توقّفت الأوساط السياسيّة على اختلافها خلال الأيّام القليلة الماضية عند أمر رئيسيّ من مخلّفات الأحداث الدامية التي شهدتها الضاحية الجنوبيّة من بيروت، يتعلّق بما تعلنُه أحزاب سياسيّة مشاركة في الحكومة عن حقّها بالمشاركة في تظاهرات واعتصامات وقطع طرقات ضدّ الحكومة.
بالنسبة الى الموضوع الأوّل، أي إعلان أحزاب سياسيّة حقّها في المشاركة داخل الحكومة وفي العصيان من خارجها في آن، تلاحظ الأوساط أنّ ثلاث "نظريّات" على الأقلّ تمّت صياغتها لـ"تفسير" هذه "الازدواجيّة".
فقد أعلن الرئيس نبيه برّي أنّ تفسير الازدواجيّة "بسيط" وهو أنّه عندما لا تنفّذ القوانين الصادرة عن مجلس النواب والقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء، فمن حقّ الأحزاب ("حركة أمل" في هذه الحال) أن تعود الى قواعدها الشعبيّة في الشارع، مضيفاً أنّ "هذا ما فعلته الحركة وما ستفعله". أمّا وزير العمل أسعد حردان المشارك في الحكومة ممثّلاً عن "الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعي"، ففسّر الأمر في حديث صحافي متوتّر على أساس أنّ "الحكومة حكومة وفاق وطنيّ ولأنّها كذلك أي لكونها ليست تمثّل في برنامجها سوى "الحد الأدنى" من النقاط التي يمكن لـ"الوفاق الوطنيّ" أن يتوصّل إليها فمن حقّ الأحزاب أن تعترض على ما يشملُه "الوفاق". وفي غضون ذلك قدّم وزير الثقافة غازي العريضي المشارك في الحكومة ممثلاً عن "الحزب التقدّمي الاشتراكي" مطالعةً ـ في مجلس الوزراء ـ ترى أنّ انعدام النقاش في المؤسّسة وعدم الأخذ بالملاحظات هما أقصر الطرق الى انتقال الأمور الى الشارع، مضيفاً أنّه عندما تتغاضى المؤسّسة (مجلس الوزراء) عن الارتكابات على أنواعها فمن المفهوم أن يتحرّك الشارع ضدّ سلطة تعتريها "الهنات الهيّنات".
"الوفاق الوطني"
في سياق مناقشة هذه "النظريّات"، تسجّل الأوساط، ومن ضمنها كثيرون متابعون للمسار اللبناني منذ الطائف، عدداً من الملاحظات الرئيسيّة أوّليّاً.
أوّلاً ـ أنّ يكون تشكيل الحكومة في لبنان بعدَ الطائف منحكماً الى مقتضيات "الوفاق الوطنيّ"، لا يعني أن الوفاق الوطنيّ لا يكون متحقّقاً إلاّ بتمثيل هذا الحزب أو ذاك في الحكومة، لأنّ الوفاق الوطني هوَ التوازن الطائفي ـ الوطنيّ بتعبير آخر، وكي يتحقّق هذا التوازن من الطبيعي أن يكون التمثيل في مجلس الوزراء للقوى والشخصيّات التي أظهرتها انتخابات نيابيّة ديموقراطيّة ونزيهة أكثر تمثيلاً من سواها في الطوائف كافّة.
ثانياً ـ أنّ "الوفاق الوطني" لا يعيّن أحداً أو حزباً على أنّه الضامن للوفاق الوطنيّ، أي لا يعني أنّ غياب هذا الحزب أو ذاك عن الحكومة يشكّل خللاً في الوفاق.. الا بمقدار علاقة هذا الحزب أو تلك الجهة بـ"التوازن" الوطني ـ الطائفي الذي اذا ما غاب حزب معين عن الحكومة، يتأثر تأثراً مباشراً. وعليه فان "التلطي" خلفُ نظريّة انّ الحكومة هي حكومة وفاق وطنّي لا يفسّر على سبيل المثال كيف ان الوفاق الوطني اذا انسَحب ممثّل "الحزب السوريّ القومي الاجتماعي" من الحكومة احتجاجاً على سياساتها، يتأثّر بالمباشر.
ثالثاً: ان تعطّل آليّات المحاسبة في "نظام الطائف" باسم مقتضيات الوفاق الوطنّي، اذا ما أضيف الى التنظير السالف ذكره، يكشف عن عمق الأزمة التي بلغها "نظام الطائف" على يد بعض من "ركبّوا" ضمنه، ومن عناوين هذه الأزمة نقطتان جوهريتّان: السياق غير الطبيعّي لانتاج السلطة من جهة وتعطيل مؤسسّة مجلس الوزراء بوصفها مؤسسّة المشاركة وسلطة اتخاذ القرار، وما يدل على نحوّ محددّ على ذلك هو ان ثمّة من يستطيع اليوم الاستهتار بمجلس الوزراء وبالصلاحيات الدستوريّة من دون أن يفهم أنّه يضع البلاد بذلك على "كفّ عفريت".
