عندما سيقترن "إعلان بيروت" المفترض إذاعته في غضون يومين، بأسماء الموقّعين من مختلف الطوائف والمناطق والشرائح الاجتماعيّة، سيكونُ اللبنانيّون أمام نصّ ميثاقيّ بالغ الأهميّة ليس فقط من زاوية ما يتضمنّه من مواقف لكن أساساً من زاوية كونه التعبير الأوّل من نوعه عن محصّلة حراك المجتمع الأهلي التي تنبئ بتقدمّها على المحصّلة التي ينتجها المجتمع السياسيّ، حيث سيكون واضحاً انّ محصّلة المجتمع الأهلي تمنح الوضع اللبناني افقاً مفتوحاً في حين لا يزال المجتمع السياسيّ يقود الوضع اللبنانيّ الى أزمات متراكمة. والأهمّ من النصّ انّ ثمّة ديناميّة متوقّعة انطلاقاً منه كفيلة بأن توجّه رسائل جدّيّة لبنانياً وخارجيّاً.
تصفية الحساب مع الحرب
ماذا في النصّ بداية؟
أولاً ـ إن صياغة النصّ من قبل مثقّفين مسلمين ومسيحيين، ثمّ توقيعه من مسلمين ومسيحيين، يجعلان (الصياغة والتوقيع) النصّ أوّل نصّ إسلامي ـ مسيحيّ بعدَ الحرب غير وثيقة الوفاق الوطنّي في الطائف التي لا شكّ انّها خضعت لـ"تسويات" و"توازنات" كونها هي نفسها "تسوية". وأن يكون "إعلان بيروت" أوّل نصّ اسلاميّ ـ مسيحيّ غير رسميّ بعدَ الحرب، يعني انّ المشاركين فيه صياغةً ونقاشاً وتوقيعاً كسروا "قسمة العمل" التي فرضت على لبنان منذ الطائف، حيثُ لا يحقّ للمسلم أن يقول رأيه تعاطفاً مع ما يثيره المسيحيّ أو نقاشاً هادئاً له، ولا يحقّ للمسيحيّ أن يتفاعل مع ما يطرحه المسلم، وحيث غدت عناوين مثل "السيادة" و"الاستقلال" اختصاصاً مسيحيّاً والدفاع عن المقاومة وسوريّا اختصاصاً مسلماً، في ظلّ إقفال قنوات التواصل والحوار كافّة، لا بلّ تحوّلت البيئة المسلمة الى فزّاعة للمسيحيين في مواضيع معيّنة في لحظات معيّنة والعكس بالعكس.
ثانياً ـ واذا كان مفروضاً على من سيتعاطى مع "إعلان بيروت" أن يتعامل معه بوصفه نصاً اسلاميّاً ـ مسيحيّاً، فسيكون على الجميع انطلاقاً ممّا تقدّم أن يرى في الإعلان بمثابة "ميثاق وطني جديد" يدعم وثيقة الوفاق الوطني ويعززّها، وأن يرى فيه المدخل الى تصحيح المسار السياسي ـ الوطنّي الذي بدأ منذ الطائف لأنّ وثيقة الطائف تزامنت مع تعطيل كامل لآليّات العلاقات اللبنانيّة ـ اللبنانيّة.
ثالثاً ـ ويكتسبُ "الإعلان" أهميّته أيضاً من كونه يقوم بنوعٍ من تصفية الحساب مع الحرب، وذلك عبر تسليط الضوء على بُعدها الأهليّ، وهذا ما يجسّده القول في الإعلان انّ "مسؤوليّة الآخرين عن الحرب اللبنانيّة، وهي مسؤوليّة كبيرة، لا تعفينا نحن اللبنانيين من مسؤوليتنا عنها"، وإضافته أنّ "الاعتراف بالمسؤوليّة عن الحرب شرط ضروري لتجاوزها (..)". ويتحدّث الإعلان عن "ثلاث خطايا كبرى" يعدّدها على انّها "محاولة تحقيق الغلبة على الآخر، استخدام العنف وسيلةً لتحقيق المطالب السياسيّة، الاستعانة بالخارج على الخصم الداخلي(..)".
