8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأداء المتوتر لفريق الحكم يعاكسُ الإيحاء بالارتياح والقوّة

لم يُغادر الرئيس نبيه برّي قناعته بأنّ ما جرى في الضاحية الجنوبيّة لبيروت يوم الخميس في 27 أيّار الماضي، انّما كان "6 أيّار" آخر نظّمه وقام به من يسمّيهم "تلامذة جوني عبده النجباء"، مشيراً بذلك الى مسؤول عن جهاز أمني لبناني بعينه، ويضيف أنّ هذا المسؤول الأمني تولّى خاصّة بعد فشل ما جرى، الترويج للكلام عن مسؤوليّة "حركة أمل" في أعمال الشغب التي حصلت.
ويؤكّد الرئيس برّي أنّ هذا المسؤول بالذات يقفُ وراء الحملة التي تستهدفه منذ شهور عدّة والتي يرجّح رئيس المجلس انها ستستمر، والتي استخدم المسؤول الأمني في إطارها كلّ الأسلحة بما في ذلك "الشائعات" التي انكشف عدم صحّتها أمام الجميع، ويتوقّع ان تنكشف أمام الجميع أيضاً "الشائعات الجديدة" في ظلّ تأكيد أعلى المراجع القضائية الاستمرار في التحقيقات لجلاء حقيقة ما جرى في ذلك اليوم الدامي.
بيد أنّ برّي الذي يحمّل المسؤول الأمني اللبناني مسؤولية "6 أيّار" الأخير الفاشل لا يفعلُ ذلك بالاستناد الى معطيات يملكها فقط، بل هوَ ينتقلُ من هذا "القرار الاتهامي" الى السياسة ليلفت الى ان "6 أيار" الأخير "صُنع في لبنان". وإذ يشيرُ بشكل أو بآخر الى أنّ عاملاً رئيسياً من عوامل فشل "6 أيّار" هذا، مصادفتهُ مع وجود الرئيس رفيق الحريري في دمشق ذلك اليوم للقاء الرئيس السوريّ بشار الأسد، يدعُم قناعته بالطبيعة "المحلية" للحدث، برواية فحوى اتصال جرى بينه وبين المسؤول الأمنيّ السوريّ في لبنان العميد الركن رستم غزالي بعد ظهر "الخميس الأسود".
ففي هذا الاتصال الذي بادر اليه المسؤول السوري لدعوة برّي الى المشاركة في إطفاء الحريق الأمني ـ السياسي المشتعل انطلاقاً من الضاحية، قال له رئيس "أمل" إن ما يجري بمثابة "6 أيار" لإسقاط الحكومة كنقطة انطلاق. وفيما ردّ المسؤول السوري بما مفاده ان إسقاط الحكومة "غير مأذون" من سوريّا، تابع برّي انّ "6 أيّار" يستهدف من وجهة نظره أمرين معاً، أحدهما إسقاط الحكومة والثاني إحراج سوريّا.
اذاً، من الواضح من خلال ما يقوله برّي أنّه يضعُ مسؤوليّة ما جرى في خانة المسؤول الأمنيّ اللبناني، وأنّه يعتبر انّ وجهاً رئيسيّاً مما جرى يحرج دمشق. ويعزّز رئيس مجلس النواب استنتاجه بالاشارة الى نقطة مهمّة في سياق الأحداث. وفي هذا المضمار يلفتُ الى أنّه وقبيل مغادرته بيروت مساء ذلك الخميس باتجاه الجنوب، قامَ شخصياً بجولة في الضاحية واطمأنّ الى أنّ الأمور تسلكُ بشكل جدّي باتجاه الهدوء، بعدَ أن تولىّ مسؤولون من الحركة و"حزب الله" معاونة الجيش اللبنانيّ والأمن السوريّ في استعادة التهدئة. لكنّه يلاحظ أن الأحداث تجددت في اليوم التالي، أي غداة استتباب الهدوء، وأن ثمة من أعاد توزيع الاطارات والحجارة ليل الخميس ـ الجمعة.
وفي وقتٍ لا يبدو الرئيس بري مستبعداً استمرار الفريق المسؤول عن أحداث الضاحية في هدفه اسقاط الحكومة، مع ملاحظته المتكررة أنّ ذهاب الحكومة سيكون مؤكداً بطريقة بسيطة وسهلة لو كان ثمة نصح سوري بذلك، وفيما لا يخفي مع ذلك استعداده من أجل حصول تهدئة سياسية يُبدي عديدون في الأوساط السياسية اللبنانية تقاطعهم مع بري بشكل أو بآخر، ويسجلون في هذا الاطار عدداً من الملاحظات.
التسريبات و"السواب"
أولاً ـ لم يتوقف فريق الحكم بعد الأحداث الأخيرة في الضاحية الجنوبية عن هدف إطاحة الحكومة، وتكثر التسريبات عن حكومة جديدة لا بد أن تبصر النور خلال حزيران الجاري، وتوزع معلوماتٌ عن ضرورة قيام هذه الحكومة باعتبارها من التمهيدات الضرورية للاستحقاق الرئاسي المقبل قريباً لا بل يُطرح قيام هذه الحكومة بوصفه ممرّاً الى وضع ما يسمّى "البرنامج الإنقاذي" للعهد المتجدّد.
