8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شطرٌ أساسيّ من الاستحقاق الرئاسيّ.. عند البطريرك بعد الاعتراضات على التجديد؟

لا تزالُ المواقف التي أطلقها الرئيس السوريّ بشّار الأسد في الكويت موضع نقاشٍ وأخذ وردّ في الأوساط السياسيّة اللبنانيّة على اختلافها. ذلك أنّه وبصرف النظر عن عددٍ من التفسيرات التي أعطيت لهذه المواقف، خاصّةً التفسير الذي ربط بين قول الأسد في "الرأي العام" انّ الاستحقاق الرئاسيّ اللبنانيّ تقرّره معطيات لبنانيّة وبين قولِه في "القبس" انّ نتائج الانتخابات البلديّة الأخيرة حدّدت الأحجام السياسيّة، ليخلص (التفسير) الى انّ الموقف السوريّ لا يزال ميّالاً الى التجديد لرئيس الجمهورية ومرجّحاً له.. بصرف النظر عن كلّ ذلك، فإن الأوساط السياسيّة تعتبر انّ الرئيس الأسد أعطى "الداخل اللبنانيّ" دوراً أولوياً في إنتاج "صورة" الاستحقاق الرئاسيّ المقبل.
ولأن الأسد أكّد في موازاة تشديده على دور "الداخل اللبنانيّ" في إنتاج محطّة الاستحقاق الرئاسيّ، على أن لا قرار سوريّاً في هذا الموضوع حتى الآن، ولأنّ القوى السياسيّة خلافاً لما قِيل وكتب في هذا المجال تعتبر أنّ من حقّها ومن واجبها أن تدلي بآرائها في موضوع بأهميّة الاستحقاق الرئاسيّ و"خطورته" حتّى لو كان "القرار" بشأن الرئيس اللبناني المقبل يُتّخذ في إطار إقليمي ـ دوليّ معيّن، وذلك لإبراز مدى تلاؤم "القرار" مع ما يريده اللبنانيّون، فإنّ مجموعةً من الملاحظات لا بدّ من تسجيلها في هذا المجال.
الحريري ـ جنبلاط
أوّلاً ـ في إطار الاستجابة ـ ولو غير المباشرة ـ الى ما قاله الرئيس الأسد حول "لبننة" الاستحقاق، صدر موقفان بارزان للرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط. وفي تقدير الأوساط السياسيّة انّ إعلان كل من رئيس مجلس الوزراء ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" نيّتهما الانتقال الى المعارضة "إذا استمرّت الأمور على الوتيرة نفسها" كما قال الحريري الذي تمنّى أن يمنحه الله "نعمة المعارضة"، وبعد الانتهاء من "اسطوانة التمديد والتجديد" كما قال جنبلاط، انّما يعكس (إعلان النيّة هذا) موقفاً اعتراضيّاً على التمديد أو التجديد، لا لَبْسَ فيه.
وترى الأوساطُ انّ تقاطع الأسباب وتفاوتها بالنسبة الى الحريري وجنبلاط لم يمنعاهما من صياغة موقف مشترك "وشبه موحّد"، يقولُ الرجلان عبره بشكل لا ينقصه الوضوح إنّ معارضتهما التمديد أو التجديد لن تدفعهما الى "محاربة" هذا الخيار فيما لو قرّرت سوريّا اعتماده ونجحت في توفير مقتضياته، وهذا ما يعنيه إبداء الرغبة في التحوّل الى المعارضة بعد الاستحقاق، إذا حصل التمديد أو التجديد.
ومع أن الأوساط تدرك ان لإعلان الرئيس الحريري رغبته في الانتقال الى المعارضة أسباباً لا تُختصر بمسألة التمديد بل تتصّل بما حصل لـ"الطائف" في ظلّ ممارسات انقلبت عليه، كما تتصل بسوء الادارة السياسية حيال العديد من الأزمات، ومع أنها تدرك أن لرغبة جنبلاط أسباباً تتجاوز مسألة التمديد في حدّ ذاتها بحيث تغدو هذه المسألة "تفصيلاً" بمعنى من المعاني لكليهما، فإن الأوساط تعرب عن اعتقادها أنّ ما أدلى به الحريري وجنبلاط كلّ من موقعه، هو "أقصى" ما يمكن أن يقوله زعيمان من "الضفّة المسلمة" في البلاد يتعاطيان مع سوريّا بوصفهما حليفين لها. بيد انّ الأوساط تسارع الى القول انّه في ما يتجاوز أمر الاستحقاق الرئاسيّ، ليس بسيطاً أن يُعلن ركنان أساسيّان من "النظام" استعدادهما للانتقال الى المعارضة، ليس فقط لانّهما كانا ـ كلّ لسبب ـ أساسيّين في "الطائف"، بل لانّ في ما قالاه مؤشّراً الى لون من "الاهتزاز" يعانيه النظام وسيعانيه أكثر لو جرى تجاهل "الأزمة" التي يأتي كلام التمديد أو التجديد انعكاساً لها.
ثانياً ـ وفي معرض تناولها ما أعلنه الرئيس الحريري من "البيال" وصوفيا، والنائب جنبلاط من عاليه، تلفتُ أوساطٌ مسيحيّة مقرّبة من بكركي الى انّه سبق للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير أن حدّد موقفاً حاسماً رفضاً لتعديل الدستور ورفضاً للتمديد أو التجديد تالياً. وتعتبر انّ الصياغة المتفاوتة ـ الآن ـ للموقف الاعتراضي بين الحريري وجنبلاط في صيغة المعارضة "بعدَ" الاستحقاق من جهة والبطريرك في صيغة رفض تعديل الدستور "قبل" التمديد أو التجديد من جهة ثانية، لا تعني (الصياغة) تناقضاً في المضمون بل اختلافاً في المواقع، ذلك انّ ما يراعيه الحريري وجنبلاط لا تراعيه بكركي بـ"حذافيره".
