في عجقة المواقف والتحليلات حول الأحداث الدامية الخطيرة التي شهدتها الضاحية الجنوبيّة من بيروت الأسبوع الفائت، كان موقف مميّز للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير ضمّنه عظته يوم الأحد الماضي. ففي هذه العِظة، وإذ اعتبر البطريرك انّ "البؤس والشقاء والجوع يشكّلون خير تربة لنمو بذور الثورة والخروج على الأنظمة والقوانين"، لاحظ انّ "التحرّك المطلبيّ الاحتجاجي تداخلت فيه أمور معيشيّة وأمنيّة وسياسيّة"، وانّ "أيادي خفيّة حركته من الداخل والخارج لأغراض بعيدة عن مطالب العمال"، وانتقد إطلاق الرصاص على المتظاهرين "بدل توجيه خراطيم المياه اليهم".
إذاً، وحيال أحداث جرت في منطقة "غير مسيحيّة" وتتميّز بـ"حساسيّتها" وفق كلّ المقاييس السياسيّة المحليّة والإقليميّة والدوليّة، اتخذ البطريرك موقفاً أكثر من "متوازن"، بل لعلّه متضامن، وصل الى توجيه نقد "غير مألوف" الى المؤسّسة العسكريّة على إطلاق النار على المتظاهرين، "غير مألوف" بمقياس "تاريخيّ" حيث كانت البطريركيّة تتجنّب دائماً الغمز من هذه المؤسّسة، وإن كان البطريرك "توازن" في تخصيص الضحايا من العسكريين بدعواته بالرحمة والشفاء للأموات والجرحى من بينهم.
وإذ تسجّل الأوساط السياسيّة المتابعة أهميّة موقف صفير الذي ما فتئ يكرّر التزامه عنوان العيش المشترك والتضامن الاجتماعي، ويخرج المسيحيين من دائرة إمكان أن يكونوا وقوداً في صراعات ليسوا طرفاً فيها، تلاحظ مع ذلك انّ كلام البطريرك جاء صدى لما أعلنه الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله في مؤتمره الصحافيّ السبت الماضي، وذلك في نقطتين رئيسيّتين: الأولى تساؤلهما عن سبب عدم استخدام خراطيم المياه بدلاً من الرصاص الحيّ، والثانية تساؤلهما "الضمنيّ" عمّن وجّه الجيش الى زواريب حيّ السلّم وعمّن أعطى الأمر بإطلاق النار "على الصايب" وعمّن زجّ الجيش في كلّ ذلك.
المعارضة لا تلجأ إلى شعاراتها
ولأنّ البطريرك قلق ممّا جرى ويجري، كما قال عضو "لقاء قرنة شهوان" النائب فارس سعيد بعد اللقاء الذي جمعه وعضو "اللقاء" سمير فرنجيّة بسيّد بكركي أوّل من أمس، أعلن سعيد انّ "ضحايا الضاحية الجنوبيّة هم ضحايا كلّ لبنان"، كاشفاً عن اتصالات ستتمّ مع القيادات الإسلاميّة بهدف قراءة مشتركة لما يجري واستكشاف آفاق المرحلة الراهنة ـ المقبلة.
ومن وجهة نظر الأوساط، فإن سقف خطاب صفير لم يدفع التيّار المقرّب منه في المعارضة المسيحيّة الى التضامن مع الضاحية على النحو الذي عبّر عنه نائب جبيل فقط، لكنّه أقفل الباب، حتّى الآن على الأقل، على انطلاق هذه المعارضة في شعارات من النوع الذي رُفع في مراحل مختلفة سواء عبر التلويح بوجود "دولة حزب الله" في الضاحية أو عبر المطالبة بانتشار الجيش على جميع الأراضي اللبنانية وصولاً الى المنطقة المحرّرة حتّى الحدود في الجنوب. وهذا إن دلّ على شيء، فإنّه يدلّ على شكوك بـ"سلطة القرار السياسي" من ناحية وعلى اشتباه بمخطط يعطي إشارة ما الى الخارج الدولي باستعداد "سلطة القرار السياسي" هذه للمقايضة على "رأس حزب الله"، كما تقول الأوساط.
