في العام 2000 وخلال المراحل التمهيديّة للانتخابات النيابيّة، حصلَ الدكتور عبد الرحمن البزري ـ على ما تقول أوساطٌ مطّلعة ـ على تعهّدات من "الراعي الإقليميّ" ومن الرئيسين رفيق الحريري ونبيه برّي كما من "حزب الله" بدعم ترشيحه الى انتخابات العام 2005 النيابيّة وبدعم وصوله الى عضويّة مجلس النوّاب، وهي تعهّدات من أطراف مؤثّرة إنتخابيّاً، خصوصاً أنّ الاعتقاد بشأن الانتخابات المقبلة كان عام 2000 وحتّى اليوم، أنّها ستجري على أساس قانون انتخاب مختلف عن ذلك الذي جرت على أساسه الانتخابات السابقة، وهو القانون الذي كان لا يزال يأخذ بـ"نظريّة" الظروف الاستثنائيّة آنذاك. وبكلام آخر، وأيّاً يكن القانون الجديد، فإنّ المرشّح في صيدا سيبقى بحاجة الى دعم الأطراف السياسيّة المشار إليها أي الحريري وبرّي و"حزب الله"، طالما أن لا عودة الى اعتماد صيدا دائرة إنتخابيّة في حدّ ذاتها.
إذاً، ومع انطلاق التحضيرات للانتخابات البلديّة، لم يكُن في الذهن أنّ البزري "الموعود" بانتخابات 2005 النيابيّة، سيرشّح نفسه الى رئاسة المجلس البلديّ في صيدا، وهو بنفسه رسّخ هذا "الانطباع" إذ بقي صامتاً عن الموضوع فترةً طويلة قبل أن "ينطق".
في هذا المناخ وعلى خلفيّة "الصورة" المشار إليها آنفاً، تحرّك المرشّح عدنان الزيباوي ساعياً الى أن يكونَ مرشّحاً توافقيّاً الى رئاسة البلديّة. وبعدَ أن حرصَ على ألاّ يقدّم نفسه مرشّحاً عن "تيّار الحريري" إنّما على أساس كونه مدعوماً من هذا "التيّار" وذلك بتفاهم معه، منطلقاً من الاعتقاد أنّ هذا التحديد لوضعه بالعلاقة مع "التيّار" ينسجمُ مع شخصيّته أوّلاً، ويريح حركته السياسيّة باتجاه فرقاء المدينة بهدف التوافق ثانياً... قصدَ الزيباوي رئيس "التنظيم الشعبي الناصريّ" النائب أسامة سعد ليطرح عليه إمكان تحقيق التوافق حول اسمه وتجنيب المدينة معركة سياسيّة. وكانَ الزيباوي يفترضُ أنّه من موقعه كشخصيّة وطنيّة تاريخيّة في صيدا، تعود علاقتها بالشأن العام الى ما قبل أربعة عقود أي منذ زمن الراحل معروف سعد، انّ ثمّة مجالاً للبحث مع سعد واحتمالاً للتفاهم.
بيَد أنّ الزيباوي "فوجئ" بأسامة يقول له ما مفاده "تعرف يا عدنان أنّي أقدّرك وأن لا مشكلة لي معك، لكنّني لا أستطيع السير بالتوافق حول اسمك لأنّ ذلك يخلق لي تماهياً سياسياً لا قدرة لي على احتماله في وقت أحتاج فيه الى معركة سياسيّة تشدّ عصب تيّاري وقاعدتي في المدينة".
طبعاً، ليست الغايةُ من هذه المقدّمة البرهنة على انّ ثمة مساعي توافقيّة حصلت منذ البداية ولا التدليل على انّ المعركة بالنسبة الى سعد سياسيّة بامتياز منذ البداية أيضاً خلافاً لما بات يقوله مؤخّراً حول "الخلاف بشأن الرؤية التنمويّة"، انّما الغاية هي تسليط الضوء على الأبعاد السياسيّة التي يهدف سعد اليها، والتي لا تشكّل الحاجة الى معركة سياسيّة تستنهض "التنظيم" وقاعدته سوى واحدة منها، وهي "الحاجة" التي اعترف بها أسامة علناً قبل أيّام إذ أجاب عن سؤال يتعلّق بسبب دعوته مناصريه الى رمي دعوة التوافق وراء ظهورهم بالقول انّ السبب هو "شدّ أزر قاعدتنا"، ما يشكّل أمراً لافتاً في حدّ ذاته عندما يرى سياسيّ مصلحته في المعركة وخسارته بالتوافق.
