تلخّص شخصية وطنية ـ دستورية مرموقة الفارق بين مرحلتي ما قبل اتفاق الطائف وما بعده بملاحظات قليلة لكنها ذات دلالة. ففي مرحلة ما قبل الطائف كان هناك ميثاق غير مكتوب له مفهوم معين وكان للدستور مفهوم آخر، أما في ضوء الطائف فقد غدا الميثاق (وثيقة الوفاق الوطني) مكتوباً وأصبح هو نفسه مقدّمة للدستور، وبات الدستور نفسه لا يمكن تفسيره إلا في ضوء المقدمة.
الدستور من الميثاق ومواده ميثاقية
وتضيف ان طبيعة النظام قبل الطائف بقيت ملتبسة بين انه رئاسي أو برلماني، في حين أتى الطائف يحسم بطبيعة النظام بما هو نظام جمهوري ديموقراطي برلماني. وتوضح ان ركيزتي هذا النظام الجمهوري الديموقراطي هما أولاً الميثاق الوطني (وثيقة الوفاق) الذي بات مقدّمة للدستور وجزءاً لا يتجزأ منه، والذي يمثل تعبيراً عن إرادة العيش المشترك عند اللبنانيين، وثانياً الدستور الذي ينظم العيش المشترك ما يعني ان الدستور من الميثاق. وتلفت الى ان الميثاق والدستور هما العقد الذي لا يجوز تعريضه لأي خطر. وتعطي الشخصية المرموقة توضيحات عديدة توكيداً لفهمها هذا فتقول ان الأصل في فلسفة الطائف ومفهومه هو أن ليس في لبنان "شرعية الغلبة" بل شرعية ميثاقية ـ دستورية ينفرد لبنان بها عن غيره من دول المنطقة، وان الديموقراطية في لبنان ميثاقية (وليست توافقية كما هو رائج اصطلاحاً) وان أي تعرّض للدستور ينطوي على تعريض بالميثاق وعلى خطر تغيير طبيعة النظام، وانه لذلك نصّ الدستور على أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
ومن هذه المنطلقات جميعاً، توافق الشخصية نفسها على استنتاج أن لا صحة للفرز الذي يقوم به البعض بين مواد ميثاقية في الدستور وأخرى غير ميثاقية، لأن كل مواد الدستور ميثاقية على الأساس المشروح آنفاً، بما في ذلك المادة 49. وتعتبر ان تطبيق الدستور بشكل صحيح هو الذي يتيح اكتشاف ثُغر يتم تصحيحها، لكن التطبيق الصحيح تلزمه ورشة قوانين تطبيقية لمواده، وهذا شأن كان يجب الانكباب عليه منذ التسعينات.
لا يحتمل كلام الشخصية الوطنية ـ الدستورية المرموقة أي تأويل، وهي الحاضرة دائماً للاستفاضة شرحاً للدستور والنظام وتاريخهما، ومن الواضح ان اعتبار المادة 49 من الدستور ميثاقية يرتبط بواقع ان النظام الميثاقي اللبناني يؤمن التناوب على السلطة من ناحية ولان التجديد في نظام رئاسي إذ يكون انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب، هو تجديد شعبي والأمر يختلف في واقع النظام الجمهوري الديموقراطي البرلماني في لبنان.. من ناحية أخرى.
الأهوال العمليّة والوطنية دون تعديل المادة 49
هذا في المبدأ الدستوري ـ الميثاقي. لكن ماذا في الواقع العملي؟
في الواقع العملي كما تشير اليه الشخصية ان المادة 73 من الدستور تحدّد المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية التي تبدأ قبل شهرين على الأكثر من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس الحالي، وينتخب الرئيس قبل شهرين على الأكثر وشهر على الأقل من انتهاء الولاية. وهذا يعني ان المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس الجديد تبدأ في 24 أيلول المقبل. ولذلك فإذا كان ثمة تعديل مطروح للمادة 49 بما يتيح التمديد أو التجديد، فإن البتّ به يجب أن يكون قبل 24 أيلول، وهذا البتّ الدستوري بالتعديل لم يعد وارداً أن يحصل من قبل المجلس النيابي لأن المجلس لا يستطيع بحثه أصلاً في دورته العادية التي تبدأ بعد منتصف تشرين الأول المقبل. وعليه فإذا كان التعديل مطروحاً، يجب أن يأتي بمشروع قانون من مجلس الوزراء الى دورة استثنائية للمجلس.
ومع ان المادة 49 ميثاقية بوصفها جزءاً من دستور ميثاقي، وبما ان "مدّ اليد" عليها يُفترض في المبدأ ألا يحصل، وبما ان تعديلها لا بد أن تفرضه ظروف استثنائية قاهرة إذا وجدت ولا بد أن تقتضيه مصلحة وطنية عليا، فإن اقتراح التعديل يجب أن يرتبط بأسباب موجبة مقنعة، أي ان المطلوب تشكّل قناعة وطنية عامة بالتعديل لتمديد ولاية رئيس الجمهورية أو تجديدها، قناعة في مجلس الوزراء وفي مجلس النواب وعلى مستوى الرأي العام.
