بعدَ مضيّ نحو أسبوع على اللقاء الذي جمعَ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي والأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله الى مائدة رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوّات السوريّة العميد الركن رستم غزالي، يستمرّ من قبل البعض تضخيم أبعاد هذا اللقاء ودلالاته بالنسبة الى الاستحقاق الرئاسيّ.
كيف حصلَ هذا اللقاء أوّلاً؟
يروي مطّلعون أنّ انعقاد اللقاء كانَ مطلبَ الرئيس برّي في لحظة تأزّم العلاقة بين "أمل" و"حزب الله" مع بدايات الانتخابات البلديّة في الضاحية الجنوبيّة ثمّ في البقاع، وكان برّي يهدف حينذاك من الطلب الذي دعا العميد غزالي الى الاعتناء به الى مراجعة الاتفاق بين الجانبين حول المسألة البلديّة، وهو الاتفاق الذي تحوّل في الواقع الى اختلاف أينما كان بينهما.
ويضيفُ المطّلعون أنّ اتفاقاً ضمنيّاً جرى بعد تعذّر انعقاد اللقاء في ذلك الوقت نظراً الى حماوة المنافسة الانتخابيّة، على أن يُعقد بعدَ انتهاء العمليّات الانتخابيّة في الجنوب.
وبعدَ انتخابات الجنوب، دخلَ السفير الإيرانيّ في بيروت مسعود الإدريسي على خطّ السعي الى جمع القطبين برّي ونصر الله الى مائدته لمناقشة هادفة الى لملمة ذيول الاستحقاق البلدي على البيت الشيعي، ولم يكن الإدريسي حتّى ذلك الوقت على علمٍ بأنّ ثمّة اجتماعاً مبدئيّاً متفقاً عليه مع غزالي، وعندما بلغه الأمر وكي لا يبدو أنّ ثمّة "دوبلة إيرانيّة" هي في الواقع غير موجودة، سحَب وليمته من التداول.
بيَد أنّ ذلك كلّه كان محفّزاً لـ"حسم" موعد اللقاء، وهو الأمر الذي تمّ بالفعل أثناء الخلوتين بين برّي ونصر الله من ناحية وبين برّي وغزالي من ناحية أخرى على هامش التعازي بشقيقة رئيس المجلس، من غير أن ينسى المطّلعون التذكير بأنّ أحداث الضاحية الجنوبيّة أخّرت لبضعة أيّام موعد اللقاء.
اللقاء.. والاسترخاء الشيعي
على هذه المقدّمات، لا يرى المطّلعون أنّ ثمّة علاقة بين اللقاء وبين الاستحقاق الرئاسيّ، أو بين اللقاء ومواقف قيلت في الاستحقاق الرئاسيّ، أو بينه وبين أيّ ردّ على أيّ من هذه المواقف.
وما يستنتجه المطّلعون في ضوء ما يملكون من معطيات، يُؤكّده المشاركون من الطرفين في اللقاء، إذ يشيرون الى ثلاث قضايا جرى تداولها تندرج جميعاً تحت عنوان الوضع الشيعي. والقضيّة الأولى تتعلّق بالوضع في الجنوب غداة تأزّم الوضع في المنطقة بعد الصواريخ المجهولة ـ المعلومة التي أطلقت من لبنان، وأثارت استياءً غير معلن من "حزب الله"، وبعد الاعتداءات الإسرائيليّة التي تلت الصواريخ، ثمّ عمليّة المقاومة في مزارع شبعا التي وضعت في خانة "الردّ على الاعتداءات الإسرائيليّة".
القضيّة الأولى إذاً في ما يتعلّق بالجنوب، كانت موضع تشاور في وقت بدا أنّ "حزب الله" كانَ مضطراً الى ردّ سريع على الاعتداءات الإسرائيليّة على الرغم من استيائه من الصواريخ. أمّا القضيّة الثانية فتتعلّق بالوضع الشيعي في العراق، في ضوء ما هو متوافر من معطيات، خاصّة لدى "حزب الله" عن آخر التطوّرات في هذا الشأن في ظلّ علاقاته بمختلف المرجعيّات الشيعيّة عراقياً وإيرانياً. والقضيّة الثالثة تتعلّق بأحداث الضاحية حيث حرصَ السيّد نصر الله على التنويه بدور "أمل" في حماية كنيسة مار مخايل من امتداد أيّ شغب آتٍ من وزارة العمل إليها، ربّما لـ"التمييز" بينَ مسائل وأخرى في سياق تلك الأحداث.
يؤكّد المشاركون من الطرفين أنّ أجواء لقائهما كانت جيّدة وإيجابيّة، لأنّ اللقاء من زاوية ما بحثَه بالفعل يعيد الاعتبار الى التشاور بينهما في القضايا الكبرى التي تهمّ الشيعة عموماً وشيعة لبنان خصوصاً. والى ذلك يضيفُ أحد المشاركين أنّ من الجوانب الإيجابيّة للقاء أنّه ينعكس استرخاء مطلوباً في قواعد الطرفين بعدَ انتخابات بلديّة حامية الوطيس، خصوصاً في الجنوب الذي يبقى عنوان الصراع مع إسرائيل.
