خلال الأيام القليلة الماضية، بدا النائب باسم السبع وكأنه قال قوله في التمديد و"مافيا التمديد" واستغفر الله.
لم يُسمع له موقف جديد ولم يدلِ بأي تصريح ولم يجر أي مقابلة لكأنه أطفأ محركاته بعد هجوم عنيف على خياري التمديد والتجديد لرئيس الجمهورية اللذين وجد فيهما خطراً كبيراً على النظام السياسي واستقراره. صاغ موقفه على طريقته التي تشكّل علامة فارقة في الحياة البرلمانية والسياسية، وكانت كل جملة في موقفه تصلح لذاتها "مانشيتا" صحافية. ثم سكت أو "همد" كأنه اكتفى بأن ساهم في إطلاق نقاش سياسي حول مسألة حيوية ودعا الآخرين الى النقاش وراح يراقب.
بيد انّ الواقع يفيد ان السبع الذي يستغفر الله دائماً على كل حال، أعطى نفسه فترة استراحة قصيرة في "العلن"، وانتقل الى تقديم الشروح الوافية لموقفه ومضامينه، بوصفه أحد أبرز معارضي التمديد والتجديد، وذلك بتحويل منزله الى مركز ندوات صباحية يومية أمام زوّاره الذين تأسرهم جرأته ويحب هو أن يكون مفهوماً من هؤلاء المنتمين الى شرائح مختلفة.
سيطلّ النائب السبع من جديد في "العلن"، لكنه في هذه الأثناء أجرى تمريناً ذهنياً أمام زوّاره، فطوّر موقفه وشرحه، عندما سئل: هل تعتبر ان معارضة التمديد تسيء الى سوريا؟ وهل صحيح ان حصوله انتصار لها وعدم حصوله إنكسار؟ قدّم أجوبته و"أجاز" عرضها.
التمديد يخلّ بالمعادلة الدستورية
يرى ان ثمة زوايا عدة في اعتراضه على التمديد، منها زوايا محلية ـ لبنانية ومنها أخرى إقليمية.
أولاً ـ بدايةً، ثمة جانب مبدئي، على اعتبار ان التمديد يشكّل إخلالاً بمعادلة دستورية، ويتعارض مع مقتضيات الوفاق الوطني. ويوضح ان المقصود بالتمديد كل ما يتعلق بتوسيع هامش ولاية رئيس الجمهورية الحالي سواء عبر تعديل المادة 49 من الدستور أو عبر تمهيد الظروف لتقليص سنوات الولاية بما يمكّن الرئيس الحالي من "الفوز" بولاية جديدة.
تمديديو اليوم معارضو التمديد عام 95
ثانياً ـ في الجانب السياسي، يردّ السبع بلا مواربة على بعض ما يثار لجهة ان عدداً من معارضي التمديد اليوم كانوا في طليعة معسكر التمديد للرئيس السابق الياس الهراوي في خريف العام 1995. ويقول ان من يثيرون هذه النقطة يغفلون الوقائع التي نجمت عن التمديد للهراوي من ناحية ويرفضون من ناحية ثانية الاعتراف بحق معارضي التمديد اليوم في أن يقرّوا بعدم صوابية خيارهم عام 1995، وهو الخيار الذي ترتّبت عليه أثمان اقتصادية ومالية كبيرة دفعها لبنان بين عامي 1995 و1998.
ويضيف ان ما يثار يتغافل أصحابه أيضاً عن حقيقة ان فريق التمديد الحالي هو نفسه الفريق الذي شكّل رأس حربة في مواجهة التمديد للهراوي، والمعني هنا هو فريق الرئيس اميل لحود شخصياً مع الأجهزة التابعة له التي تولّت مناهضة التمديد للرئيس السابق بكل ما "امتلكته" من قوى سياسية وأمنية. ولا يتردّد السبع هنا في القول ان ثمة رأياً واسعاً في البلاد يحمّل فريق لحود عبء الأثمان الاقتصادية والمالية التي دفعها لبنان خصوصاً ان هذا الفريق قام بحملة تسويق كبرى مهّدت لمجيء لحود الى رئاسة الجمهورية في العام 1998.
