ثمة قناعة في لبنان بأن مصير الاستحقاق الرئاسي يقرّره بالدرجة الأولى واقع العلاقة السورية ـ الأميركية، ما إذا كانت هذه العلاقة مفتوحة على تأزم أو ما إذا كانت مفتوحة على تسوية.
ماذا يقول الأميركيون أنفسهم حول هذا الموضوع وماذا يعطون من مؤشرات؟
بداية يؤكد مصدر ديبلوماسي أميركي مطلع على الموضوع اللبناني ان لبنان آخذ في تشكيل أولوية أميركية في المنطقة، وان جوانب الوضع اللبناني كافة تقع في دائرة اهتمام الإدارة الأميركية. ويوضح ذلك بالقول ان لبنان يمتلك من التراث الديموقراطي ما يؤهله لأن يكون نموذجاً ديموقراطياً في منطقة الشرق الأوسط إن هو "قبض" على الفرصة لتجديد هذا التراث، مضيفاً ان ما يمتلكه لبنان ينسجم الى حد كبير مع المعايير التي تطرحها الولايات المتحدة للديموقراطية.
من هذا المنطلق "العام"، ينتقل المصدر الى التشديد على ان "اختيار الرئيس اللبناني المقبل يجب أن يعكس الإرادة اللبنانية"، معلناً رفض واشنطن أن يكون هذا الاختيار "فعلاً خارجياً"، ويدعو الى "انتخابات رئاسية حرة ونزيهة ومتماشية مع الدستور اللبناني". ويقول "في الوقت الذي يتحدث الرئيس جورج بوش وأركان الإدارة عن تعزيز الديموقراطية في المنطقة، لا مجال لأن تقبل الولايات المتحدة للبنان مساراً غير ديموقراطيّ.
وينفي المصدر الديبلوماسي الأميركي بـ"شدّة" أن يكون الاستحقاق الرئاسي اللبناني موضع تفاوض أميركي ـ سوري أو أن تكون ثمة نيّة أميركية لعقد "صفقة" مع دمشق في هذا الشأن. ويقول أن "لا تعليمات لسفارتنا في العاصمة السورية بأن تجري أي اتصال تفاوضي مع سوريا في هذا الخصوص". ويضيف "أسمع دائماً في لبنان كلاماً عن احتمال حصول صفقة أميركية مع سوريا حول هذا الأمر، لكن ذلك خاطئ تماماً".
"الصفقة" غير قائمة
ويشير الى أن "لا مجال لصفقة سياسية سرية أو علنية مع دمشق بالنسبة الى الرئاسة اللبنانية". وبكلام تأكيدي لما سبقه يقول "لو عقدنا صفقة نكون كمن يوجه بنفسه صفعة الى السياسة الأميركية". ويلفت الى انه "في حال أجازت سوريا التمديد أو التجديد أو أثّرت في حصولهما، فسيصبح ذلك موضوعاً خلافياً معها يضاف الى المواضيع الخلافية الأخرى". ويعلن انه "تم التوصل مع فرنسا وأوروبا عبر الحوار الى اعتبار ان لبنان أولوية".
وإذ يشعر الديبلوماسي الأميركي بأن ثمة "مفاجأة" من كلامه المتشدّد حيال سوريا، والذي يقفل الباب أمام احتمال تسوية مع دمشق يكون الاستحقاق الرئاسي محطة من محطاتها (التسوية)، يعود ليذكّر بـ"المطالب" الأميركية من سوريا المطروحة أصلاً في "قانون المحاسبة"، وهي: الانسحاب من لبنان، تفكيك "حزب الله"، ضمان الحدود السورية ـ العراقية، إنهاء وجود المنظمات الفلسطينية في دمشق، والكشف عن البرامج النووية السورية.
ويرفض مقولة ان الولايات المتحدة تصاب بـ"الشلل" في مرحلة انتخاباتها الرئاسية، ويقول "صحيح ان الانتخابات تأخذ من وقت الرئيس ـ المرشح لكن السياسة الخارجية مستمرة والإدارة تتابع الأمور، والدليل تحريك الولايات المتحدة اللجنة الرباعية الراعية لمسألة السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي".
"حزب الله" و"الأبعاد الثلاثة"
لا جدال في نبرة التشدّد حيال سوريا والتي يعكسها الديبلوماسي الأميركي الذي يقطع بلا إمكان حصول تسوية يكون لبنان نقطة انطلاقها. بيد انه لا يتوقف عند ما سبق ذكره بل يعود الى تناول موضوع "حزب الله" ايضاً.
