خلافاً لـ"الانطباع" السائد في الوسط السياسي اللبناني بأن لـ"حزب الله" موقفاً مبسّطاً ومحسوماً مع التمديد لرئيس الجمهورية في الاستحقاق الرئاسي، يكتشف المتتبّع لتفكير الحزب وسياساته أن له على العكس تماماً موقفاً مركّباً منحكماً الى منهجية عميقة في مقاربة هذا الاستحقاق.
في حوار مع القيادي البارز في الحزب رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، يتبيّن أن ثمة عدداً من النقاط والملاحظات والأسئلة المطروحة والتي يشكّل تحديدها وبلورتها والجواب عنها رسماً من وجهة نظر "حزب الله" لما يسمّيه رعد معادلة الاستحقاق الرئاسي وعواملها.
أولاً ـ يلفت رعد بداية الى أن الحجم الانتخابي للقوى اللبنانية لا يعكس حجم الحضور السياسي الفعلي لتلك القوى. ذلك أن ثمة وجهاً آخر في رأيه يعكس قوة الحضور، هو مستوى العلاقة بين هذه القوة أو تلك بهذا الطرف الإقليمي والدولي أو ذاك.
ويوضح النائب رعد هنا أن ثمة قوى فازت في الانتخابات البلدية الأخيرة بشكل لافت أو مدوّ، لكنها في المقابل مواجَهة بـ"فيتو" دولي. وفيما لا يخفى أن الحاج أبو حسن يُعطي في هذا السياق "حزب الله" مثالاً، من الواضح أنه يسخر من "الفيتو" الدولي (الأميركي) على "حزب الله" على الرغم من "نغمة الديموقراطية وتعميمها في المنطقة كما يزعم الأميركيون". ويسأل: هل القوة الشعبية تفرض حضوراً سياسياً أقوى في هذه الحال أو أن القوة الشعبية تكون قابلة للتوظيف تقوية لأوراق قوّةٍ إقليمية بحيث تستقوي هذه القوة الإقليمية بالقوة الشعبية لهذا الطرف لتعديل موقف أصحاب "الفيتو"؟
وفي وقت يسلّط كلام القيادي البارز الضوء في آن معاً على إشكالية العلاقة بين القوة الشعبية وشروط "صرفها" سياسياً وعلى أن الخيارات ليست مغلقة لدى "حزب الله" على الرغم من تلك الإشكالية، يشير رعد في المقابل الى أن ثمة قوى خسرت انتخابياً لكنها تحظى بلون من الحضانة الدولية. وفي ذهنه هنا، أطراف من المعارضة مثالاً.
ثانياً ـ يستنتج رعد مما تقدّم أن وزن الحضور السياسي للجهات المحلية (في الاستحقاق الرئاسي) لا يمكن قياسه بمعزل عن تحالفاتها الإقليمية والدولية. وغنيّ عن القول أن استنتاج رعد صيغة أخرى للقول بالتأثير الأكبر للجانب الإقليمي والدولي في الاستحقاق الرئاسي.
وفي هذا السياق، يشرح رئيس الكتلة النيابية لـ"حزب الله" على نحو ملموس أكثر ما قصد إليه في المقدمات الآنفة. وهو إذ يؤكد أن سوريا لم تتخذ موقفاً نهائياً من موضوع التمديد، يعتبر أنه إذا بدا أن التمديد خيار سوري، فليس واقعياً استبعاده (التمديد) بالعلاقة مع أمرين: الأول أن ثمة ثقلاً سورياً في لبنان لا جدال فيه، والثاني أن توازن القوى المحلي يسمح بالسير فيه إذا اعتمد. وفي تقديره أن سوريا إذا اعتمدت خيار التمديد ستحسب القوى لتواجه بها من يخالفها إقليمياً ودولياً لتقول أن ميزان القوى هو هكذا.
بيد أن النائب رعد الذي يتساءل بنسبة من التشكيك ما إذا كان في وسع الجهة أو الجهات الدولية المعترضة على التمديد احتساب قوى محلية معها للدخول على سوريا في مواجهة خيار التمديد، يسارع الى القول أن سوريا التي تملك أوراق التأثير المباشر داخلياً ستكون معنية مع ذلك باحتساب حجم الاصطفاف ضدّ التمديد.