النموذج السيئ للنظام الأمني
ثالثاً ـ ودائماً في الجانب السياسي المحلي، يسجّل النائب السبع وقوع لبنان خلال العهد الحالي في قبضة مجموعة عسكرية ـ أمنية ـ قضائية قدّمت نموذجاً سيئاً عمّا يمكن أن يأتي به حكم أمني في لبنان. وقد انعكس ذلك انكفاءً للعمل السياسي والحياة الديموقراطية لحساب أسلوب جديد في إدارة الشأن العام نجح في زرع أدوات أمنية في مختلف مفاصل الدولة لا بل نجح في تجاوز حدود السلطة، فتقدّمت هذه المجموعة باتجاه القطاع الخاص لإقامة نوع من نظام المصالح المشتركة مع بعض أطراف هذا القطاع.
رابعاً ـ وفي الجانب السياسي المحلي أيضاً، يعرب السبع عن قناعته بأن العهد الحالي فشل في صياغة أدوات وطنية مشتركة لإدارة الشأن العام على غرار ما حققه الرئيس الراحل فؤاد شهاب الذي نجح في اختراق الوسط السياسي اللبناني التقليدي من خلال مجموعات سياسية أكدت أهليتها في تحقيق التوازن داخل الطبقة السياسية. ويشير الى ان العهد الحالي حقّق "نجاحاً منقطع النظير" في الاصطدام بأكثرية القوى السياسية بمختلف ألوانها الطائفية، بحيث يمكن القول انه باستثناء المسألة المتعلقة بتحرير الجنوب والبقاع الغربي وهي مسألة يعتبر السبع انها معروفة بضماناتها الإقليمية، السورية تحديداً، لا يمكن لأي مراقب سياسي أن يسجّل حالة واحدة من الانسجام بين العهد الحالي وأي فريق آخر.
ويقول ان الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وهي بلغت حدوداً استثنائية في الوسط المسيحي الذي واكب بدايات عهد الرئيس اميل لحود بتغطية لم يسبق لأي عهد في لبنان أن حظي بها، وانتهى الى واقع من النفور شبه التام بينه وبين هذا العهد. ويلفت الى ان الأمر ينطبق بدرجات متفاوتة على ما يمثله وليد جنبلاط درزياً وما يمثله نبيه برّي شيعياً، وما يمثله رفيق الحريري سنّياً، من دون استثناء قوى أخرى شكّلت في البداية رأس حربة لوصول الرئيس لحود الى الحكم وتقف اليوم حيال التمديد موقفاً يتجاوز في اعتراضاته كل المواقف المعارضة للتمديد، وحال الوزير سليمان فرنجية والنائب ايلي الفرزلي وغيرهما، تفيد ان هذه الشخصيات نادمة على تأييدها له في مرحلة من المراحل.
عندَ هذا الحدّ، يعتبر النائب باسم السبع انه قدّم تصويتاً مشروحاً ضدّ التمديد، بالاستناد الى أسباب لبنانية، مبدئية ـ دستورية ـ وفاقية من جهة وسياسية ـ وطنية من جهة ثانية.
أمن النظام السوري
بنظام لبناني متماسك
وفي انتقاله الى الزوايا الإقليمية يستفيض السبع في مرافعته ضدّ التمديد من هذه الزوايا أيضاً.
