يعمل فريقُ رئيس الجمهورية اميل لحوّد لدُنياه كأنه يعيش أبداً، ولا يزالُ يدرسُ "الأفكار" التي تمكّن الرئيس لحود من البقاء في بعبدا مهما كلف الأمر.
وفي المعلومات المتوافرة أن "فريق الرئيس" يضم في عداده مستفيدين بشكل مباشر من مواقعهم في السلطة، في إدارات رسمية أمنية وغير أمنية، كما يضم رجال أعمال ومال واقتصاد، يسعون الى التأمين على مصالحهم من خلال أي صيغة تبقي لحود في بعبدا. لكن في المعلومات المتوافرة أيضاً، أن "فريق الرئيس"، مدفوعاً بمصالحه، يتحرك في دائرة السعي الى تعديل الدستور لتحقيق واحدة من ثلاث أفكار رئيسية: إما تعديل الدستور بهدف تمكين الرئيس لحود من الترشح لولاية ثانية مدتها 6 سنوات، وإما تعديل الدستور لجهة تخفيض الولاية الرئاسية الى 5 سنوات، وإما التمديد 3 سنوات أخيراً. واذا كانت المعلومات تشير الى أن "الفريق" لامس فكرة رابعة تقضي بتعديل الدستور لجعل انتخاب الرئيس مباشراً من الشعب ابتداءً من الاستحقاق المقبل ، فان المؤكد هو ان تعديل الدستور على النحو الذي يقاربُه الفريق الرئاسي، مطروح لـ"التحايل" على التمديد أو التجديد، أي لجعل هذا الأمر بمثابة انتخاب آخر للرئيس لحود، واذا تعذر النجاح في "التحايل" فلا حولَ ولا قوة الاّ بالله عندئذٍ، أي التعديل للتمديد أوالتجديد.
الحص و"سرّ" تراجعه
وقبل استعراض الاحتمالات في ضوء هذه "الأفكار" وما الأرجح من بينها، تتوقف أوساط سياسية متابعة عند موقف لافت عبّر عنه الرئيس سليم الحص في مقالته في صحيفة "النهار" الثلاثاء الفائت.
فمع انه سبق له أن أعلن رفضه المبدئي تعديل الدستور خاصة اذا كان للتمديد أوالتجديد، فاجأ الرئيس الحص اللبنانيين بقوله ان "في الأفق مشروعاً إصلاحياً يتناول عدداً من مواد الدستور منها المتعلقة بالولاية الرئاسية". ويضيف ان "التعديل يأتي ليقلص الولاية الرئاسية الى خمس سنوات ليفتح إعادة الانتخاب لمرة واحدة"، ويلاحظ أن تعديل الدستور لا يكون في هذه الحالة لـ"التمديد".
ويوضح الحص انه "ما دام مبدأ الانتخاب سيحترم (في صيغة التعديل) أي ان العملية لن تتخذ صيغة التمديد أوالتجديد للرئيس الحالي فنحن مع الاصرار على سلوك طريق الانتخاب ولو جاء من ضمنه احتمال إعادة الانتخاب". لكن الرئيس الحص لا يقف هنا بل يقول "اذا كان ثمة مشروع لتعديل الدستور بغية تمكين الرئيس لحود من الترشح لولاية جديدة في عملية انتخاب أو إعادة انتخاب، فان الناس تتطلع الى سماع الرئيس لحود يتحدث عن منطلقاته للعهد المقبل".
تعرب الأوساط المتابعة عن مفاجأتها من موقف الحص لاعتبارات عدة:
1 ـ بصرف النظر عن الجانب القانوني (الدستوري) لكل فكرة من الأفكار المتداولة في إطار "الفريق الرئاسي" بما فيها الفكرة التي يدافع عنها الحص بإسم انها "إصلاحية"، فلا شك ان الفكرة (خفض الولاية الرئاسية الى خمس سنوات) هي من ضمن أفكار التحايل على صيغة التمديد أو التجديد، والأهم انها في "السياسة" تعني التمديد.
2 ـ ان الرئيس الحص بموافقته على ما يسميه "مبدأ الانتخاب" في العملية، انما يوافق على التمديد سياسياً وعملياً ولو سماه "اعادة انتخاب"، لا بل ان الحص يسارع الى مطالبة الرئيس لحود بـ"الحديث عن منطلقاته للعهد المقبل" كما لو ان الأمر صار محسوماً أو كما لو ان النطق بهذا الموقف أراح ضميره كما يريح النطق بالشهادتين المؤمن عند المسلمين.
3 ـ وتسأل الأوساط الرئيس السابق للحكومة عما أدى الى هذا التبدل في موقفه "السياسي" بحيث يصبح جزءاً من الفريق الرئاسي مثله مثل عدد من المجموعات السياسية "المطبلة" للتمديد؟.
4 ـ والمفاجأة أخيراً، ليست فقط في ما يتضمنه هذا "التنظير" الدستوري، ولا فقط في عنونته لمقاله بـ"التغيير عنواناً لعهد جديد" (التغيير بالتمديد!)، بل في كون هذا الموقف يتناقض مع ما أعلنه زميلُه في "الجبهة الوطنية للاصلاح" النائب بطرس حرب في حديثه الأربعاء الفائت الى برنامج "مختصر مفيد" من محطة "ان.بي.ان"، من رفضه تعديل الدستور، وهو موقف زميلته نايلة معوض أيضاً. والسؤال هنا: ما هو موقف "الجبهة" ليس فقط من كلام الحص بل من مشروع التعديل الدستوري الذي يدافع عنه الحص؟.
