8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نصرالله يضع أحداث الضاحية في الإطار الإقليمي ويتّهم جهات في السلطة بالتنسيق مع أميركا

طغى ما أدلى به الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله خلال مؤتمره الصحافيّ أول من أمس، على الحياة السياسيّة في الساعات الماضية، ذلك أنه بالمعطيات التي عرضها نقل النقاش من سيناريو إلى آخر، من سياق محليّ عنوانه التجاذبات حول المواقع والأحجام في مرحلة دخول البلاد في صميم الاستحقاق الرئاسي، إلى سياق اقليمي عنوانه استهداف "حزب الله" أميركيّاً انطلاقاً في عرينه في الضاحية الجنوبية .
وفي هذا الإطار، حاولت أوساط سياسية عدة قراءة عدد من الدلالات والأبعاد التي حملها مضمون كلام السيد نصرالله، وسجّلت مجموعة من الاستنتاجات على النحو الآتي:
أولاً ـ في مؤتمره الصحافيّ، كان نصرالله واضحاً بما فيه الكفاية لجهة اعلان أن "حزب الله" ليس شريكاً في ما جرى في الضاحية الخميس الماضي، وانه لا يتحمل مسؤوليّة عما جرى وإن كان مسرحُ الحوادث الدامية منطقةً تدين بالولاء السياسيّ الإجمالي للحزب، وأن الحزب ليس في موقع المتهم بما حصل بل هو في موقع من يتّهِم.
ثانياً ـ وكان واضحاً من كلامه أيضاً أن "حزب الله" مستهدفٌ بما جرى لا بل أكثر من ذلك هو "المستهدف".والأسئلة العديدة التي طرحها نصرالله هي الأسئلة عن استهدافه، والتي طاولت السلطة والاتحاد العمالي العام وطبيعة التمثيل السياسي داخله وصولاً إلى السفارة الأميركية في بيروت بواسطة اشخاص من منطقة الضاحية على علاقة بالسفارة.
ثالثاً ـ و"حزب الله" الذي يعلن على لسان أمينه العام ليس فقط انه ليس شريكاً في ما جرى ولا مغطّياً له، بل انه المستهدَف الأوّل... والوحيد المباشر، انما يُعلن انزعاجه العميق من "الصورة" التي بدت عليها الضاحية خلال "الخميس الأسود"، أي صورة المنطقة المنتقلة من احتضان المقاومة إلى العصيان على القانون والدولة، وهي المنطقة التي يتولّى "حزب الله" الشطر الأهمّ من تمثيلها السياسي.
إسقاط نظريّة المؤامرة على الحكومة
رابعاً ـ وعبرَ هذا التقديم، فان السيّد نصرالله يُسقط سياسيّاً وعمليّاً "نظرية" أن ما جرى في الضاحية جزء من سيناريو لإسقاط الحكومة ورئيسها في الشارع، وبواسطة تحرّك مطلبيّ يتمّ ادراجه في سياق التجاذبات السياسيّة المحليّة من حول الاستحقاق الرئاسي، ويؤكد بوضوح أن الحزب ليس جزءاً من سيناريو له هذا الاستهداف وأنّ اعتراضه على السياسة الاقتصادية ومفاعيلها الاجتماعية غير موظّف في اتجاه إسقاط الحكومة... بالدواليب المحترقة وأعمال الشغب.
خامساً ـ وترى الأوساط السياسيّة أن ما طرحه نصرالله، ينبغي أن تتمّ قراءته على خلفيّة كل ما تقدّم، أي على خلفيّة ان "حزب الله" يرى نفسه أكثر المتضررين مما جرى، وانه ينأى بنفسه عن الانخراط في الصراع السياسي الداخلي على النحو الذي يجعله ضحية هذا الصراع. ولعلّ هذا جزءًا مما جرى المرور عليه خلال اللقاء الذي جمع مساء أوّل من أمس رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري والسيّد نصرالله، والذي كان جرى التمهيد له بلقاء الرئيس الحريري مع المعاون السياسي للأمين العام الحاج حسين الخليل، حيث وضع الحزب معطياته على طاولة البحث.
