8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كيف يمكن التمديد لرئيس يملك مواصفات معاكسة للسلف الصالح؟

بمناسبة الاستحقاق الرئاسي الآتي في الخريف المقبل، يستحضر المتناقشون فيه تجربة الرئيس الراحل فؤاد شهاب من جوانب عدة، على أمل أن تشكل خلاصاتها أمثولة سياسية في هذه المرحلة، وذلك بصرف النظر عن الاتفاق او الاختلاف حول ما مثلته التجربة الشهابيّة في التاريخ اللبناني الحديث.
رفض التجديد عام 64 وعزف عام 70
أولاً ـ يؤكد معاصرون لعهد الرئيس شهاب ان موقفه من التجديد في العام 1964 كان سلبياً بالمطلق، فلا هو طلبه ولا هو وافق على تعديل الدستور الذي دعمته اكثرية نيابية ساحقة، وان جل همه في تلك الفترة تركز على عدم مجيء رئيس جديد يشكل انقلابا على العهد الشهابي والتوازنات التي ارساها والاصلاحات التي اقدم عليها في المجال الاداري والتنموي بشكل خاص.
ويقول المعاصرون ان الفريق الذي كان ينسب نفسه إلى رئيس الجمهورية آنذاك والمتكون من أقطاب سياسيين وقادة أمنيين يدينون بالولاء والمحبة لمؤسس الجيش اللبناني، "استقتل" في سبيل التجديد لشهاب ولم يخفِ مصالحه في هذا الخيار. بيد ان شهاب أصر على موقفه الرافض للتجديد، مبلغاً مناصريه بلا مواربة انه لا يقبل مس الدستور الذي كان يسميه "الكتاب"، وحجته في ذلك انّ تعديل الدستور لمصلحة شخص سيجعل الدستور بلا احترام وسيشجع السياسيين على تجاوزه وسيعطي اللبنانيين ذريعة لعدم احترام القانون عندما يرون ان رأس الدولة لا يحترم الدستور الذي أقسم على التزامه.
ثانياً ـ وفي العام 1970 وقبل أسابيع من انتخابات رئاسة الجمهورية، وفي وقت كان شهاب يملك أكثرية نيابية ولو غير حاسمة تماماً، أصدر الرئيس السابق بيان العزوف عن الترشيح. وذكر الوزير السابق فؤاد بطرس الذي كان المقرب منه، ان ما تضمنه البيان هو بمثابة الأسباب المانعة لشهاب عن الترشح بداية، وعن الحكم تالياً، اذ عين المشكلات البنيوية في الدولة والنظام السياسي من جهة وقارب الوضع اللبناني المضطرب آنذاك بعلاقته مع الاضطراب الاقليمي من جهة أخرى.
ويعتبر المعاصرون انه يمكن تفسير عزوف شهاب عن الترشح عام 1970 بأمرين رئيسيين: الأول هو ان شهاب الذي كان يحظى بأكثرية نيابية توازي أكثر من النصف بقليل، كان يدرك أيضاً أن الشهابية في عهدها الثاني مع الرئيس شارل حلو آلت الى أزمات كبيرة، وأنه اذا ترشح سيزيد الانقسام اللبناني انقساماً وان رئاسته ستكون عنواناً متفجراً. أما الأمر الثاني فهو أن أسباب العزوف هي دعوة الى تسوية تنقذ الوضع اللبناني من انفجار كان يراه آتياً، تسوية تتضمن اصلاحات سياسية وصياغة متجددة لدور لبنان بالعلاقة مع المعطيات الاقليمية.
الاصلاح السياسي ورفض العسكرة
ثالثاً­ ويستحضر المعاصرون، استقالة شهاب عام 1960. وفي وقت يبقى حاضراً في الذهن ان تلك الاستقالة كانت احتجاجاً على العقبات التي وضعتها في وجه الاصلاح السياسي الطبقة السياسية في تلك المرحلة، يلفت كبير المرجعيات الأمنية في المرحلة الشهابية في مجلس خاص الى أن الوجه الرئيسي للاستقالة انها كانت ضد العسكر وتمددهم باتجاه الحياة السياسية. ويقول كبير المرجعيات الأمنية ان شهاب كان شديد الانزعاج من "توسعية" العسكر ومن الخطر الذي تمثله على صعيد النظام، وأنه كان مقتنعاً بأن الازدواجية بين الحكم والمخابرات خطيرة على لبنان، وكان تواقاً الى درء هذا الخطر ليبقى الأمن أمناً وتحت السلطة السياسية. ويضيف ان شهاب الذي كان اتفق مع الرئيس بشارة الخوري على أن يعود أول رئيس للبنان بعد الاستقلال، الى الرئاسة، اتفق معه أيضاً على أن يكون هو نفسه (شهاب) مستشاره للشؤون العسكرية مكلفاً بملف المؤسسات العسكرية والأمنية. والنتيجة ان العسكر الذين فهموا رسالة شهاب طالبوه بالعودة عن استقالته وأبلغوه "خضوعهم".