تفسير العريضي
رابعاً: في ضو هذه المقدّمات الهادفة الى القول انّ احداً، حزباً أو فريقاً أو شخصاً، لا يستطيع أن يمنـّن اللبنانيين بأنّه "محشور" بسبب ضرورة الوفاق، أو أن يمنـّنهم بأنّه موجود في الحكومة لهذا السبب وما باليد حيلة، تعربُ الأوساط عن اعتقادها أنّ "التفسير" المنطقّي لمشاركة احزاب منتمية الى الحكومة في التظاهر، هو ما أدلى به الوزير العريضي الذي وضع يده على جانب مهمّ من الأزمة أي تعطّل سلطة القرار ممثّلة بمجلس الوزراء، وعدم استعداد أيّ فريق لأن يتحمّل نتائج أخطاء فرقاء آخرين لأنّ هذا الفريق يضرب عرض الحائط بمجلس الوزراء وقراراته وما يقدم خلال اجتماعاته من ملاحظات. ويضافُ كلام العريضي الى ما يكرّره رئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط من أنّ الحزب راغبٌ في الانسحاب في الحكومة وفي الخروج من ثنائية الوجود في الحكومة وفي المعارضة، لكنّه يمتنع عن ذلك كي لا يطعن بسوريّا.
أما التنظيرات الأخرى فلا تقدّم جواباً مقنعاً، لأنّ هذه التنظيرات لا تضع "الأصبع" على "الجرح"، ويتغاضى أصحابُها عن تحديد الجهة التي تعطل تنفيذ القوانين والقرارات، والأسباب. وتضيف الأوساط أنّ الأمر كان ليكون بسيطاً لولا أنّ هذه الأطراف بدلاً من أن تذهب الى المشكلة مباشرة، تفجر هذه المشكلة في وجه آخرين. والأخطر بكل المقاييس هو ان هذه الأحزاب والجهات، وعلى افتراض انّها اقنعت الناس بأن "الازدواجيّة" اضطراريّة، فانها لا تستطيع أن تقنع أحداً بأنّ احزاباً في الحكومة يمكنها الانخراط في عمليّة إسقاط الحكومة من خارج الأصول الدستوريّة المعروفة لذلك، وصولاً الى حدّ قطع الطرق أمام رئيس مجلس الوزراء يوم "الاحتجاج".
امتيازات.. وتشريع تحزّب الأجهزة
خامساً: وإذ تلاحظ الأوساط انّ عدداً من الأحزاب يمنحُ نفسه "خلافاً للطبيعة" "امتياز" المشاركة في السلطة وغنمها والمشاركة في الاعتراض بركوب موجة الشعب المأزوم، فيأخذ من "غنائم" السلطة لكنّه يزايد في الشارع، تسجّل الأوساط أنّ "الإزدواجية" تصبح أشدّ خطورة عندما يكون ممثّل هذا الحزب أو ذاك موافقاً داخل الحكومة ومعارضاً خارجها. ذلك انّ محاولة الاحزاب تصحيح علاقتها بالناس لا يمكن أن تتمّ عبر ضرب الأصول الدستورية، وللتصحيح طريق آخر.
سادساً: ويبقى أكبرُ المخاطر متمثّلاً في حقيقة انّ هذه الممارسة الحزبيّة "تشرّع" تحوّل الأجهزة الى حزب سياسي أو تيارات سياسيّة، تمتلك الحق نفسه الذي يمتلكه حزب في السلطة.
الحركة النقابيّة.. سقطت
سابعاً: وتلفتُ الأوساط نفسها الى انّ ما يفضحُ ممارسة بعض من أحزاب الحكومة و"ازدواجيتها"، هو واقع الحركة النقابيّة والعماليّة، حيثُ تحوّلت هذه الحركة منذ فترة طويلة وعلى يد أحزاب في الحكومة، وتحديداً الحزب الحاكم في وزارة العمل، الى مرآة مباشرة لهذا الحزب أو ذاك، ولم تعد هذه الحركة تمتلكُ أيّ هامش من "الاستقلاليّة" لا حيال أحزابها ولا حيال بعض السلطة ولا حيال الأجهزة، وأكثر من ذلك باتت الحركة النقابيّة تطرح نفسها سلطة سياسيّة موازية وليس إطاراً نقابيّاً ـ مطلبيّاً. ولا جدال في أنّ حركة نقابيّة "مستقلّة" كانت لتشكّل عامل توازن في المسألة الاجتماعيّة لولم تغدوَ غير ممثّلة بالمطلق لفريق الإنتاج الرئيسيّ أي العمّال.
"الحقيقة المُرّة"
ثامناً ـ أمّا الحقيقة "المرّة" التي لا بدّ لبعض الأحزاب أن يعيها، فهي أن لا علاقة لهذا البعض من الأحزاب بالمعارضة من موقع الناس وآلامهم، ولا تخفي التنظيرات هذه الحقيقة، لأنّ هذا البعض من الأحزاب حوّل مواقعه في السلطة دويلات ضمن الدولة وانقضّ على المجتمع الأهلي ومؤسّساته في آن. ولا مبالغةَ في القول أنّ "الحزب التقدّمي" الذي يعرف الثمن الذي دفعه من مشاركته في الحكومات المتعاقبة في ظلّ المعطيات السياسيّة المعروفة، يبقى أكثر الأحزاب المشاركة في الحكومة على صلة بهموم الناس، وأكثرها معرفةً بضرورات التصحيح من منطلق إعادة بناء علاقاته بالناس وإعادة بناء كوادره على هذا الأساس، لأنّه ليس حديث النعمة في عالم المشاركة في الحكومات وأفضل من يستطيع الموازنة بين مستوى الضغط المطلوب من الشارع ومستوى خبرة الخطاب السياسيّ، تحقيقاً لـ"تسويات اجتماعيّة" ممكنة ضمن الظروف السياسيّة والماليّة والاقتصاديّة.
وتختمُ الأوساط المتابعة بالتشديد على أنّ أحزاب "الازدواجيّة"، في ضوء ما جرى تقديمه، انّما تمثّل المظهر الأبرز للأزمة التي تجتازها البلاد، لا بل هي العامل الأهمّ من عواملها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.