يلاحظ من يلتقي رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط بعد زيارته الأخيرة إلى اسبانيا عبر باريس، ان هذه "السفرة" اتاحت له إعادة "اكتشاف" جده الأمير شكيب ارسلان، ومؤلفه الشهير "لماذا تقدم الغرب وتراجع العرب والمسلمون؟" من جهة ومكّنته من التعرف عن قرب إلى السياسات الدولية تجاه المنطقة من جهة ثانية.
يحكي الزعيم الاشتراكي بـ "إعجاب" عن الوحدة الأوروبية وما يصاحبها من "تكسير" للحدود بين الكيانات الأوروبية، ومن استثمار مشترك للثروة وتوزيعها بين الأوروبيين، مسجلاً في كل محطة من كلامه أهمية الديموقراطية ودورها في إغناء حضارة هذا الجزء من العالم. وعندما "يحاول" المقارنة بين التجربة الأوروبية والتجربة العربية، ترتسم علامات الحزن على وجه جنبلاط حيال "الفارق" حيث الحدود تعوق انفتاح العرب على العرب وتمنعهم وهم الذين يمثلون حضارة عريقة من التقدم واستثمار ثرواتهم وتطويرها، وتجعلهم متخلفين عن العصر وغارقين في المشاكل على أنواعها مما تشير اليه تقارير المنظمات الدولية... بغياب الديموقراطية في المنطقة العربية والاسلامية.
عن سؤال جدّه "لماذا تقدم الغرب وتراجع المسلمون؟ يجيب جنبلاط بالصرخة التي أطلقها في مدريد: لنسقِط جدار برلين في المنطقة العربية. وهذه بداية الجواب الذي سيكتسب مزيداً من المضامين كلما تابع الزعيم اللبناني حديثه.
ولاحظ جنبلاط خلال رحلته الاسبانية ـ الأوروبية مجموعة من "التحولات"، فثمة تحول ايحابي نسبي في الموقف الشعبي الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية وضد اسرائيل، لا يعكسه فقط الاستطلاع (غيرالمشبوه في أوروبا) الذي اظهر ان 59 في المئة من الأوروبيين يعتبرون ان اسرائيل تشكل مصدر تهديد في العالم، بل يعكسه أيضاً مثال حي تجلى في ان لائحة أطلقت على نفسها اسم "لائحة فلسطين" خاضت في العاصمة الفرنسية باريس الانتخابات إلى البرلمان الأوروبي، ومع انها لم تنجح فانها حصلت على ما يوازي 2 في المئة من الأصوات. كذلك، فان احزاباً اشتراكية أوروبية كان يغلب فيها التأييد لاسرائيل تشهد نقاشات تأييداً للقضية الفلسطينية حتى على مستوى كوادرها العليا ومثقفيها.
تحديث الخطاب واللغة العربيين
حيال ذلك، لم يتردد وليد جنبلاط في الاستنتاج: يحصل هذا التحول على المستوى الشعبي الأوروبي في غياب العرب عن الساحة الأوروبية فكيف لو حضروا؟ لكنه لا يكتفي بذلك بل يوجه نقداً قاسياً لـ "الخطاب العربي" و"اللغة السياسية الخشبية". واذ يعتبر ان العرب في وضعهم الراهن غير مؤهلين لمخاطبة اوروبا، يدعو بلا تردد الى انفتاح عربي على الغرب الأوروبي، والى خطاب حديث ولغة متجددة، الى محاكاة التفكير في هذه القارة القريبة من المنطقة. واذا كان جنبلاط يعتقد أن العرب لو انفتحوا على بعضهم وشكلواتكتلاً وازناً في ما بينهم، لكانوا أكثر تأثيراً، فمن الواضح أنه لا يربط مباشرة بين هذا الأمر وبين الشروع في الانفتاح على اوروبا، وتحديث الخطاب وتجديد اللغة، بحيث يحسن العرب تقديم "قضيتهم" أو قضاياهم.
الديموقراطية
في الشق الثاني من الجواب عن السؤال الكبير للامير شكيب ارسلان، يحضر الى جانب كسر الحدود العربية والديموقراطية التحديث والحداثة والانفتاح، ولا يتردد في القول إن الصراع الذي لا نهاية له مع المشروع الصهيوني في المنطقة، لا يتناقض مع تلك المقتضيات، لا بل ان هذه المقتضيات ضرورة قصوى في مجرى هذا الصراع.
