8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحصيلة أنّ ثمّة من وقع في شرّ أفعاله

لم يكن ما جرى أمس خارج التوقّعات السياسيّة، تماماً لانّ هذا "سيناريو ايّار"كان متداولاً على مستوى فريق السلطة منذ مدّة طويلة بهدف تحقيق نتائج سياسيّة محدّدة في مسار استهداف الرئيس رفيق الحريري.
هذا ما تؤكّده أوساط سياسيّة مطّلعة على خفايا الكواليس، مستندةً الى المعطيات الآتية:
أوّلاً ـ لم يغادر "حلم" إخراج الرئيس الحريري من رئاسة الحكومة بـ"انفجار اجتماعي" (شكلاً) مخيّلة فريق الحكم منذ سنتين على الأقل، وهذا ما يفسّره اعتراض هذا الفريق طريق الحريري وبرنامج حكومته لمعالجة المسألة الماليّة في موازاة السير في المعالجات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وصولاً الى إطاحة كلّ الخطوات الرئيسية التي كان يفترض اعتمادها في سياق المعالجات، بما في ذلك باريس ـ 2.
ثانياً ـ وليس خافياً من وجهة نظر الأوساط انّ هذا "المخطّط" يقعُ في سياق الحملة التي لم تنقطع منذ مدّة طويلة والهادفة الى تحميل الحريري مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع، من دون تمكينه من أيّ معالجة مجدية. ويستغلّ فريق الحكم في هذا المجال ما كان شائعاً ـ ولو من باب الخطأ ـ من ان ثمّة قسمة عمل بدأت مع عودة الحريري الى رئاسة الحكومة عام 2000 تقضي بأن يتسلّم الملفّ الاقتصادي، وهذا ما لم يحصل حتّى ضمن هذه الحدود، علماً انّ السنوات الأخيرة شهدت انقضاضاً على صلاحيّات رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء. وعندما حاول الحريري تبيان مسؤوليّة الآخرين، كشف وزير الاتصالات جان لوي قرداحي ما يريدُه الفريق أيّاه، فوصف الرئيس الحريري بأنّه "مجرم" في حقّ الدولة والناس.
ثالثاً ـ وترى الأوساط نفسُها انّ هدف إخراج الحريري من رئاسة الحكومة بقي على "أجندة" فريق الحكم، وكان ينقُصه التوقيت السياسيّ المناسب، أو بالأحرى نُصحَ فريق الحكم باستمرار بألاّ يكون "لجوجاً" وبأن يُحسن اختيار التوقيت السياسيّ. وفي هذا الإطار تروي الأوساط ما مفاده انّ فريق السلطة الذي اعتبر انّ نتائج الانتخابات البلديّة أتت في صالحه، اعتبر في الوقت نفسه انّ النتائج فرصة لإعادة صياغة المعادلة السياسيّة على النحو الذي يفيد مصالحه، لا بل تقول الأوساط انّه عمّم خلال الأيّام الأخيرة صيغة حكومة جديدة يعتقد انّه يستطيع إخراجها الى النور خلال أيّام قليلة.
رابعاً ـ انّ فريق الحكم الذي يعتقد انّه نجح عبر الانتخابات البلديّة في صنع "7 آب" سياسيّ، بمعنى تحجيم القوى التي يصنّفها في خانة العداء للتمديد والتجديد، يرى ان في وسعه إعادة تحريك حركة نقابيّة مدجّنة أصلاً لصالح هذا الفريق وأجهزته، أو على الأقلّ استخدامها كغطاء تتحرّك تحته قوى أخرى في الشارع.
خامساً ـ على انّ اللافت بالنسبة الى الأوساط، كان البيان الذي أصدرته وزارة الداخليّة، أوّل من أمس، وتقول فيه انّها تسمحُ بالاعتصام والتظاهر لكنّها تحذّر من قطع الطرق وأعمال الشغب. وتتساءل الأوساط هنا: هل كانت الداخليّة تملك معطيات عن أعمال شغب وفوضى ستقع يوم الاعتصام والتظاهر؟ لماذا تسمح بالاعتصام والتظاهر في ظلّ احتمال حدوث أعمال شغب؟
عبرَ هذه المقدّمات، ترغب الأوساط السياسيّة المطّلعة على خفايا الكواليس، في التشديد على انّ ما جرى أمس يقع تماماً ضمنَ تخطيط فريق الحكم وأجهزته بهدف إسقاط الحكومة ورئيسها واستكمال عدّة الاستحقاق الرئاسيّ. غير انّ الأوساط نفسها تسارع الى تسليط الضوء على مجموعة من النتائج العكسيّة التي أسفر عنها هذا التخطيط في مجرياته يوم أمس.