شجاعة النقد الذاتي
ولم يكن البدء بتصفية الحساب مع الحرب، مجرّد صدفة أو نوعاً من التسلسل الزمني. ذلك انّ الحرب لا تغدو من التاريخ الاّ متى استطاع من انخرطوا في أيّ من مواقعها وضفافها أو الذين كانوا شهوداً عليها أو تعاطفوا مع فريق من أفرقائها، امتلاك شجاعة النقد الذاتي وشجاعة استخلاص دروسها وعبرها. والدليل على ذلك انّ "الخطايا الثلاث" التي يتحدّث عنها "إعلان بيروت" لم تتوقّف مع الطائف، وأن الاعتراف بوثيقة الطائف لم يمنع مسؤولين في الحرب من الدفاع عن مواقفهم خلالها، وأن بعضهم اعتبر أنّه بنقله البارودة من كتف الى كتف يعفيه من أيّ نقد ذاتي، لا بل هناك مَن حمى نفسه في الحرب ثمّ حمى نفسه بالتوازنات الجديدة.. وقد يفعلها ثانية. اذاً، ليس البدء على هذا النحو ترفاً، بل وحدهم الذين يمتلكون شجاعة النقد الذاتي هم المؤمنون بوثيقة الطائف وبـ"حسن" تطبيقها في آن.
رابعاً ـ والفقرات التالية في "إعلان بيروت"، تعطي الدليل القاطع على أنّ من استخلصوا أسباب الحرب يستطيعون اذا هم تحاوروا مع بعضهم أن يصحّحوا لبعضهم. يقول الإعلان في إحدى فقراته انّه "بامكاننا أن نجعل مصيرنا مصير شؤم اذا استمررنا في خلافاتنا حول أهدافنا وأولويّاتنا الوطنيّة وانقسمنا بين من يرى أنّ استعادة السيادة الوطنيّة هي المدخل الوحيد لإخراج البلاد من محنتها، وبين من يعتبر انّ الاصلاح أولويّة لا يمكن تأجيلها لإنقاذ الناس من خطر الجوع والحدّ من النزيف البشري الذي تعاني منه البلاد، وبين من يعمل على إبقاء الأولويّة للمقاومة باعتبار انّ الخطر الأوّل والأكبر على لبنان يأتي من اسرائيل". ويضيف الإعلان انّ "الخيارات الثلاثة متكاملة ومتداخلة وملحّة بحيث لا مجال للفصل بينها".
وحدهم اذاً متحاورون قام كلّ منهم بنقده الذاتي، يستطيعون نقد مواقف بعضهم وتجاربهم. أليس في ما تقدّم نقد للمعارضة المسيحيّة بكافة تيّاراتها، وللتيّار الذي شارك ممثّلون منه في صياغة الإعلان، أي "قرنة شهوان".. وبموافقة هذا التيّار؟ أليس في ما تقدّم نقد لـ"اليسار" و"حزب الله"، أفضى (النقد) الى اعتبار الخيارات متكاملة؟. فكيف إذا اتسع نطاق الحوار لينضمّ إليه "حزب الله" مثلاً؟.
ولا يخفى أنّ النقد بقدر ما هو جريء على "الراهن" وليس فقط على الماضي، يحمّل الشريك مسؤوليّة تجاه شريكه، ويدفع كلّ شريك الى عدم الانفراد في أمر وطنيّ. النقد عبء لكنّه شجاعة، والنقد مسؤوليّة والشجاعة الأكبر هي القناعة بالشراكة.
تجسيد الشراكة في المسؤولية
خامساً ـ وعلى المنوال نفسه، أي بالمنهجيّة نفسها، يمكن قراءة الفقرة من الإعلان التي تخاطب سوريّا: "لن نكون اداة ضغط خارجيّ على سوريّا، وعلينا واجب التضامن معها وهذا ليس شرطاً يملى علينا وليس وليد قرار السلطة التي تدين بوجودها للسلطة السورية، بل هو اختيار حرّ نابع من واقع لبنان ومصالحه". وتضيف الفقرة "من حقّنا على الجميع وعلى الأقربين قبل غيرهم الكفّ عن التعامل مع لبنان بوصفه ساحة أو ملفاً أو ورقةً والإقرار بحقّنا في تشكيل السلطة التي نراها مناسبة (..)".