من الواضح إذاً من خلال ما تعرضه الشخصية الوطنية ـ الدستورية المرموقة ان دون تعديل المادة 49 "أهوالٌ" مبدئية ـ ميثاقية أولاً وقناعات ليس مؤكداً توافرها مؤسساتياً في مجلسي الوزراء والنواب وعلى المستوى الوطني العام ثانياً، علماً ان هذه الشخصية ضد المساس بالدستور في المبدأ.
المعطيات اللبنانية الوازنة
هذا في المبدأ الدستوري ـ الميثاقي وفي الواقع العملي. فماذا في المعطيات السياسية؟
أولاً ـ في المعطيات اللبنانية، ليس خافياً ان أكثرية سياسية عبّرت عن موقف رافض لتعديل الدستور وللتمديد والتجديد وإعادة الانتخاب. وانطلقت هذه المواقف من اعتبارات متقاطعة.
أ ـ بعض المواقف يطرح اعتباراً رئيسياً يتعلق بـ"كلفة" التمديد أو التجديد على البلد، ملاحظاً ان كلفة التمديد للرئيس السابق الياس الهراوي كانت باهظة سياسياً (حيث تكوّنت ممهّدات مجيء الرئيس الحالي) واقتصادياً.
ب ـ وبعض المواقف يطرح اعتباراً رئيسياً آخر لا ينطلق فقط من ان أي مساس بمادة في الدستور المترابط الحلقات الميثاقية يشكّل مساساً بطبيعة النظام القائم على مبدأ تداول السلطة، بل ينطلق أيضاً من ان العهد الحالي يحمل مشروعاً "انقلابياً" على النظام السياسي عكسته ممارساته طيلة ست سنوات، وتجلّى في مسلكيات أدّت الى "تعليق" مفهوم الدستور.
ج ـ وبعض المواقف الأخرى ينطلق من اعتبار ان العهد الحالي يجب أن يكون "الحلقة الأخيرة" من مسار تطبيق مشوّه للطائف ويجب أن يكون المحطة الأخيرة من مرحلة اتسمت بظروف غير طبيعية لإنتاج السلطة في لبنان، وان الاستحقاق الرئاسي المقبل لا بد أن يكون تالياً فاتحة التغيير.
د ـ وجميع المواقف الآنفة المتقاطعة حول رفض التمديد أو التجديد للعهد الحالي رفضاً للتمديد لأزمة يرشحها التجديد لمزيد من الاستفحال والخطورة، يؤمن أصحابها بحتمية التلاقي المباشر لإطلاق دينامية تغييرية على أرضية ميثاقية، ولن يقفوا طويلاً أمام "الإنذارات" بأن التواصل والتلاقي "ممنوعان".
هـ ـ ويضاف الى جميع المواقف السابقة بمنطلقاتها واعتباراتها، موقف "يكتشف" أصحابه ان الرهانات التي عقدوها على العهد الحالي لم تمنعه من الشروع في التفكير بمقايضتهم في مجرى التسويق للتجديد أميركياً، وإن كان هؤلاء يتريثون في الاستنتاج "الأخير".
موقف الأسد
ثانياً ـ والى المعطيات اللبنانية التي تتحدث عن نفسها بنفسها، يشير مقرّبون جداً من العاصمة السورية الى انّ الموقف الذي أعلنه الرئيس بشار الأسد مطلع حزيران الماضي رسم معادلة واضحة من وجهة نظرهم. فهو قال ان الرئاسة اللبنانية خيار اللبنانيين أولاً وقال ان سوريا التي لا تعيّن الرئيس اللبناني، تدعم بما تملكه من تأثير خيار اللبنانيين ثانياً. ويعتبر المقربون جداً من دمشق ان كلام الأسد وضع سوريا على مسافة واحدة من كل الاحتمالات ورفض تغليب أي احتمال.. وهذا ما يفسّر برأيهم حال "الاضطراب" التي يعيشها فريق العهد والتي تعكسها مواقفه وارتباكاته بما في ذلك "الاستطلاعات" المبثوثة والتي يتولى القصر نفسه تعميمها.
الموقف الأميركي ـ الأوروبي
ثالثاً ـ والى العامل اللبناني والإقليمي، لا يخفى ان الموقف الدولي، الأميركي ـ الأوروبي، سلبي من التمديد والتجديد ويرى فيهما ضرباً لـ"الصيغة اللبنانية"، وللميثاق الوطني المضمون لبنانياً وعربياً ودولياً. وغنيّ عن القول ان الاصطدام مع الموقف الدولي يشكّل باباً للضغوط الخارجية على لبنان وسوريا لا مصلحة في فتحه.
بالاستناد الى كل ما تقدّم، ولاعتبارات ميثاقية ودستورية أولاً، ولاعتبارات وطنية ثم لحسابات إقليمية ودولية، من الواضح ان مشروع التجديد بلا أفق، وليس ثمة عامل يرجحه فضلاً عن كونه مشروعاً يسد نوافذ الأمل أمام اللبنانيين. ولأنه كذلك، تبدي أكثرية لبنانية اعتقادها انه لن يحصل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.