الجيش
1 ـ لقد تمّ بوضوح استدراج الجيش الى مواجهة الناس، ذلك انّ إطلاق الرصاص الحيّ على الناس خصوصاً في حيّ السلّم، أدّى الى جرح هيبة المؤسّسة العسكريّة حتّى لو كانت في حالة الدفاع وأعاد إلصاق صور بها اختفت منذ فترة طويلة من الزمن. وعلى افتراض انّ إيقاع قتلى وجرحى بين المواطنين كان من ضمن المخطّط بهدف التصعيد والوصول الى الهدف المنشود على إيقاع حامٍ ودامٍ، فإنّ ما حصل كان غاية في الخطورة على صعيد مستقبل دور المؤسّسة العسكريّة، وكأن ثمّة من يستهدف دورها وموقع قائدها العماد ميشال سليمان في سياق "معركة الاستحقاق" وذلك ما يوحي بأن ثمّة "شيئاً ما" خرج عن "البرمجة" المقرّرة.
الضاحية
2 ـ وما لفت انتباه الأوساط المطّلعة كان انحصار أعمال "العنف" والشغب في نطاق الضاحية الجنوبيّة من بيروت، الأمر الذي أثار تساؤلات عدة تتعلّق جميعاً بـ"المسؤوليّة الشيعيّة" عمّا جرى.
وكان بارزاً أمس محاولة الايحاء بمسؤولية "حزب الله" عمّا دار من مواجهات في الضاحية، وذلك من منطلقين رئيسيين:
أ ـ ان "حزب الله" هو الأكثر نفوذاً في هذه المنطقة، وبقدر ما له "الغُنم" فيها عليه "الغُرم" ايضاً.
ب ـ ان "حزب الله" اختار منذ فترة توجيه رسائل سياسية انطلاقاً من الضاحية، وانه كانَ في وارد توجيه رسالة سياسية معينة تتعلق بدوره لكن الامور "فلتت" وخرجت عن السيطرة، وينطلقُ ذلك من ملاحظة ان ثمّة تصعيداً في الآونة الاخيرة في نبرة الخطاب الاعلامي (السياسي) للحزب حيال الحريري.
بيدَ ان الأوساط المطلعة التي لاحظت انحصار العنف والشغب في الضاحية وتحدثت عن ايحاءات حول دور الحزب، رأت في المقابل أن لا مصلحة سياسية مطلقاً لـ"حزب الله" في المواجهة مع الجيش حليف المقاومة، وانه لا يمكن من هذا المنطلق افتراض ان يبادرَ في هذا الاتجاه. وتضيف انه على افتراض كان ثمة سيناريو معيّن خرج عن "البرنامج"، كان يحاول استغلال نفوذ "حزب الله" في الضاحية، فان الحزب معنيّ قبل سواه بتحديد المسؤولية عما جرى، لا سيما ان 6 شهداء سقطوا في المواجهات عدا الجرحى لا ان يكتفي بالمطالبة بتحقيقات، تماماً لأنه مسؤول سياسياً، وأمنياً الى حد ما، عن المنطقة "المنكوبة"، ومعنيّ تالياً بأن لا يكون مشهد الضاحية على النحو الذي ظهر امس، لأن الانتصار السياسيّ المتحقّق في هذه المنطقة قبل أسابيع يحتاج الى تحصين، ولأنه اذا كان في وسع "اختراقات" (اذا كانت الفرضية صحيحة) ان تقوم بما قامت به امس فهي تستطيع القيام بما هو أكبر منه، الأمر الذي يؤكد من وجهة نظر الأوساط نفسها أن لا مصلحة لـ"حزب الله" بما جرى وان ثمة شيئاً ما خرج عن التوقعات. وفي جميع الأحوال لا شك ان الحزب مطالبٌ بتسمية الأشياء بأسمائها طالما انه يغدو مستهدفاً عندما يكون هناك من يستغلّ موقعه في الضاحية للإساءة اليه.
