الذاكرة أنه أب الاستقلال، لكن بقي في الذاكرة أيضاً أنه ارتكب ـ ومحيطه ـ الأخطاء الجسيمة. ومع ذلك لا يخطئ أي لبناني إذا سئل عن أول رئيس للجمهورية في الإجابة أنه بشارة الخوري الذي "أتى" بالاستقلال، ولو أن ذلك الاستقلال أدت إليه عوامل عدة، وأنه الرئيس الذي وقع تحت وطأة الحاشية أيضاً.
شمعون
وجاء بعده الرئيس كميل شمعون الذي يقول المخضرمون إنه كان أول من حاول الإصلاح، وعندما لم تسعفه الظروف أقام بعض "المؤسسات الموازية" لتيسير العمل في "الدولة"، محاولاً بذلك تأجيل "المشكلة". بيد أن شمعون ارتكب خطأين رئيسيين، أولهما تطلّبه التجديد لولاية ثانية مروراً بمعبر انتخابات العام 1957 "المزوّرة" أو "المفصّلة"، وثانيهما أنه حاول إدخال لبنان في ما يسمّى سياسة الأحلاف.. فكانت "الثورة" عام 1958 نهاية دامية لعهده. وعندما يُسأل أي لبناني عن شمعون، لا يخطئ في الإجابة أنه رئيس العهد الذي ابتدأ بمحاولة إصلاحية وانتهى على النحو الذي جرت الإشارة إليه.
شهاب
بعدهما، كان عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي تميّز بوعيه لتجربتي العهدين السابقين، فبادر إلى محاولة الإصلاح في الداخل وإلى التسوية مع الخارج العربي والدولي. وفي الإصلاح الداخلي لم تساعده الظروف على إنجاز إصلاح سياسي لكنه أطلق ورشة إصلاح إداري ـ تنموي وشهد عهده ولادة المؤسسات على أساس قناعته بأن لبنان يستحق "دولة". وفي التسوية مع الخارج، والتي استقاها من روح الميثاق، استطاع إقامة علاقات سوية مع مصر عبدالناصر ومع الدول العربية كافة مع أن زمانه كان زمان المحاور العربية، واستطاع إقامة علاقات متوازنة بين أميركا والاتحاد السوفياتي وأوروبا. ومع ذلك، سُجّلت في عهده مخالفات واضحة من قبل "المكتب الثاني" وحصلت التجاوزات على الحياة السياسية في بعض جوانبها الدستورية. ولا يخطئ أي لبناني في القول إن عهد شهاب كان للإصلاح والتسوية، وتخلّلته "شواذات".
حلو
عهد الرئيس شارل حلو الذي كان معظمه في مرحلة اضطراب اقليمي، وتميّز بالأزمات على أنواعها، كان في الإجمال عهد محاولة تأجيل الانفجار، فلا هو على الرغم من ثقافته، نجح في الإصلاح ولا في عقد تسوية داخلية ولا في عقد تسوية حقيقية مع الوضع العربي، وشهد عهده حكمين متوازيين، الحكم الدستوري والحكم الأمني. ومع أن له فضيلة عدم السعي إلى التجديد كما سلفه شهاب، فإن اللبناني لا يخطئ في اعتبار هذا العهد ضعيفاً مرتبكاً، مع أن اللبناني يقدّر ضخامة الأحداث التي واجهته.
فرنجية
وكان عهد الرئيس سليمان فرنجية بعد ذلك عهد "الانفجار الكبير"، مع أن السنتين الأوليين اتسمتا بتوجّه إصلاحي سواء على صعيد قانوني الانتخابات النيابية والبلدية أو على المستوى التنموي في ما يتصل بمشروع الليطاني بشكل خاص. ومعلوم أن الانفجار حصل في ظل الوجود الفلسطيني في لبنان لكن في غياب التسوية الداخلية حولَه، وانغلاق هذا العهد على أي حوار جدّي واندلاع الأزمات بين لبنان وجواره العربي (حتى السوري) وبين لبنان والدول الكبرى، وسط تحوّل "الدولة" آنذاك إلى مزارع.