ثانياً ـ كان لافتاً للانتباه انتقال فريق الحكم إلى الهجوم في الميدان المالي ـ الاقتصادي تحت عنوان "السواب". واذا كان ما قيل من قبل عديدين متابعين للملف المالي، كافياً لجهة تبيان الأضرار التي يمكن أن تنجم عن اعتماد "السواب" على صعيد عجز الموازنة، وتنامي الدين العام، فإن الأوساط السياسية ترى في الهجوم بعنوان "السواب"، محاولة إضافية من فريق الحكم لتمهيد الطريق أمام الاستحقاق الرئاسي تجديداً، وذلك عبر استبعاد استحقاقات في السنة الاولى لـ " العهد المتجدد" ولو ادى هذا الاستبعاد إلى كارثة، وحتى لو اقتضى الأمر أن يهدد نائب رئيس الحكومة عصام فارس باحتمال مواجهة الافلاس لو لم يجر السير بـ "السواب".
ثالثاً ـ وكان لافتاً للانتباه أيضاً ان مواصلة فريق الحكم الهجوم على الحكومة سواء بالترويج لرحيلها أو بالتسويق لـ "السواب"، أتت في صيغة انقلاب على الحوار الذي يديره الرئيس رفيق الحريري مع "شركاء الانتاج"، وهو حوار قرره مجلس الوزراء نفسه. ذلك أن الحوار كان مرشحاً لأن يكشف المشكلات الرئيسية سياسياً ومالياً واقتصادياً التي يعاني منها الوضع والتي تضغط على المسألة الاجتماعية.
رابعاً ـ وكان لافتاً ولا يزال استمرار الحركة النقابية العمالية في اللهجة نفسها بالرغم من الأحداث الدامية الأخيرة، وتهديدها المتواصل بتحركات جديدة ضربت لها مواعيد محددة.
التوتر
وفي ضوء هذه الملاحظات كافة، تؤكد الأوساط السياسية ان اداء فريق الحكم الهجومي في الشكل، انما ينم عن توتر واستعجال في المضمون. ذلك أنه خلافاً لما يروجه فريق الحكم من أن مصير الاستحقاق الرئاسي بات محسوماً لمصلحة التجديد، فان الاداء المتوتر يفيد أن هذا الفريق ليس مرتاحاً لأنه لو كان واثقاً من أن مصير الاستحقاق محسوم بالفعل لما تصرف على النحو الراهن، ولما سعى بسرعة إلى محاولة تظهير نتائج الانتخابات البلدية لمصلحته بهدف الانقضاض بها تحقيقاً لحسم مصير الاستحقاق. وبهذا المعنى، تعرب الأوساطُ عن اعتقادها أن ما يلفت إليه الرئيس بري لجهة أن وجهاً رئيسياً لأحداث الضاحية هو إحراج دمشق، صحيح، في وقت لا يخفى أن سوريا لا تزال متريّثة في هذا الموضوع الذي تقرر موقفها منه في لحظة مناسبة لم تحن بعد.
"حزب الله" وجنبلاط
في هذه الأثناء، تؤكّد الأوساط أنّ أداء فريق الحكم بات مكشوفاً أمام جميع القوى الرئيسيّة الحيّة. واذا كانَ ليس جديداً انكشافُه أمام فرقاء لا تدفعهم قناعاتهم الى تأييد رغبة فريق الحكم في حسم الاستحقاق الرئاسيّ بالاتجاه الذي يريد، فانّ انكشافه أمام "حزب الله" ورئيس "الحزب التقدمّي الاشتراكي" وليد جنبلاط.. بعدَ البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير، ذو مغزى كبير.
واذا كان "حزب الله" على لسان أمينه العام السيّد حسن نصر الله حتّى قبل لقائه والرئيس الحريري، أعلن بوضوح أنّه ليس طرفاً في الصراع على السلطة ولا في عمليّة اسقاط حكومة أو وزير، فإنّ ما أكده جنبلاط أمس بالغ الدلالة عندما قال ان "العهد كله يتحمّل مسؤولية المأزق الاقتصادي وليس الحريري وحده الذي يتحمّل مسؤوليّة جزء منه"، داعياً الى "الخلاص من أسطوانة التمديد والتجديد"، ومشدّداً على "اننا سنخرج من الحكم وسنرى ماذا سيفعل الآخرون".
وبطبيعة الحال، فانّ الأوساط لا ترغبُ في تحميل مواقف "حزب الله" وجنبلاط ما لا تحتمل، لكنّها تلفتُ ختاماً الى الكمّ الهائل من الاستياء الذي يتركه اداء فريق الحكم في لحظة شديدة الخطورة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00