ويكرّر في هذا المجال مقولة ان لحزب الله "ثلاثة أبعاد". ويبدي اعتقاده ان "ثمة حزب الله السياسي الذي تراه مشتركاً في الانتخابات البلدية وفي البرلمان وفي عدد من الحوارات الداخلية ويقدّم مساعدات انسانية"، وان "ثمة حزب الله العسكري متمثلاً في الميليشيا التي تقاتل إسرائيل في الجنوب"، وان "ثمة أخيراً حزب الله السري الذي لا يشارك في الانتخابات وهو المسؤول عن خطف الرهائن وتدمير مقرّ المارينز بين عامي 1984 و1986". ويضيف ان أحداً "لا يمكنه إقناعنا بأن عماد مغنيّة مثلاً ليس كالسمكة التي تسبح في نهر حزب الله".
ويشير الى انه "يصعب على صانعي القرار في الولايات المتحدة أن يتجاهلوا البعد السريّ لحزب الله بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001". والسبب الرئيسي الذي يقدّمه هو "ان ثمة خوفاً أميركياً من تحوّل حزب الله السري الى خلايا منتشرة في أماكن عدة من العالم ولذلك نتحدث عن حزب إرهابي ذي امتداد عالمي".
وإذ "يواجَه" المصدر الأميركي بأن للبنانيين نظرة مختلفة الى "حزب الله" ليس فيها "الأبعاد" التي ذكرها، وان "حزب الله" حركة مقاومة ضد إسرائيل وله أفرع نشاط موظفة في خدمة هدفه في مقاومة إسرائيل، وان اللبنانيين لا يقبلون التعاطي مع الحزب بوصفه "ورقة للبيع والشراء من أحد"، وان المسألة لبنانية، وعندما يقال له ان الحزب وجّه بعد الانتخابات البلدية الأخيرة رسالة لكن واشنطن رفضت استلامها، وعندما يُلفت الى خطورة أي سياسة لا تأخذ في الاعتبار ان المسألة لبنانية لأن من شأنها أن تولد وضعاً شيعياً ـ لبنانياً محتقناً وميالاً الى التطرّف، يكتفي الديبلوماسي الأميركي بالقول أن "ما يُطرح لا يبدّد المخاوف الأميركية وإن كان من المهم نقاش الأمر مع دائرة أوسع من اللبنانيين"، معلناً ان "موضوع العلاقة الأميركية مع عالم الشيعة مهم جداً بالنسبة الى الولايات المتحدة".
التمديد مادّة ضغط على سوريا ولبنان
بالعودة الى نقطة البداية، أي الاستحقاق الرئاسي اللبناني المقبل، من الواضح ان المصدر الديبلوماسي الأميركي المطلع قصد أن يقول ان حركة المواقف من الاستحقاق، تخضع لنوع من المتابعة و"المراقبة" الأميركيتين. وتعلق أوساط سياسية استمعت الى فحوى كلام المصدر، بالتأكيد على النقاط الآتية:
أولاً ـ لقد سبق للولايات المتحدة على أعلى مستويات الإدارة ان عبّرت عن موقف مشابه حيال الاستحقاق الرئاسي، لكن ما يلمّح اليه المصدر نفسه هو إمكان استخدام واشنطن مسألة التمديد أو التجديد للضغط على دمشق، خاصة في ظل عدم سلوك عناوين الخلاف السوري ـ الأميركي طريق الحوار والتسوية.
ثانياً ـ ان كلام الديبلوماسي الأميركي يفيد على نحو غير مباشر ان واشنطن "لم تشترِ" ورقة التمديد أو التجديد على الرغم من محاولات تسويقه لديها من قبل "فريق التمديد"، وان أميركا قد لا تكون قادرة على منع حصول التمديد أو التجديد بالعلاقة مع مستوى نفوذها في لبنان لكنها في المقابل قادرة على استخدامه ضغطاً على سوريا وعلى لبنان.
ثالثاً ـ وتختمُ الأوساط بأن أفضل سبيل الى مواجهة المرحلة وتعقيداتها، يمكن في "لبننة" الاستحقاق، وهو أمر أكد عليه الرئيس السوري بشار الأسد، أي تمكين المعطيات اللبنانية من التبلور لإنتاج توافق لبناني حول رئيس جديد يمكن معه القول لأميركا انه يعكس الإرادة اللبنانية التي تتضمن إرادة التعاون مع سوريا وإرادة تصحيح مسار الأمور داخلياً بما ينسجم مع الطائف ودستوره.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.