8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صفير يعبّر برفض التمديد عن إجماع مسيحيّ ويخشى انهياراً يدفع المسيحيين إلى الهجرة

كشف رئيس "حركة التجدّد الديموقراطي" النائب نسيب لحود خلال مقابلة تلفزيونية أول من أمس انّ أمانة سر "لقاء قرنة شهوان" تجتمع بعد غدٍ الأربعاء تمهيداً لاجتماع موسع ينعقد ـ ربّما ـ قبل نهاية حزيران الجاري، وتوقّع لحود أن تتخذ "القرنة" موقفاً حاسماً من القضايا الأساسية المطروحة، لافتاً الى ان الاجتماع سيجدّد حال انعقاده رفض تعديل الدستور وسيحدّد المواصفات الوطنية لرئيس الجمهورية المقبل.
كلامُ لحود أعطى الإشارة الأولى من نوعها منذ فترة الى استمرار "لقاء القرنة" على قيد الحياة أو بالأحرى الإشارة الأولى الى احتمال بعث الروح مجدداً في "اللقاء" الذي كانت غيبتُه طويلة جداً عن المسرح السياسي اللبناني.
"القرنة".. وحاجاتها
ولا شك ان كلام النائب لحود يعكسُ الحاجة ـ والاضطرار ـ الى انعقاد "القرنة" عند هذه المحطّة السياسية المفصلية في حياة لبنان، وذلك لاعتبارات عدة أبرزها:
أولاً ـ ثمة حاجة لدى "القرنة" الى استعادة المصداقية والتأثير بعد "الندوب" التي تعرّضا لها في الآونة الأخيرة.
وغني عن القول ان المدخل الى استعادة المصداقية والتأثير هو الموقف الحاسم والحازم من الاستحقاق الرئاسي رفضاً لتعديل الدستور والتمديد أو التجديد، لا بل ان استعادة المصداقية والتأثير مرتبطة مباشرة بتحوّل "القرنة" رأس حربة مواجهة التمديد أو التجديد.
ثانياً ـ وتحوّل "القرنة" رأس حربة ضد التمديد والتجديد، تفرضه ضرورة محاكاة هذا الإطار لما يفكر فيه الشارع المسيحي، حيث ثمّة قناعة عند المسيحيين بسوادهم الأعظم بأن الهجرة من الوطن ستكون الخيار الوحيد إذا ما جرى التمديد للأزمة سواء عبر الرئيس الحالي أو من يشبهه.
ثالثاً ـ إن عدداً من أركان "القرنة"، والنائب نسيب لحود في مقدمهم، كانوا سبّاقين الى صياغة المبادرة الى قيام حملة وطنية لحماية الدستور والدفاع عن الجمهورية، انطلاقاً من موقف الاعتراض على التمديد لرئيس الجمهورية أو التجديد له. ومن هذا المنطلق، يجدُ هؤلاء الأركان أنفسهم في موقع الاضطرار الى ترجمة قناعتهم بالمبادرة، ابتداء من "لقاء القرنة" الذي لا معنى لمبرّر وجوده السياسي إذا غاب في هذه اللحظة الحاسمة التي تعني المسيحيين ثمّ كل اللبنانيين.
رابعاً ـ والأهم، ان البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، أكد في حديثه الى الزميلة "النهار" أمس ان معارضته تعديل الدستور والتمديد والتجديد لا تزال على حالها، وذهب الى إبداء الترحيب بالمبادرة الى حماية الدستور، في إشارة لا تحتمل التأويل الى انه يربط الخطر على الدستور بالتمديد. ومن الطبيعي، ان "لقاء" تأسّس في ظل بكركي واستمدّ شطراً رئيسياً من شرعيته من العلاقة بالبطريرك، مدعو الى أن يمثل في هذه اللحظة المفصلية، الذراع السياسية "الضاربة" لبكركي وسيدها، طالما ان موقفه من الدستور والتمديد والتجديد يدخل في باب "السياسة الوطنية" ويفترض بـ"القرنة" أن تكون "الترجمان" في "السياسة السياسية"، أي في السياسة المباشرة.
إذاً، من الواضح ان اجتماع "القرنة" إذا انعقد منحكماً الى المقدمات الآنفة، سيمثّل في هذه الحالة خروجاً لها من "السبات" الذي غرقت فيه، وسيشكل عودة الى التناغم مع البطريرك.. ولاشك ان النائب لحود كان في كلامه المشار اليه ينطقُ عن قناعة باستمرار "اللقاء" على الشروط السياسية المنوّه بها والتي بدونها يصبح استمراره أو عدمه متساويين.