1 ـ يرى ان كل المحاولات الجارية لتصوير التمديد على انه يقع في خانة الانتصار لسوريا ولخط التحالف مع سوريا، هي محاولات شديدة التبسيط لمسألة في غاية التعقيد. ذلك ان المشهد الإقليمي من وجهة نظره أكبر من أن يتحدّد بمصير الاستحقاق الرئاسي اللبناني، ويضيف ان الضمانات التي يجري الحديث عنها لخط التحالف مع سوريا في لبنان لا يمكن أن تستقيم إلا من خلال عملية سياسية تؤكد سوريا من خلالها على استقرار النظام السياسي في لبنان وسلامته، وهو الأمر الذي يتحقق بداية من خلال تداول السلطة باعتباره عاملاً من عوامل حماية التحالف مع سوريا والعلاقة اللبنانية ـ السورية والدور السوري. وبهذا المعنى، يصبح تجاوز التمديد انتصاراً للدور السوري وتأكيداً على سلامة التوجّهات السورية حيال لبنان.
2 ـ ويشدّد السبع على انه إذا كان البعض يحاول رمي الكرة في اتجاه آخر ليقول ان عدم حصول التمديد سيشكّل نكسة لسوريا، فإن الأكثرية الساحقة من المنضوين في خط التحالف مع سوريا يعتبرون في المقابل ان التمديد هو الذي يشكل النكسة التي يراهن عليها البعض. ويضيف ان التجربة التاريخية تفيد ان الدور السوري بمقتضياته المحلية والإقليمية لا يمكن حمايته إلا من خلال واقع سياسي واسع تعبّر عنه الإرادات السياسية التي تلتقي على اعتبار ان الأمن السياسي للنظام السوري جزء لا يتجزأ من المعادلة الوطنية اللبنانية، أي النظام السياسي اللبناني المتماسك وليس النظام الأمني في لبنان.
3 ـ ويؤكد السبع ان التداعيات الراهنة والمرتقبة لأوضاع المنطقة من فلسطين الى العراق وما يلوح في الافاق من متغيّرات على الساحة الدولية، الأميركية والأوروبية،ان كل ذلك يشكّل في حدّ ذاته أسباباً إضافية لاعتبار التمديد ورقة يمكن أن تضاف الى أوراق الضغط على سوريا. ويلفت الى ان هذا الأمر يفترض أن يكون موضع انتباه القوى السياسية المعنية بحماية التحالف مع سوريا، وهي القوى التي لا بد أن تضطلع بدورها في تظهير هذا الخطر وفي توجيه بوصلة الاستحقاق الرئاسي نحو وقائع جديدة، بحيث يجري الإلمام بتلك المخاطر ويتمّ التعاطي معها بقدر عالٍ من المسؤولية الوطنية والقومية.
ويختم النائب السبع بالتشديد على ان العمل الحثيث من جانب حلفاء سوريا تحديداً، والتاريخيين منهم بوجه خاص، يجب أن يتواصل من أجل إسقاط تلك المحاولات الجارية لتصوير عدم حصول التمديد كما لو انه هزيمة لسوريا، لأن العكس هو الصحيح حتى لو أرادت حفنة من المستظلين بالغطاء السوري إظهار خلاف ذلك.
هنا، يُنهي السبع كلامه أمام مجالسيه في مركز الندوات اليومية في منزله صبيحة كل يوم، مع الناس الذين يتطلعون الى أن يشكل الاستحقاق الرئاسي المقبل فرصة للتغيير. ومراراً قال نائب جبل لبنان انه لن يتكلم في السياسة وقرن القول بالفعل، ومرّات عدة عطّله عن الكلام "القرف السياسي"، لكنه "عاد" الى الكلام هذه المرة بعد انقطاع لنحو 18 شهراً، في التوقيت الصحيح، ليس فقط ليعطي بعض "النكهة" للنقاش السياسي بل ليقول قولاً حاسماً ويستغفر الله ثانية له وللبلد، أمله كما كل اللبنانيين أن يتحقق توافق وطني على وضع حدّ لـ"الكارثة". ومرافعته "المأذون" تقديمها، متكاملة وتستحق أن تقرأ من ألِفها الى يائها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.