8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مشروع التجديد يُسقط الطائف والنظام السياسي

يلاحظ اللبنانيون أن فريق الحكم انتقل في الآونة الأخيرة مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، من خرق الدستور عملياً بغطاء تفسيرات معيّنة له، إلى محاولة تعديل مجموعة كبيرة من مواده بما يؤدي الى الانقضاض عليه وعلى طبيعة النظام السياسي المعتمد.
وفي تقدير العديد من الأوساط السياسية أن طرح فريق الحكم أو الفريق الرئاسي ما يسمى "سلّة تعديلات دستورية" ينطوي على حدّين أقصى وأدنى، الجامع بينهما استهداف التجديد لرئيس الجمهورية.
1 ـ يتمثّل الحد الأقصى في محاولة خلق مناخ سياسي يواكب اقتراح "سلّة التعديلات" التي تجعل التمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية يمرّ في صيغة إعادة انتخاب من جهة والتي تحاول أن تقدّم "رشوة" للمسيحيين عبر الإيهام بأن التعديلات المقترحة تصبّ في مصلحة تعزيز موقع المسيحيين في النظام السياسي.. من جهة أخرى. وبكلام آخر، يعتقد "فريق الرئيس" أنه قادر على "ضرب عصفورين بحجر واحد": التجديد في صيغة إعادة انتخاب أو انتخاب جديد، وتقديم هذا التجديد لمصلحة المسيحيين وموقع رئاسة الجمهورية.
المسيحيون يرفضون "الرشوة"
2 ـ بيد أن ردود الفعل التي برزت أظهرت بما لا يدع مجالاً للشكّ أن المسيحيين ملتزمون بما حدّده البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير في قوله أنه لا بد أولاً من تطبيق الدستور تطبيقاً دقيقاً لاختبار ما ينطوي عليه من ثغر يصار الى دراستها لتصحيحها في إطار من الوفاق الوطني، كما أنهم ملتزمون في سوادهم الأعظم برفض تعديل الدستور للتمديد أو التجديد أو إعادة الانتخاب.
أظهرت ردود الفعل مسيحياً إذاً أن ما يطرحه فريق الحكم لا ينطلي على المسيحيين حتى لو كان هذا الفريق يحاول دغدغتهم. غير أن الأمر لم يقتصر على المسيحيين، مع أنه لا يستبعد في المطلق أن يكون هذا الفريق سعى الى محاولة تطييف هذه المسألة. ذلك أن ردود الفعل على مستوى الطوائف الأخرى وممثليها جاءت محذّرة من المسّ بالدستور في غياب وفاق وطني حول إعادة النظر بالدستور.
هنا وعند هذا الحدّ، تحرك فريق الحكم باتجاه إيجاد نوع من التمييز بين "السلة" من ناحية والمادة 49 من ناحية ثانية، فعلت أصوات موالية كصوت النائب ميشال المر وصوت الرئيس عمر كرامي، تميِّز بين ما يسمى "مواد ميثاقية" وأخرى "غير ميثاقية"، فصوّرت المادة 49 على أنها من المواد القابلة للتعديل لأنها غير ميثاقية (!).
وفي نظر الأوساط السياسية أن هذا التمييز بين مواد ميثاقية وأخرى اجرائية في الدستور، خطير جداً. ذلك أن الدستور المؤسس على وثيقة الوفاق الوطني، ينظم المشاركة في السلطات والعلاقة بين هذه السلطات وتوازنها، وكل ما هو مكتوب في الدستور في هذا المجال يدخل في إطار هذا التنظيم بما في ذلك ولاية رئيس الجمهورية لست سنوات غير قابلة للتجديد. ولذلك فإذا كان "الميثاقي" من المواد هو الذي يتعلق بـ"تنظيم" التوازن الوطني والوفاق الوطني، فإن المادة 49 ميثاقية بامتياز.
لذلك، فإن الحد الأقصى هو تمرير التجديد في صيغة إعادة انتخاب في موازاة "تشريع" دستوري للخروق على الدستور، في حين أن الحد الأدنى هو تعديل المادة 49 بدعوى أنها غير ميثاقية.
الاعتراض من جانب دعامات الطائف
وإذا كان لا جدال في أن طرح التعديلات الدستورية يشكل في حديه الأقصى والأدنى خطراً على النظام السياسي، فإن الخطر لا يتوقف عند هذه الحدود، لأن ما يتعرض له النظام السياسي في جوانب أخرى أخطر من أن يكون محصوراً في الجانب الدستوري ـ القانوني، وكل ذلك بـ"مناسبة" التجديد لرئيس الجمهورية.