"حزب الله": الحسم السوريّ لم يتأخر
هذا هو سياق لقاء برّي ـ نصر الله الى مائدة غزالي، والذي يتبيّن ممّا يقوله المطّلعون على انعقاده والمشاركون فيه أنّ مسألة الاستحقاق الرئاسيّ لم تكن على جدول أعماله.
لكن وبعيداً عن اللقاء في حدّ ذاته، يوضح المعاون السياسيّ للأمين العام لـ"حزب الله" الحاج حسين خليل في جلسة دردشة أنّ سوريّا هي الناخب الخارجيّ الوحيد في الاستحقاق، ويضيفُ أنّ نتائج الانتخابات البلديّة الأخيرة كانت جدّ مريحة لسوريّا، فهي في ضوء هذه النتائج التي تبقيها ضابط الإيقاع تستطيع التمديد إن هي قرّرت اعتماده وتستطيع الذهاب الى خيار الانتخاب إذا قرّرت أيضاً. ويلفتُ الى أنّ سوريّا من وجهة نظره لم تتخّذ قرارها بعد في أيّ من الاتجاهين ستسير، وأنّه لا يزال أمامها متّسع من الوقت لذلك، وهو القرار الذي ستبنيه على معطيات على غير صعيد.
ملاحظات على قانصوه
إذاً، فيما لو أخذ كلامُ المشاركين في اللقاء عن ماهيّة البحث الذي دار فيه مع توضيح الحاج حسين خليل، لأمكن استنتاج أنّ ثمّة تهويلاً في تضخيم اللقاء ودلالاته حتّى لو كان جرى بحثٌ في الاستحقاق الرئاسي فكيف عندما يُنسب الى اللقاء أنّه تبلّغ كلمة سرّ معيّنة بالنسبة الى التمديد؟
وفي هذا المجال، يسجّل مراقبون مجموعةً من الملاحظات في الشكل والمضمون:
أوّلاً ـ لم تجرِ العادة أن تبلّغ القيادة السوريّة، لو صحّ أنّ في اللقاء تبليغاً لموقف من الاستحقاق وهذا ليس صحيحاً بحسب المشاركين، طرفين بوزن الرئيس برّي والسيّد نصر الله، في الصيغة التي تمّ فيها اللقاء.
ثانياً ـ صحيح أنّ "أمل" و"حزب الله" حليفان موثوقان لسوريّا، لكنّ لكلّ منهما خصوصيّته، لا سيّما تجاه موضوع من هذا القبيل، و"تقنيّته" بالنسبة الى برّي كرئيس للمجلس مختلفة عن تقنيّته بالنسبة الى الحزب.
ثالثاً ـ وإذا صحّ جدلاً أنّ برّي ونصر الله أُعطيا "السبق" في معرفة مآل الاستحقاق، فإنّ ذلك ولأنّه ليس مسألة شيعيّة، سيثير أزمةً سياسيّة كبيرة في البلاد، تماماً لأن مسألة الاستحقاق الرئاسيّ تخصّ الجميع. ولأنّه كذلك، فإنّ المراقبين يستبعدون حصول حسم سوريّ حيال هذا الموضوع، قبل فترة من الزمن.
ويضيف المراقبون أنّ ما أبدوه من ملاحظات، هوَ بمثابة ردّ على ما أدلى به الوزير عاصم قانصوه خلال الأيّام الأخيرة، حين اعتبر أنّ الموقف من الاستحقاق عند الرئيس برّي والسيّد نصر الله والعميد غزالي ومن لا يلتزمه يكون معادياً للرئيس بشار الأسد ومتواطئاً مع أميركا. فقانصوه بكلامه هذا يركّب روايته على اللقاء الذي حصل الأسبوع الماضي، ويشرع بفرز الناس ويقامر بافتراض خيار أوحد لسوريّا.
غانم
على أيّ حال، يتوقّف المراقبون أمام إعلان النائب روبير غانم في اليومين الماضيين ترشيحه الى رئاسة الجمهوريّة، بعد ساعات من استقبال الرئيس الأسد له. ويقولون إنّ غانم المعروف بعلاقته المتينة بسوريّا، لو لمسَ من الأسد توجّهاً محدّداً لأخذه حكماً في الحسبان حتّى لو لم يحدّثه الرئيس السوريّ بأمر ترشّحه مباشرة.
إذاً، يختُم المراقبون بالقول أنّ تضخيم أبعاد لقاء برّي ـ نصر الله يقع خارج السياق الفعلي الذي انعقد ضمنه اللقاء، وهو تضخيم يسيء الى محاولات تظهير موقف لبنانيّ من الاستحقاق الرئاسيّ... لن يتأخر في الظهور على أيّ حال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.