أكبر من اختراق أمني...
تنسيق مع أميركا
هذا اذاً في الجانب المتصل بـ"المعنى السياسيّ" المباشر لما قصد اليه نصرالله في مؤتمره الصحافي. بيد ان ما طرحه تشديداً على هذا المعنى، يفتح النقاش ولا يقفله من وجهة نظر العديد من الأوساط.
1 ـ إن تساؤل الأمين العام لـ "حزب الله" عمّن في الاتحاد العمّالي وخارجه نقل الحركة الاحتجاجية بواسطة الاطارات المحترقة والانتفاض العصيانيّ، إِلى الضاحية، اذا ما عُطِفَ على المعلومات التي أدلى بها وتقول إن الحرائق المتنقّلة كانت تتمّ بإدارة فريق على صلة ما بالسفارة الأميركيّة، انما ينطوي على اتهام شبه مباشر لعناوين سياسيّة محليّة بالتنسيق مع السفارة الأميركيّة، بهدف الإساءة إلى "حزب الله"، واستهدافه وتقديم الضاحية منطقة نفوذه ووجوده القيادي ـ الأمني بصورة سيئة ، خاصة ان تلميحات السيد نصرالله تذهب الى عناوين في السلطة.
2 ـ إن تساؤل السيّد عمّن نقل الاحتجاج إلى الضاحية ليحصل فيها ما حصل، إذا ما عُطِف على سؤال "ضمنيّ" هو من وجّه الجيش الي حيّ السلّم بهذه "الكثافة"، ومن دون تنسيق ما مع الحزب، ثم من أعطى الأوامر بإطلاق الرصاص الحيّ على المحتجّين، إنما ينطوي على اتهام بوجود خرق كبير في المؤسّسة الأمنيّة، وجد نصرالله نفسه معنيّاً حياله بمطالبة قيادة الجيش بالتحقيق فيه، بعد أن أكّد أن ليس ثمّة خطٌّ أحمر واحد، معتبراً أن الجيش خطٌّ أحمر بقدر ما دم الناس وكرامتهم خطٌّ أحمر أيضاً.
3 ـ ومن الواضح بحسب الأوساط، أن تقديم "حزب الله" ما جرى الخميس الفائت في الضاحية على هذا النحو، أي بما يتضمّنه من اتهامات سياسيّة مباشرة وغير مباشرة بوجود تنسيق محليّ مع الولايات المتّحدة أو بوجود قوىً محليةٍ تعمل لحساب أميركا، وهي في مواقع في السلطة، ان هذا التقديم لا يتحدّث فعلياً عن خرق أمني محدود بل عن خرق سياسي ـ أمني كبير يطاول مؤسّساتٍ وجهاتٍ كانت ولا تزال مصنَّفة حتى الان ضمن "الخط الوطني الواحد" المضبوط ايقاعه إقليميّاً.
رسالة أميركيّة بالردّ على "رسائل الضاحية"؟
4 ـ إذاً، في معرض شرحه خطورة ما جرى والذي "لولا لطف الله عز وجل والثقة الوطيدة بين المقاومة وقيادة الجيش ودور الأخوة السوريين" لكان مرشّحاَ لأن يكون أخطر بكثير، لم "يسهّل" السيد نصرالله المهمّة بل زادها تعقيداً، وهي كذلك في ضوء ما بدا انه يملكه من معطيات. فبكلام آخر، يقول نصرالله ان ما جرى في الضاحية أكثر من رسالة تعلنُ القوى المتعاونة في صياغتها أميركيّاً ومحليّاً، نيّة إسقاط "حزب الله" والدولة وسوريّا انطلاقاً من الضاحية. واذا كان ما ذهب اليه نصرالله "واقعيّاً" اي اذا كانت معطياته متوافرة، فمعنى ذلك ان أميركا ترد على الرسائل التي وجهها الحزب انطلاقاً من الضاحية، سواء رسالة الانتخابات البلديّة أو رسالة "مسيرة الأكفان"، بمحاولة الانقضاض على "الداخل"، الأمر الذي اذا ما أُضيف الى تجديد اسرائيل، بالتزامن مع ما أدلى به نصرالله خلال مؤتمره الصحافي، تهديدها بتصفية الأمين العام لـ "حزب الله" وبضرب سوريّا مباشرةً اذا ما استأنف الحزب عمله المقاوم جنوباً، انما يعني أن البلاد على مشارف مرحلة خطيرة جداً.