وإذ يرغب المخضرمون في التوقف عند عهود ما قبل الحرب الأهلية، لأن العهدين اللذين تليا كانا في صميم الحرب المندلعة وتداخل العوامل فيها، ولأن الطائف على أهميته كوثيقة وفاق وطني وكدستور تزامن مع وضع سياسي غير طبيعي، يلفتون إلى أن الرؤساء الراحلين أصابوا في أمكنة وأخطأوا في أمكنة أخرى، لكن لكل منهم "معنى" معين. ويضيفون أن المشكلات الكبيرة التي وقعت في ظل رئاساتهم أساسها إما عدم احترام روح الميثاق ـ غير المكتوب آنذاك ـ لجهة محاولة التجديد أو تعليق الديموقراطية أو الابتعاد عن منطق التسوية، وإما عدم احترام مبدأ التسوية مع الوضع العربي، الأمر الذي جعل "مشروع الدولة" مشروعاً معلّقاً لفترة طويلة.
بعد الطائف لا صلاحيات تنفيذية للرئيس
هذا في التاريخ "وما أحلى الرجوع إليه" ولو سريعاً كما يقول المخضرمون. أما في الراهن المباشر، فيوضحون بداية أن التجديد عندما كان يطلبه الرؤساء في السابق كان يرتكز إلى أن رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية والإجرائية وأنه عملياً هو رئيس مجلس الوزراء، وأنه يريد التجديد إما لاستكمال برنامج بدأ به أو لاستدراك ثغرات وقع فيها أو لأي سبب آخر، ومع ذلك كان التطلع إلى التجديد سبباً لأزمة سياسية ـ وطنية حصلت مرات عدة. أما اليوم، وبعد الطائف، فإن رئيس الجمهورية ليس رئيس السلطة التنفيذية، وليست له صلاحيات تنفيذية، ذلك أن المادة 49 من الدستور تحدّد سلطته على أنها بالدرجة الأولى السهر على مبدأ المشاركة، ولرئيس الجمهورية بموجب الدستور صلاحيات "ممانَعة" إذا جاز التعبير تعيّنها المواد الدستورية، وعليه فلا سبب دستورياً يبرّر التجديد لأن أي رئيس ينتخبه مجلس النواب مطلوب منه أداء دور الرعاية والحكَم، إضافة إلى أن البرنامج هو برنامج الحكومة التي عندما تجتمع تصبح مجلس الوزراء وسلطة المشاركة بموجب الوفاق الوطني. ومعلوم دستورياً أن رئيس الحكومة رئيس مجلس الوزراء تسمّيه أكثرية نيابية في استشارات ملزمة لرئيس الجمهورية، وحضور رئيس الجمهورية جلسات مجلس الوزراء "متى يشاء" لا يعني أن يحضر لترؤس كل الجلسات والمشاركة في السلطة التنفيذية.
لا أسباب مقنعة للتجديد
إذاً لا مبرّر دستورياً للتجديد، وإذا كان التجديد سابقاً غير مبرر دستورياً بالرغم مما كان رئيس الجمهورية يتمتع به من سلطات وبفعل ما تراكم من أعراف، فإن التجديد اليوم لا سند له بالمرّة. وإلى ذلك يضيف المخضرمون أن الأسباب السياسية ـ الوطنية التي تدعو إلى طلب التجديد والموافقة عليه، غير متوافرة، فما هي العلامة الفارقة في عهد الرئيس الحالي للجمهورية التي تستحق مكافأة التجديد له؟ أهي تفسيره الدستور بشكل يناسبه؟ أم هي وعيه العميق بثقافة الكيان؟ أم أنها الإنجازات التي كانت له يد فيها؟ أم سهره على الوفاق الوطني والمشاركة؟ أو حواره مع القوى اللبنانية؟ أم رؤيته إلى لبنان في زمن المتغيرات الكبرى؟ أم الحكمة في إدارة شؤون الوضع اللبناني؟ أم التسوية التي سعى إليها مع الوضع العربي؟ أم ماذا إذاً؟
ويختمون بالقول إنه إذا كان الرؤساء الراحلون دخلوا التاريخ بنجاحاتهم وإخفاقاتهم وبالدروس التي أورثتها تجاربهم للبنانيين، وإذا كان ثمة ما يشفع لهم أو لبعضهم، فإن العهد الحالي سيسجل في التاريخ على أنه "عهد الإخفاقات" والفرص المهدورة. أما ما ينسبه العهد الحالي إلى نفسه من إنجازات في مجال "المواقف الوطنية والقومية"، فهي لكل اللبنانيين من دون استثناء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00