فالتفاعل اللبناني مع الاستحقاق الرئاسي أظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن ثمة كتلة لبنانية مختلطة ضد التمديد أو التجديد أو إعادة الانتخاب، وأن من ضمن هذه الكتلة التي لا يعيبها كونها غير متشكلة على هذا الأساس، مَن يذهب الى ما هو أبعد من رفض التمديد أو التجديد أو إعادة الانتخاب، أي الى رفض استنساخ الحكم الحالي.
وترى الأوساط أنه إذا أخذت في الاعتبار حقيقة أن بكركي والمسيحيين أولاً والرئيس رفيق الحريري ثانياً، والزعيم وليد جنبلاط ثالثاً وغيرهم، ضد التمديد والتجديد وإعادة الانتخاب والاستنساخ، فان ذلك يعني أن الأطراف التي شكلت تغطية للطائف من جهة ودعامة لنظامه من جهة ثانية، ستصبح خارجه، وسيحصل تالياً إفراغ للطائف من مضامينه الدستورية ومن دعاماته السياسية في آن.
ولذلك، فإن طرح التجديد لرئيس الجمهورية، يترافق مع خطرين متلازمين: سياسي وهو إسقاط النظام السياسي باسقاط دعاماته أو ادارة الظهر لما تقوله، ودستوري بالانقضاض على الدستور في محاولة لتغيير طبيعة النظام السياسي بحيث يكون واجهة لحكم أمني ـ استخباري.
أحداث الضاحية والتسويق الخارجي
وترى الأوساط أنها إذا كانت لا تستطيع المرور مرور الكرام بالخطر الكبير الذي يمثله إسقاط النظام السياسي بالإصرار على التجديد، فإنها تتوقف عند مسألة سياسية لا تقل خطورة.
وتقول إن "فريق الرئيس" دأب في موازاة "التخطيط" للتجديد على محاولة تسويق التجديد في الإطار الأميركي وان ثمة من كلف بمهام في هذا المجال. وتقوم الفكرة الرئيسية على أن الحكم القديم ـ الجديد هو الأقدر على "التعاون" مع الولايات المتحدة ومطالبها، وأنه الأقدر على تشكيل "حكم قوي" يتعاطى مع مقتضيات المرحلة، وأنه مستعد لـ"التعاون" الى "أقصى الحدود" إذا ما روعيت "مصالحه".
وإذا كان هذا التسويق تحت عنوان القدرة على التعاون في مجال "الحرب على الإرهاب" ليس جديداً، إذ بدأ منذ نحو عامين بـ"تضخيم" الخطر الأصولي في لبنان "وتضخيم" الإنجازات في مجال مكافحته، فإن الأوساط ترى في أحداث الضاحية الجنوبية من بيروت الشهر الماضي مؤشراً خطيراً الى تعاطٍ جديد مع "حزب الله".
وتضيف الأوساط أنها مع اقتناعها بأن أحداث الضاحية خُطِّطت لأهداف محلية (سلطوية) قبل أن ينقلب السحر على الساحر كما قال وليد جنبلاط، فإن "فريق الحكم" الذي فشل في هدفه المحلي، سعى الى توظيف بعض النتائج سياسياً نحو الولايات المتحدة، لتوجيه رسالة مفادها الاستعداد لـ"بيع" الحزب أو ضبط حركته. وتلفت الى أن هذا الفريق لم يتأخر تأسيساً على تقرير النائب العام التمييزي الذي عرض لبعض مجريات التحقيق في أحداث الضاحية، في محاولة "بيع" استبعاد أي دور أميركي في هذه الأحداث، الى الأميركيين. كما تلفت الى أنه وعلى الرغم مما قاله القاضي عدنان عضوم عن الفارق القانوني بين التقرير والقرار القضائي، فإن ما جرى ويجري يترك "حزب الله" أمام واقع خطير، ولذلك تقدّر أن الحزب لم يكن مرتاحاً الى الأحداث والى النتائج و"توظيفها".
ومن هنا، تعتبر الأوساط نفسها أن التجديد لا يطرح مخاطر كبيرة على الطائف دستوراً ونظاماً سياسياً فقط ، لكنه يضع "حزب الله" في دائرة الخطر أيضاً. وتشير الى أنها مع استبعادها أن تنجح عملية "البيع" و"الشراء" في هذا المجال لسبب أميركي، فإن الخطر يكمن في التصرّف بعنوان كبير من خارج الوفاق الوطني، وهذا ما لا تفسير له إلاّ إسقاط النظام المؤسَّس على الطائف، الأمر الذي يقتضي يقظة لبنانية شاملة حيال "مشروع التجديد".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00