قلقُ البطريرك.. وعوامله
وفي هذا السياق، يشرحُ قارئون "محلّفون" في كتاب البطريرك موقفه ومنطلقات هذا الموقف، فيؤكدون انه صادر من المنطلقات الرئيسية الآتية:
1 ـ ان البطريرك الذي يتجنب "مصادمة" سوريا والذي لا يزال على موقفه من ان المرحلة تقتضي "رويّة" في التعاطي مع سوريا والملفات التي تمسك بشطر مهم منها، يعتبر انه معنيّ بتجديد موقفه المبدئي ضد تعديل الدستور. وبهذا المعنى، فإن موقف صفير الذي يأتي بعد كلام الرئيس السوري بشار الأسد عن المعطيات اللبنانية للاستحقاق الرئاسي، موجه في جانب منه الى "الخارج"، والى سوريا تحديداً، بما في ذلك سؤاله عما إذا كانت "حرية انتخاب رئيس جديد" ستكون مصانة. وبكلام آخر، فإن البطريرك يطالب بالالتزام الدقيق بما أعلنه الرئيس الأسد.
2 ـ ينطلقُ البطريرك في موقفه المبدئي المتجدد رفضاً لتعديل الدستور، من قناعة بوجود شبه إجماع مسيحي ضد التمديد لرئيس الجمهورية وضد التمديد للأزمة، وهو يعربُ أمام زوّاره المقربين عن قلقه الكبير على المصير اللبناني العام وعلى المصير المسيحي في حال جرى التمديد للأزمة. ولا يخفي البطريرك تقديره ان البلاد على مشارف انهيار، وان مواجهة هذا "الاحتمال" تتطلب تغييراً وإعادة الأمل الى الناس وفتح الأفق السياسي أمام اللبنانيين.
3 ـ ويدركُ البطريرك ان التمديد سوف يواجه معارضة داخلية واسعة جداً، بشبه إجماع مسيحي بمختلف تياراتهم، كما يدرك ان ثمة أكثرية لبنانية من جميع الطوائف ضد التمديد. ولذلك يقرأ "المحلّفون" في موقفه أمس دعوة غير مباشرة الى الحوار حول الاستحقاق الرئاسي ليس من أجل اختيار رئيس بديل، انما للانتقال من مرحلة الى أخرى بأقل كلفة بالنسبة الى الأطراف كافة.
"إعلان بيروت".. ومبادرة حماية الدستور
4 ـ وما يعزز القناعة بأن البطريرك قلق من التمديد في سياق قلق عام من الوضع خاصةً إذا جرى التمديد، انه أعطى إشارتين مهمتين خلال حديثه الصحافي: الأولى ترحيبه بمبادرة "إعلان بيروت"، وهو "الإعلان" الذي أكد المعنيّون به نقاشاً وصياغة انه يتجاوز مسألة الاستحقاق الرئاسي ليدرجها في سياق ميثاقي، أي في سياق عمل إسلامي ـ مسيحي مشترك، لا حاجة الى التذكير بتشديد صفير على ضروراته. والإشارة الثانية تمثلت بترحيبه بمبادرة "المنبر الديموقراطي" والقوى المشاركة ضمنه، وهي المبادرة التي أطلقت في موازاة الموقف الرافض للتمديد "الحملة الوطنية لحماية الدستور والدفاع عن الجمهورية".
ويلفت القارئون في كتاب البطريرك الى ان هاتين الإشارتين تعكسان مدى تأييده لانخراط المجتمع الأهلي في المسألة السياسية ـ الوطنية، ومدى تعويله على هذه الفاعلية في تكوين الموقف اللبناني العام.
في ضوء موقف البطريرك وخلفياته، يفترض إذاً أن تجدّد "قرنة شهوان" نزولها الى "الميدان"، ولا يمكن لـ"سقفها" أن ينزل عن "السقف الذي حدده صفير، أي انه يفترض بـ"القرنة" أن تستأنف تحركها الاعتراضي على التمديد، مع ملاحظة التنسيق القائم والممكن بين المعارضة المسيحية والمعارضة "اليسارية".
وإذ يلاحظُ القارئون في كتاب البطريرك ان ثمة معارضة إسلامية للتمديد قوامُها الرئيس رفيق الحريري ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، ويلفتون الى غياب التنسيق بين المعارضة بشقيها المسيحي واليساري من جهة والمعارضة الإسلامية من جهة ثانية، لكنهم لا يرون في ذلك ثغرة كبيرة، ويأملون في أن يبقى التوافق طاغياً على الرغم من "الانفصال" عملياً بين الاعتراضين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00