وواقع الأمر انّه ما كان يمكن لمسلم أن يوافق على مخاطبة سوريّا بجرأة لولا الاتفاق مع المسيحي على ما يسبق هذه الفقرة وما يليها من نقد ذاتي، ليستطيع الاثنان المسلم والمسيحي بالقناعة المشتركة المتكوّنة المطالبة بـ"حقّنا في تشكيل السلطة". ولا شكّ انّ الموقف المشترك المسلم ـ المسيحي في الإعلان حول "الإمبراطوريّة"، يعزّز كلّ ما سبقه، حيث يؤكد الاعلان "عدم الموافقة على استراتيجيّات التصادم والغلبة وعدم الايمان بنظريّاتها سواء كانت قائمة على الثقافة أو القوميّة أو الاطماع الامبراطوريّة"، ويوضح "الالتقاء مع حركة الاعتراض العالميّة التي برزت قبل الحرب على العراق وبعدها"، ويشدّد على "رفض الوصاية على مسار التطوّر لأيّ شعب من الشعوب (..) ومن يدعو الى الاصلاح والديموقراطيّة وحقوق الانسان عليه أن يكون مثالاً يمكن الاقتداء به(..)"، ملاحظاً أنّ "استقرار العالم وقدرته على احتواء مصادر العنف يتوقفان على قيام حل عادل ودائم لمسألة الصراع العربي ـ الاسرائيلي وفي قلبها وجوهرها القضيّة الفلسطينيّة (..)". فقرة تحاكي الموقف المسلم وتلقي التحية على وليد جنبلاط بشكل خاص.
أمام أنظار العالم: "اللبننة" لها مقوّمات
يمكن الاسترسال طويلاً في قراءة هذا النصّ اللبناني ـ العربي. بيدَ أنّ ثمّة سؤالاً قد يتبادر الى الذهن: هل هذا النصّ المسلم ـ المسيحي لم يكن ناضجاً قبل الآن؟ ولماذا "إعلان بيروت" الآن؟. من الصعب القول انّ صدور هذا النصّ قبل الآن كانَ ممكناً، لكنّ المؤكدّ انّ "مفعوله" أكبر اليوم وقدرته على اطلاق ديناميّة معيّنة أكبر أيضاً، وأهميّته الآن أوضح. فمع انّ "إعلان بيروت" لا يتضمّن موقفاً مباشراً من الاستحقاق الرئاسّي، فعلى الأرجح انّ ما يمثّله الاستحقاق من فرصة تغيير، شجعت على إخراج هذا الإعلان ودفعه للتفاعل مع الناس عبر التواقيع. ولا شكّ أيضاً أنّ الظروف الاقليميّة والدوليّة الضاغطة على سوريّا ولبنان تشكّل سبباً آخر، على اعتبار انّ الاعلان "يقترح" تفاهماً لبنانياً ـ سوريّاً يواجه الضغوط. كذلك، فان الاعلان كنصّ وكديناميّة يبرز حقيقة أنّ ثمّة حيويّة في المجتمع اللبناني تجعله مالكاً لكلّ الأهليّة الديموقراطيّة ولمقومّات التفاهم الاسلامي ـ المسيحيّ أمام أنظار العالم، حيث لا يخفى ان الإعلان يسعى الى اعادة الاعتبار الى الداخل، وهو نفسه (الاعلان) محطّة من محطّات إعمار الداخل اللبناني ومحطّة من محطّات استعادة انتاج السلطة الى سياق لبناني طبيعي.
كثيرون جدّاً سيوقّعون "إعلان بيروت" لأنّه ميثاق وطنيّ "أهليّ" جديد، وسيوقعونّه لأنّه يقنعهم بأنّ ثمّة بديلاً من الواقع القائم، وسيوقّعونه لأنّه دعامة للطائف ولأنّه يذهب الى ما هو أبعد من "دفن" التمديد، الى "اللبننة"... ولأنّه بتركيزه على دور الداخل يعيدُ ترميم موقع الوسط والاعتدال الذي كان غيابُه سبباً من أسباب الحرب.. والإعلان يدفن الحرب.. ولأنّ المسلم صار يستطيع الحديث في كلّ شيء والمسيحيّ أيضاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.