لا السفارة.. ولا قوى حزبية
وهنا توضح أوساط في المعارضة المسيحية انّ "القلق" الذي تشترك فيه مع البطريرك، مؤسس على اعتبارات عدّة. فاذا كان صحيحاً كما تقول انّه من غير المستبعد "نظرّياً" وعلى الورق أن يكون ثمّة ضلوع أميركي في أحداث الضاحية، فالصحيح أيضاً أنّ تبنّي هذه الفرضيّة "النظريّة" يفترض أن يقود الى استنتاجات غير بسيطة. فكي تكون أميركا قادرة على اختراق الضاحية بالشكل الذي تمّ الخميس الماضي، لا بدّ لها أن تتمتع بنفوذ ضمن السلطة وعلى "القرار العسكريّ" وعلى الأرض، وهذا ما تراه أوساط المعارضةالمسيحية خياليّاً بما في ذلك وضع قوى محلية مثل "حركة أمل" في دائرة الاتهام بالتواطؤ على الضاحية و"حزب الله".. لأنّه لو كان لأميركا هذا "النفوذ" أو هذا "الاختراق" لكانت "المصيبة أعظم" بمعنى أنّ ذلك سيكون مؤشراً عندئذٍ الى ضعف "حزب الله" وأجهزة الدولة وسوريا، وهذا ما ليس "دقيقاً" من وجهة نظر الأوساط نفسها.
السيناريو الأوّل: مخطط مخرج عن السيطرة
من هنا، تحصر أوساط المعارضة المسيحية ما جرى في الضاحية الجنوبيّة في إطار واحد من سيناريوهين:
أولاً: ـ أن يكون ما جرى من ضمن مخطّط وضعه فريق الحكم في السلطة لإسقاط الحكومة ورئيسها رفيق الحريري، استكمالاً لـ"عُدّة" التجديد، وذلك عبر استغلال الأزمة الاجتماعيّة وموقف "حزب الله" منها واعتراضاته على السياسات الحكوميّة، في منطقة "تتميّز" بحدّة الأزمة فيها. لكنّ الأمور خرجت عن السيطرة بمعنى أن ناس هذه المنطقة يملكون بفعل أوضاعهم جاهزية "العصيان" على دولة أو سلطة يكرهونها، وعندما تمّ "اكتشاف" ان الوضع سيفلت فلتاناً كبيراً، أعطيت لمخططّي هذا السيناريو "إشارة مشددّة" بوقفه.. فكان ما كان.
وما يدعم هذا الاحتمال، معلومات سربّها فريق الحكم وروّج لها عن تغيير حكومي وشيك مؤسسّ على نتائج الانتخابات البلديّة، وبالتحديد "معلومة" تفيد أنّ التغيير الحكومي حاصل في فترة أقصاها الخامس عشر من حزيران الجاري. و"المؤسف" في هذا المجال انّ "التسريب" و"التشييع" (الإشاعات) مستمرّان بعد الأحداث الدامية في الضاحية حول الموضوع نفسه أي قيام حكومة يجري ضمنها تعزيز التمثيل المسيحي إرضاءً للبطريرك على أساس مقايضة ذلك بالتجديد، وتأخذ هذه الحكومة صلاحيّات استثنائيّة، مع إضافة جديدة الى هذه المعلومة ـ الشائعة هي أنّ أصحابها يحددّون 15 تموز المقبل موعداً لـ"حسم" التجديد.
السيناريو الثاني: رسالة الى أميركا
ثانياً ـ أن يكون ما جرى من ضمن مخطط أخطر لا يتناقض مع الأوّل لجهة استغلاله بهدف التجديد. وهنا تقولُ الأوساط انّ الضاحية بواسطة "حزب الله" وجّهت قبل "الخميس الأسود" رسالتين سياسيتين الى الخارج الأميركي بالتحديد. الرسالةُ الأولى على رافعة الانتصارات البلديّة المتحققة وتقول ان "حزب الله" يتمتّع بشرعيّة شعبية واسعة لا تستوي والاتّهام الأميركي له بما يسمّى "الإرهاب". أما الرسالةُ الثانية فعلى رافعة "مسيرة الأكفان"، وتقولُ انّ "حزب الله" يمكن أن يكون على علاقة بالمسألة العراقيّة فضلاً عن علاقته بالمقاومة في المزارع وبالمسألة الفلسطينية.