والمقصود هنا ما يرويه كبير المرجعيات الأمنية في تلك الحقبة ان شهاب حارب على جبهة الاصلاح السياسي من ناحية وعلى جبهة مقاومة "العسكرة" و"النظام الأمني" من ناحية ثانية، وهو العسكري الأول لكن العارف بالكيان والممتلك لـ"ثقافة سياسية" رفيعة.. وإن كان التوازن الذي سعى اليه إهتز مجدداً عام 1962 بعد الانقلاب القومي في لبنان والانفصال المصري ـ السوري اقليمياً.
التسوية مع عبد الناصر
رابعاً ـ وإذا كان ما تقدم يفيد ان تجربة الرئيس شهاب تكتسب معانيها الدستورية والاصلاحية والتسووية عبر كل ما جرت الاشارة اليه، فان المعاصرين يلفتون الى تجربة ناجحة في مجال إدارة علاقة لبنان بالوضع العربي، وبالقوة العربية الأبرز آنذاك أي مصر جمال عبد الناصر التي كانت اخترقت الواقع الشعبي اللبناني.
ويستعرضون في هذا الإطار، التسوية بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة، بين شهاب وعبد الناصر في الخيمة الشهيرة التي نصبت عند الحدود اللبنانية ـ السورية، نصفها داخل الأراضي اللبنانية ونصفها الآخر داخل الأراضي السورية، وهي التسوية التي قضت بأن يكون الوضع السياسي اللبناني شأناً لبنانياً بحتاً وبأن ينضم لبنان الى محصلة الوضع العربي، لا أن يكون في أي محور، على أن يساعد عبد الناصر لبنان فلا يتحمل لبنان فوق طاقته من موجبات التزامه العربي، وهذا ما حصل بالفعل حيث كان عبد الناصر بعد ذلك المدافع عن لبنان في العديد من مؤتمرات القمة العربية.
المواصفات المعاكسة عند الرئيس الحالي
اذاً، عندما يستحضر المتناقشون في الاستحقاق الرئاسي الآتي في الخريف المقبل تجربة فؤاد شهاب على الرغم مما اعتراها من اشكاليات وما واجهته في عهدها الثاني بين 1964 و1970 من عواصف محلية واقليمية، فانهم (المتناقشون) يتكلمون عن شهاب الدستوري والاصلاحي، والتسووي في الداخل ومع الوضع العربي، أي انهم يتكلمون في الوضع الراهن، محددين على نحو مباشر مواصفات الرئيس المقبل للجمهورية.. لا بل انهم في واقع الأمر يشرحون اعتراضهم على التمديد والتجديد لرئيس الجمهورية اميل لحود، على قاعدة ان الرئيس شهاب الذي كان يمتلك تلك المواصفات ومعها القدرة على التجديد (عام 19644) والقدرة على الترشح والفوز (عام 1970)، رفض مع ذلك التجديد والترشح، فكيف يكون التمديد أو التجديد لعهد ليس فيه من خلاصات التجربة الشهابية شيء؟.
وهنا يؤكد المتناقشون في الاستحقاق الرئاسي ان عهداً مثّل في ممارساته ما يشبه الانقلاب على الدستور اولاً، وخاض حرباً شعواء على الطبقة السياسية لصالح حكم امني متغلغل في كل مفاصل الدولة والحياة السياسية ثانياً، ورفض الانفتاح على أي تسويات في المجالات كافة، ثالثاً ولم يشأ الخوض في ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية بالرغم من ان سوريا أعطته الكثير مما كان يمكنه معه ان يأتي بتطور مناسب لهذه العلاقات، رابعاً... ان عهداً من هذا القبيل لا يمكن التجديد له، خاصة اذا اضيفت حقيقة ان لا تأييد له نيابياً وسياسياً وشعبياً، وهي الحقيقة التي باتت معروفة وتجعل خيار التمديد مرفوضاً لبنانياً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00