ثالثاً ـ وإذا كان واضحاً مما تقدّم أن القيادي في "حزب الله" يستعرض العوامل المكوّنة لـ"معادلة الاستحقاق الرئاسي" وأنه يؤشر الى رجاحة التأثير السوري في "قرار الاستحقاق"، فإن رعد يطرح في الوقت نفسه عدداً من الأسئلة، فيقول أن ثمة لدى عدد من حلفاء سوريا ملاحظات على الأداء السوري في لبنان ويسأل: هل يمكن أن يدفع الخيار الذي ستعتمده سوريا في الاستحقاق الرئاسي، خصوصاً إذا كان تمديداً، الحلفاء نحو الخيار الآخر المعارض للتمديد؟ لكنه يسأل في المقابل: هل يستطيع هؤلاء الحلفاء أن يكونوا في خيار آخر؟ وهل يستطيعون أن ينحوا بتجاه إضعاف ما تختاره سوريا من خلال التعاطي مع موقف الطرف الدولي المعارض للتمديد؟
وفي تقدير رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" أن الأجوبة عن تلك الأسئلة ستُحسب عند اتخاذ الموقف، وأن ثمة زوايا نظر مختلفة الى الاستحقاق يجب أن تحضر قبل أن تُطلق الالتزامات وتُستبعد الخيارات في وقت يرى أن الخيارات مفتوحة.
رابعاً ـ ويرى رعد أن بعد كل ذلك، ثمة معطيات لا بد للقوى السياسية المحلية أن تأخذها في الاعتبار لتبني مواقفها من الخيار الرئاسي ومواصفات الرئيس المقبل. ويقول في هذا المجال أن هناك ثلاث أولويات: الموقف الاستراتيجي من الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومن المقاومة وحقوق الشعب الفلسطيني ومن التسوية على الشروط الأميركية أولاً، الحفاظ على إنجاز السلم الأهلي وعلى الاستقرار الأمني في لبنان ثانياً، والموضوع الاقتصادي ومواجهة المديونية العامة ثالثاً. ويقول أنه يفترض بالقوى السياسية الداخلية أن تبني موقفها من الاستحقاق انطلاقاً من التدقيق في المدى الذي يستطيع الرئيس المقبل السير في هذه الخيارات ـ الأولويات المترابطة والمتوافق عليها مع سوريا، أي تحديد ما إذا كان الرئيس المقبل مؤهلاً للسير في هذه الخيارات ـ الأولويات المترابطة أو ما اذا كان سيخضع لموقف يفكك الاولويّات المترابطة.
خامساً ـ ويؤكد النائب رعد أنه يمكن وصف الوضع الراهن بشأن الاستحقاق الرئاسي بأنه "وضع شدّ حبال" حتى الآن، ويشير الى أن الاصطفاف "النهائي" قبل لحظة الاستحقاق لم يحصل بعد، وأن الموضوع لا يزال قابلاً لـ"الأخذ والردّ"، وهذا ما يفسّر في رأيه عدم حسم الخيار الى الآن، معتبراً أن ثمة درساً عميقاً للمصالح الراهنة والمنتظرة التي يوفّرها اعتماد هذا الخيار أو ذاك في لحظة تضارب مصالح حاد بين سوريا والولايات المتحدة.
من هنا ينصح رئيس كتلة نواب "حزب الله" بـ"عدم استباق الأمور". ويلفت الى أن موقف الحزب من الاستحقاق الرئاسي لا يزال في دائرة البحث. أما "الإيحاء بأن الحزب من أصحاب خيار التمديد فلعلّ مردّه الى التناغم مع الرئيس لحود لجهة الموقف الاستراتيجي المتطابق حول المقاومة وضرورة استمرارها في هذه المرحلة على الأقل". لكن رعد يسارع الى القول أن "هناك نقاطاً أخرى تؤخذ في الاعتبار".
لا يترك كلام الحاج محمد رعد مجالاً لأي تأويلات: الموقف من التمديد غير محسوم وعوامل عديدة تدخل في احتساب هذا الموقف، وأن الأولويات مترابطة لا يختصرها تقاطع من هنا وآخر من هناك. كذلك فإن كلامه واضح لجهة واقعيّته في قراءة العوامل المتداخلة المشكّلة لـ"معادلة الاستحقاق الرئاسي" مما يفسّر في رأيه عدم حصول الحسم، ولعل المنهجية التي يعتمدها "حزب الله" في مقاربة استحقاق هام في لحظة إقليمية ـ دولية حرجة يستطيع "حزب الله" أكثر من غيره أن يدرك حراجتها هي منهجيّة عاقلة، ولعلّه وهو "الداخل" الى الوضع اللبناني بقوة آخذ في "اكتشاف" الكمّ من التعقيدات التي لا تحلّها المواقف "المبسّطة".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.