أفكار تعديل الدستور تمس بنوداً ميثاقية
على أي حال، ثمة جهات نيابية شاركت في اتفاق الطائف، تعتبر ان أفكار "الفريق الرئاسي" للتحايل على التمديد أو التجديد، سواء السماح للرئيس بالترشح لولاية رئاسية جديدة من 6 سنوات أو تقصير الولاية الى 5 سنوات وتمكين الرئيس الحالي من الترشح أو الانتخاب الشعبي، تعتبر ان هذه الأفكار تتناقض مع مقتضيات الوفاق الوطني، وتجعل من مسألة تعديل الدستور في اتجاه واحدة من تلك الأفكار، أقرب ما تكون الى محاولة المساس ببنود ميثاقية. وتوضح ان اتفاق الطائف عندما وزع الصلاحيات بين مختلف السلطات، جعل من هذا التوزيع أمراً ميثاقياً يعبر عن التوافق بين قوى المجتمع السياسي في لبنان وان اي إخلال بهذه المعادلة قد يدفع الى ما يتجاوز المطروح نحو تناول صلاحيات السلطات الدستورية الأخرى.
ماذا حصل للتمديد للهراوي؟
اذاً، وإن كان "الفريق الرئاسي" كسب الحص الى جانبه، فمن الواضع أن التحايل على التمديد أو التجديد بفتح ملف تعديل دستوري يتناول بنوداً رئيسية، سيصطدم بمواقف متمسكة بالدستور وباحترامه. ومن هنا فان الاحتمال الوحيد هو أن يجد "فريق الرئيس" نفسه محمولاً على التحرك على محور واحد، أي محور الصيغة التي حصلت مع الرئيس السابق الياس الهراوي.
وفي معرض شرح الصيغة التي اعتمدت قبيل انتهاء ولاية الرئيس الهراوي عام 1995، توضح أوساط "معاصرة" عن قرب لتلك المرحلة، ان الحكومة آنذاك (برئاسة الرئيس رفيق الحريري) تولت آليات تطبيق الاتفاق على التمديد بعد حصول هذا "الاتفاق". ففي جلسة علنية لمجلس الوزراء (نُقلت وقائعها عبر الاعلام) تلا رئيس مجلس الوزراء رسالة موجهة من مجلس الوزراء (أقرت في جلسة سابقة) الى الهراوي، متضمنة "الأسباب الموجبة" لمطالبته بالتمديد، وفيها الظروف المتصلة بالمفاوضات الاقليمية آنذاك ووضع الجنوب (لم يكن قد تحرر من الاحتلال الاسرائيلي)، وفيها ان مشاورات جرت على غير صعيد سياسي ونيابي أفضت الى تبلور الموافقة على استمرار الهراوي في الحكم الخ... وفي هذه الجلسة العلنيّة، وبعد تلاوة رسالة مجلس الوزراء، تكلم الهراوي شاكراً موقف مجلس الوزراء وموافقاً على التمديد. وبعد الجلسة، أرسلت الحكومة مشروع قانون الى المجلس النيابي.
آخر الطريق.. مفاجأة
وهنا، تلفت الأوساط الى أن ما حصل عام 1995 أحل الرئيس الهراوي من طلب التمديد مباشرة، وكانت موافقته على رسالة مجلس الوزراء المخرج أي ان موافقته كانت بمثابة الطلب. وتقول الأوساط ان الأسئلة اليوم هي الآتية: هل هذه الصيغة باعتبارها "الحد الأقصى" أمام "الفريق الرئاسي" في حال الاتفاق على التمديد، مرشحة لأن تتكرر؟ وهل ان الرئيس الحريري الذي تولى تلاوة رسالة المطالبة بالتمديد للهراوي هو نفسه رئيس مجلس الوزراء الذي سيتولى تلاوة الرسالة المفترض أن توجه الى الرئيس لحود؟ أم ان ثمة سيناريو آخر من شأنه أن يختصر المسافات وينتهي الى مطالبة لحود بنفسه وبشكل مباشر بتعديل الدستور لمصلحة التمديد من دون اللجوء الى رسالة من مجلس الوزراء؟ هل نحن امام سيناريو يمكن ان يتكرربشكل أو بآخر أم أن البلاد أمام احتمالات مفتوحة على توقعات كثيرة قد يكون من بينها "مفاجأة" اللبنانيين بانتخاب رئيس جديد؟.
وتختم الأوساط المتابعة بالقول انه اذا كان "فريق الرئيس" يعمل لدُنياه وكأنه يعيش أبداً، فان ثمة ما يدعوه بشكل موازٍ الى أن "يعمل لآخرته وكأنه يموت غداً"، أي أن يأخذ في الحسبان ضرورة عدم زج البلاد في أبحاث تتنافى ومقتضيات الوفاق الوطني، لأن من مقتضيات الوفاق الوطني الاّ يبحث تعديل الدستور الاّ في إطار الوفاق الوطني نفسه.. مع تذكيره بان من شجعوا التمديد للرئيس الهراوي عام 1995 ما لبثوا أن شعروا بالسلبيات التي ترتبت على هذه الخطوة على كل صعيد،بما في ذلك بدء عملية عسكرة البلاد، وان الذين قادوا عملية تهيئة ظروف وصول العماد اميل لحود الى رئاسة الجمهورية آنذاك، شنوا من الحملات على التمديد للهراوي ما يعرفونه تماماً... فلماذا "إعادة التاريخ" اذاً؟.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.