لقاء الأسد ـ الحريري
3 ـ وما لفتَ انتباه الأوساط المطّلعة أيضاً، تزامنُ ما جرى أمس مع زيارة الرئيس الحريري الى دمشق ولقائه الرئيس السوريّ بشّار الأسد. وفي هذا المجال لا تستبعد الأوساط نفسها أن يكونَ فريقُ الحكم بادرَ في سياق مخطّطه الى الضغط على الاجتماع. ذلك انّ ثمّة تفسيرات شتّى بعضُها "مسرّب" أعطيت لزيارة الحريري. فـ"البعض" اعتبر انّها إعادة وصل بين الحريري والعاصمة السوريّة تنطلقُ مِن المعطيات "الجديدة" لواقع رئيس الحكومة و"البعض" الآخر رأى انّ الحريري سيضع خلالها استقالته بتصرّف الرئيس السوريّ، وغير ذلك من التفسيرات التي يتقاطعُ معظمُها عند الظنّ بأنّ ما جرى أمس "صُنع في لبنان" سواء للضغط أو للإيحاء بأنّ دمشق ليست بعيدة عنه. وهنا ايضاً خرج المخطط عن "البرمجة" توقيتاً وسيطرةً.
النتائج العكسيّة: احتدام الصراع
بينَ "المخطّط" الذي يسير فيه فريق الحكم من ناحية والنتائج العكسيّة الأوّلية التي أفضى اليها وهو قيد التنفيذ على الأرض من ناحية ثانية، سقط عدد من القتلى والجرحى اللبنانيين، وسط أزمة اجتماعيّة حقيقيّة لا ينكرها أحد، لكن وسط إصرار من فريق الحكم على منع الحريري من تحقيق أيّ تقدّم على طريق معالجتها.
وإذا كان ممّا لا شكّ فيه انّ البلاد دخلت منذ يوم أمس مرحلة من الاحتدام السريع للصراع السياسيّ، في لحظة اقتناع فريق الحكم بأنّ مخطّطه صائب وبأنّ تنفيذ مراحله "الأخيرة" يجب أن يكون سريعاً، فإنّ الأوساط المطّلعة على الخفايا، تعتقدُ انّ فريق الحكم في جريه وراء مخطّطه انّما يستعجلُ فرزاً مسيئاً الى لبنان، وحتّى لو تحقّقت استقالة الحكومة، فإنّه سيعطي عكس ما يتطلّع إليه.
أ ـ انّ المشهد السياسيّ اللبناني لا يعكسُ فقط محطّة أمنيّة في الصراع السياسيّ، يلجأ إليها فريق الحكم، "تبشّر" بصيغة أمنيّة بواجهة سياسيّة لو استطاع هذا الفريق "التحكّم" بالوضع، بل يقدّم "صورة" غير حقيقيّة عن لبنان الى "الخارج".
ب ـ انّ المشهد السياسيّ كما يحاول فريق الحكم تقديمه لا يمكن لأيّ فريق سياسيّ القبول به، ذلك انّ انتزاع انتصار التمديد بـ"الغفلة" لا يمرّ، وسيؤدّي الى عكس ما يتوق فريق الحكم إليه، أيّ الى انفتاح هذه القوى على بعضها والى تواصلها والى انطلاق ديناميّة سياسيّة معاكسة تخلط الأوراق.
ج ـ انّ فريق الحكم سيكتشف خطأ تقديراته، لاسيّما لجهة ربط المستقبل السياسيّ خلال الشهور المقبلة بنتائج الانتخابات البلديّة، وسيكتشف اللبنانيّون انّ مخطّطاً يجتاز ممرّات أمنيّة خطيرة من جهة ويمسّ استقرار النظام السياسيّ وطبيعته من جهة أخرى، لن يكتب له النجاح... وسينقلب السحرُ على الساحر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00