وتضيفُ أنه ليس بسيطاً هنا أيضاً أن يكون البطريرك بوصفه الحاضن الرئيسيّ مسيحياً للطائف، مع الحريري وجنبلاط الركنين الرئيسيين في نظام الطائف، في موقع اعتراضي، بكلّ ما يعنيه ذلك من دلالات بالنسبة الى "النظام" في المرحلة التالية.
"لبننة" الاعتراض على التمديد
ثالثاً ـ وهنا بالضبط تتدخّل أوساطٌ محايدة في النقاش. وإذ تعلن موافقتها على انّ تفاوت التعبير بين الحريري وجنبلاط والبطريرك، لا يخفي تقاطعاً على معارضة إدامة المشكلات تلفتُ في المقابل الى انّ هذا التفاوت يمكن أن يشكّل عائقاً أمام "لبننة" الموقف الاعتراضي على التجديد، أو بالأحرى انّ هذا التفاوت يعكسُ إشكاليّة "اللبننة" في المرحلة الحاضرة. ذلك انّه يبدو للوهلة الأولى انّ الانطلاق من هذه المواقف بتفاوت صياغاتها لتشكيل ديناميّة اعتراض على التجديد، أمرٌ بالغ التعقيد.
وفي هذا السياق، تشير الأوساط الى انّه في اللحظة التي يردّ الرئيس الأسد على الضغوط الدوليّة بأنّ قرار الاستحقاق الرئاسيّ في لبنان لبنانيّ وليس قرار الرئيس السوريّ، تبرزُ الإشكاليّة الكبرى المتراكمة مقدّماتها على امتداد عقود، أي إشكاليّة عدم القدرة على "اللبننة" بالمعنى الديناميكي" للكلمة.
...و"لبننة" الاتفاق على الرئيس الجديد
رابعاً ـ غير انّ الإشكاليّة لا تقفُ هنا من وجهة نظر الأوساط نفسها، فتقول انّه على افتراض انه يمكن اعتبار ما أُعلن من مواقف وما يمكن أن يعلن منها اعتراضاً بصيغ مختلفة أو تظهيراً لموقف لبناني، "لبننة" ولو كانت حلقات هذا الموقف غير متواصلة، فإنّ الانتهاء من "اسطوانة التمديد أو التجديد" (استعارةً من جنبلاط) لا يؤدّي بالضرورة الى الاتفاق اللبنانيّ على "البديل" أي على من يكون الرئيس اللبناني المقبل. وتضيف انّ إشكالية "اللبننة" ستعود لتبرز بصورةٍ جليّة جدّاً إذا ما حسم الاتجاه سلباً بالنسبة الى التجديد لأن معايير الرئيس الجديد ليست موحّدة عند كل "الانتي تجديديين".
صفير
خامساً ـ انّ كلام الرئيس السوريّ بشّار الأسد حول تكوين المعطيات اللبنانيّة للاستحقاق الرئاسيّ، يسقطُ إذاً على واقع إشكاليّ لـ"الداخل اللبناني" لا شكّ ان الرئيس الأسد يعرفه أكثر من غيره.
ولأنّ موقف الأسد أيّاً تكن المكوّنات المؤثّرة في تشكّله بين القناعات والظروف، لا بدّ من اعتبارِه إشارةً الى مرحلة أخرى، فإنّ الأوساط المحايدة ترى انّ المطلوب في هذه الحال الإنطلاق نحو كسر الحلقة المفرغة لـ"اللبننة"، وذلك عبر "لبننة" الاعتراض على التجديد و"لبننة" البديل أي الاتفاق على من يمكن أن يكون الرئيس الجديد الذي يرضي اللبنانيين وتقبل به سوريّا ويمكنُ تقديمه بثقة الى المجتمع الدوليّ، أي الرئيس الذي يؤشّر انتخابه الى مرحلة جديدة فلا يكون استنساخاً بطريقة او باخرى للعهد الحالي. وتلاحظُ انّ حلقتي "اللبننة" غير منفصلتين مبدئيّاً ومنطقيّاً.
وترى الأوساط المحايدة انّ الشطر الأهم من مسؤوليّة كسر الحلقة المفرغة التي لا تزال "اللبننة" تدور ضمنها، قد يقعُ على عاتق البطريرك المارونيّ. ذلك انّ البطريرك معنيّ بأخذ الإشارات الاعتراضية التي انطلقت مؤخراً في الاعتبار، لتجديد موقفه من التجديد من ناحية وإعطاء ما ينبغي من مواصفات للعهد المقبل من ناحية أخرى. وتختمُ بانّه عندما يحضر "التلبنن"، يحضرُ البطريرك مبدئيـّاً خاصةً عندما يتعلّق الأمر بالرئيس المارونيّ للجمهوريّة الذي يستطيع أن يشكّل ضمانة للبلد، وذلك ليس على قاعدة حصر البطريرك بـ"مارونيّته" بل على أساس ما يجسّده من مرجعيّة لبنانيّة تحظى باحترام لبنانيّ وسوريّ ودوليّ. فهل يشكّل ذلك بداية "المخرج" خاصة إذا ما كان معلوماً ان الكرسيّ البطريركي على عهد البطريرك صفير كما على عهد الكثيرين من أسلافه لم "يتعفّف" عن الدخول في "التفاصيل" ومن بينها التأشير الى أسماء رئاسية معيّنة؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00