5 ـ غير أن ما يبقى بحاجة الى توضيح كبير في موازاة رواية نصرالله لما جرى الخميس الماضي والذي وصفه للبنانيّين بأنه "قطوع" مرّ بمعنى ومستمر بمعنى آخر، هو الجواب عن السؤال الآتي: لماذا احتاج "اكتشاف" مخطّط خطير يمتلك نفوذاً في السلطة وفي الشارع إلى تحرّك يوم الخميس ولم يكن ممكناً "اكتشافه" قبل هذا التاريخ؟ وهل كان "حزب الله" مقيماً فوق خزان بارود ولم يلاحظ ذلك إلا بهذه "المناسبة"؟
أسئلة كثيرة ومخاوف عدة
خلال اليومين الأخيرين، مالت الأوساط السياسيّة المتعددة إلى "تصديق" ان السيد نصرالله الذي اعتاد اللبنانيون على انه لا يلقي الكلام جزافاً، يمتلك من الحيثيات ما يكفي لـ"تدعيم" قراءته للحوادث. بيد انها مع ذلك، سجّلت عدداً من الملاحظات والأسئلة.
أ ـ إن ما طرحه نصرالله "مذهل"، ذلك انه "كبير" ويفيد بـ"انقلاب" خطير على ما هو معروف في الوضع اللبناني.
ب ـ ومع أن المرجع الأول في "حزب الله" يسارع إلى تأكيد ان الحزب خارج الصراع على السلطة في لبنان وعلى مسافة معينة من هذا الصراع، أليس في ما جرى احتمال أن يكون سيناريو اسقاط الحكومة في الشارع اصطدم بمعطيات اعطت نتائج عكسية أو أن يكون جرى استغلاله بطريقة ادّت إلى ما أدّت اليه، أي أن يكون ما طرحه نصرالله "نتيجة" وليس "مقدّمة"؟
ج ـ وماذا لو ثبت أن "المذهل الكبير" الذي عرضه نصرالله، "حقيقيّ" بالكامل. هل يكون ذلك مبرراً لدى البعض لاستئناف الصراع على السلطة تحت عنوان ان هذا البعض هو "الضمانة"؟ أم يكون سبباً في "سياسة أمنية" معينة؟ ام سبباً لزعم ان ثمّة عدم استقرار أمني مزمناً؟ او أن يكون ذلك باباً للبعض على... أميركا؟
د ـ هل يتّجه الوضع إلى صراع سياسي محتدم في موازاة الصراع على السلطة؟
هـ ـ هل يؤشّر كلام السيد نصرالله المؤسَّس على قراءته لما جرى ومعطياته إلى مرحلة من الصراع يرتبط فيها لبنان بعناوين اقليمية اضافية، فيكون المرور الذي تم بـ"الداخل" بمناسبة الانتخابات البلدية مجرد محطة انتقالية؟ ولماذا؟
وترى الأوساط السياسيّة المتعدّدة ان هذه الأسئلة وغيرها ليست مطروحة على السيّد نصرالله فقط، بل على مجمل الاجتماع السياسي اللبناني أيضاً، ذلك أن نصرالله قدّم من الأسئلة عدداً يوازي عدد الأجوبة والإشارات والايحاءات وربما أكثر، ما يعني ان النقاش مفتوح ولم يُختم. وتعترفُ ختاماً بأن في ما طرحه الأمين العام لـ"حزب الله" الكثير الكثير مما يستدعي التبصّر به، ومما يجدر النأي به عن مجريات الصراع السياسيّ المحلّي لأن إبقاء ما طرحه نصرالله في اطاره المحلي الصرف، من شأنه عدم التمكن من صوغ الخلاصات المنطقيّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00