وللدلالة على ذلك، أي المكانة التي تحتلها مسألة الديموقراطية في عقل الزعيم الاشتراكي، يروي جنبلاط ان نقاشاً دار بينه وبين وزير الخارجية الاسباني ميغيل انخيل موراتينوس اثار خلاله الوزير الاسباني اشكالية العلاقة بين السلام والديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط فأجابه جنبلاط انه مع الديموقراطية ودعاه الى ملاحظة ان اعتماد الديموقراطية عربياً ليست له نتيجة واحدة اي السلام مع اسرائيل بل يمكن أن يؤدي ايضاً الى تمكين الشعوب العربية من تمزيق الاتفاقيات المعقودة مع اسرائيل. ولا يخفى هنا ان جنبلاط يسعى الى توكيد ما هو بعكس "العقل العربي الحاكم"، اي ان الديموقراطية لا تساوي التراجع في الصراع مع اسرائيل، بل هي واحدة من شروط التقدّم فيه أيضاً.
الى "الاشتراكية الدولية"
مع عزمي بشارة
المهم ان الزعيم الاشتراكي الذي يبدو مرتاحاً الى الأجوبة عن سؤال جده الذي بالمناسبة الّف ذلك الكتاب بعد عودته من اسبانيا في بدايات القرن الماضي، اتخذ قراره "على الحارك" بالعودة الى "الاشتراكية الدولية" بعد سنوات من تجميد عضوية "الحزب التقدمي الاشتراكي" فيها وبعد مفاوضات طويلة مع قيادتها في سبيل العودة اليها. وينطلق جنبلاط اضافة الى كل ما تقدم من معطيات، من اعتبار أن "سياسة المقعد الشاغر" لم توصل الى اي "مكان" وان المطلوب الحضور في هذه المنظمة الدولية لمقارعة اليسار الاسرائيلي الممثل فيها، والذي يرى جنبلاط ان وظيفته الدائمة هي "تجميل" سياسات اليمين الاسرائيلي، وسيسعى الى تعزيز حضور حزبه، بالعمل لضمّ المناضل عزمي بشارة اليها ايضاً، وهو امر دار نقاش بشأنه بينه وبين بشارة في الآونة الأخيرة.
أوروبا والشراكة مع سوريا
امّا في ما تعرّف اليه جنبلاط من معطيات تتعلق بالسياسات الدولية تجاه المنطقة فقد استمع الى اجواء "متناقضة". فالوزير الاسباني موراتينوس ابدى تفاؤلاً ـ لا يشاطره جنبلاط فيه ـ بان "المسار" الفلسطيني ـ الاسرائيلي ستعود اليه ديناميته خاصة ان زعيم "حزب العمل" الاسرائيلي شمعون بيريز سينضم الى "حكومة وحدة وطنية" في اسرائيل كما أفاده موراتينوس.
في مقابل هذا التفاؤل سمع جنبلاط من مصادر أخرى ان الولايات المتحدة اكثر ارتياحاً الآن بعد أن انتقلت في العراق الى المسألة السياسية، لكنها لن تغطي قيام دولة فلسطينية.
و"فهم" جنبلاط ان ثمة تشدداً اوروبياً حيال سوريا في كل المواضيع بما في ذلك "الموضوع اللبناني" وان اتفاقية الشراكة السورية ـ الأوروبية تواجه تعقيدات وان بعض الأوروبيين يشكون اضافة الى عناوين اسلحة الدمار الشامل والاصلاحات والوجود السوري في لبنان والمسألة العراقية.، من مواقف "اقتصادية" سورية ادت الى اخراجهم من عقود في مجالات اقتصادية سورية حيوية. وعلم أثناء وجوده في اوروبا ان ثمة مجموعات لبنانية معارضة لسوريا تسعى الى ضم ملف العلاقات اللبنانية السورية الى ملف الشراكة السورية ـ الاوروبية، وهي لذلك تجري اتصالات مع "مجموعات ضغط" في اوروبا. وذكرت مصادر أخرى امامه أن الولايات المتحدة لم تعد تتّبع سياسة "التسويات" بل هي تضع شروطاً فقط.
هل هذا كل ما في جعبة جنبلاط العائد من اوروبا؟
نعم يقول، ففي أقل من اسبوع امضاه بين باريس ومدريد، ثمة ما يحبط العائد الى لبنان، خاصة عندما يجري المقارنة بين ما شاهده هناك، و"وضعنا" هنا.
أما في الوضع اللبناني الداخلي.. فـ"الأفضل أن نحكي بعدين"!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.