وتعتبرُ الأوساطُ نفسها في هذا المجال انّ الرسالتين قد تكونان متناقضتين. ومع أنّ هذا التقدير لتناقضهما ليس صحيحاً من وجهة نظر آخرين يعتبرون انّ الرسالتين تتكاملان وتقولان شيئاً واحداً هو انّ "حزب الله" المقاوم ذو شرعية شعبية واسعة، مع ذلك ترى الأوساط انّ أميركا "لم تشترِ" أياً من الرسالتين. وهنا "خَطرَ" في بال "بعضهم" بقرار "كبير"، وعلى خلفيّة انّ هذا "البعض" يستغل نسبة من "الحرية" متروكة له لتسويق نفسه مع أميركا، أن يوجّه رسالة أخرى ضدّ حساب "حزب الله"، رسالة تعطي إشارة استعداد للتعاطي مع الحزب بشكل مختلف. وتلفتُ الأوساطُ من المعارضة المسيحيّة الى انّ ما يسندُ هذا الاحتمال هو وجود الحزب والمؤسّسة العسكريّة وجهاً لوجه للمرّة الأولى منذ نحو أحد عشر عاماً.
وإذ تشيرُ الى انّ السيناريوهين أيّاً تكن نسبة احتمال كلّ منهما، يتزامنان ليس بالمصادفة مع تشديد الولايات المتحدة الحصار على سوريّا وتصاعد نبرة المطالب الأميركيّة من سوريّا ولبنان، تعلن الأوساطُ نفسها تقاطعها مع ما قاله رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكيّ" النائب وليد جنبلاط لـ"المستقبل" في عددها الصادر أوّل من أمس، من انّه يقرأ في جانب من أحداث الضاحية الجنوبيّة "تسديد فواتير لأميركا"، لكنّها تسأل من يمكنه تسديد فواتير إن لم يكن متمكّناً مِن القدرة على زجّ المؤسّسة العسكريّة ووضعها في مواجهة "حزب الله"؟
اعتراض على السيناريوهين
وتضيف أوساطُ المعارضة المسيحيّة انّه بصرف النظر عن السيناريوهين واحتمالاتهما، فهي في موقع الاعتراض عليهما وعلى كلّ ما يدخل البلاد في دائرة التوتّر. فهي ليست مع إدارة الصراع على السلطة بالرقص على شفير الهاوية، وليست مؤيّدة لفرض وقائع تجديديّة، والأهمّ انها ليست مع التعاطي على هذا النحو الخطير مع مستقبل دور "حزب الله" في البلاد. وهي تأمل أن يقرأ الحزب رسالتها هذه، ولا تُخفي انّ قلق البطريرك نابعٌ من قراءته للمخاطر، وهو يرفض أن يتمّ أيّ شيء في البلاد خارج روح الوفاق الوطنيّ. وإذ تختمُ بتأكيد انّ "حزب الله" مستهدف أيّاً كان السيناريو وأيّاً كانت بدائله، تشدّد على أن الأسابيع المقبلة تستدعي تواصلاً بين كلّ المواقع التي تقع في دائرة الاستهداف "السلطويّ"، تماماً لأنّ مخطّطات فريق السلطة تدعو الى التوجّس. ولا تتردّد أخيراً في الإعراب عن الظنّ انّه من شبه المستحيل أن يتوصّل التحقيق الى نتائج حاسمة، ليست فقط لانّ العديد من الأحداث السياسيّة ـ الأمنية المفصليّة في تاريخ لبنان الحديث، والتي نقلته من مرحلة الى أخرى، بقيت التحقيقات بشأنها خارج الضوء، بل لانّ ما جرى في الضاحية تشتبك في إطاره "تعقيدات" شتّى، المهمّ أن تُقرأ في "السياسة" وليس في منظار "اللوجستيّات" الأمنية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.