"الفخّ" وأفق 2005
على خلفيّة ما تقدّم، بدا واضحاً لمتابعي التطوّرات في صيدا، انّ النائب سعد عمد الى خطة لاستدراج البزري الى المعركة البلديّة بتحريضه تارةً وبالهجوم عليه تارة أخرى وبـ"تزيين" صورة النجاح المرتقب أمامه تارةً ثالثة، وبالمزاوجة بين كلّ هذه الوسائل في جميع الأحيان.. الى أن وقع عبد الرحمن في فخّ أسامة.
أوّلاً ـ أقنع سعد وآخرون من "خيّاطي الحبكات" البزري بانّ طرفين من بين الأطراف المتعهّدة له بدعم ترشيحه في العام 2005، لن يبقيا على حالهما وانّ ثمّة متغيّرات آتية لا محالة ستطاول موقعي الرئيسين الحريري وبريّ، وأن لا مصلحة للبزري تالياً في المراهنة على 2005 نيابيّاً على الأساس الذي كان موعوداً به، وانّ "عصفوراً في اليد خير من عشرة على الشجرة" ـ أي رئاسة البلديّة ـ وانّ أمامه (عبد الرحمن) فترة كافية في كلّ الأحوال، لأنّ "المتغيرات الآتية" ستحصل في غضون أقلّ من 6 أشهر، وانه يبقى قادراً بعد حصولها على الاستقالة من رئاسة البلدية والترشّح الى النيابة.
عرض توافقي رفضه البزري
ثانياً ـ ومنع سعد ـ وآخرون ـ البزري حتّى من مجرّد مناقشة عرض التوافق الذي تقدم به الرئيس الحريري قبل عدة أيّام، بما في ذلك عرض وافق عليه الحريري بتشكيل لائحة توافق رباعيّ بين "تيّار الحريري" و"الجماعة" وسعد والبزري تضمّ خمسة أعضاء لكل فريق مع رئاسة البزري للائحة. واستمرّ البزري حتّى اللحظة الأخيرة يقول انّ أيّ عرض ملموس لم يصله ليرمي مسؤولية عدم التوافق على "تيّار الحريري"، علماً انّ "عبّودي" ومنذ البداية وعندما طلب منه أخذ موافقة أسامة على اسمه رئيساً توافقياً للبلدية ينسحب له الزيباوي... "ذهبَ ولم يعُد".
ثالثاً ـ وقع البزري اذاً رهينةً في يد سعد الذي لا يخسر شيئاً بلعبه في "عقل" البزري. فاذا فشل عبد الرحمن تكون حجّة أسامة قويّة حياله في العام 2005 ويستطيع أن يقول له عندئذ انّك لم تستطع الفوز بمقعد بلديّ فكيف لك أن تفوز بالنيابة؟. أمّا اذا ربح، فانّ أسامة يضمن حصول شرخ بين البزري والحريري، يستحيل معه دعم "تيّار الحريري" للبزري في انتخابات العام المقبل. هذا مع العلم انّ سعد نسي احتمالاً ثالثاً، هو انّ البزري لو وصل الى عضويّة المجلس البلديّ من غير أن يتمكّن من رئاسته، سيستقيل فوراً من البلدية.
رابعاً ـ وتعربُ الأوساط المتابعة عن اعتقادها انّ ما قام به سعد حيال البزري تحت عنوان "التحالف" معه، هو عمليّة تصفية سياسيّة موصوفة، إذ يحيل عبد الرحمن وفقاً لمعظم السيناريوات احتمالاً بـ"لا دنيا ولا آخرة"، فيما يظن البزري أنّه يفتح طريق مستقبله السياسيّ.
بطبيعة الحال، سيكون من الصعب قبل 24 أيّار، أي اليوم الذي ستتضّح فيه نتائج الانتخابات البلديّة في صيدا، إقناع عبد الرحمن البزري بأنّه وقع ضحيّة "مكر" حليفه أسامة سعد الذي يتطّلع الى التخلّص من منافس سياسيّ على النيابة، كما سيكون من الصعب أيضاً إقناع سعد بأنّ الحفرة التي حفرها لـ"أخيه" تتّسع لأثنين، بعد أن باتت صيدا كلّها تعرفُ تمام المعرفة أنّ تحالف سعد ـ البزري أراد معركة سياسيّة تتجاوز استهدافاتها المسألة البلديّة، إذ تستهدفُ من جانب سعد ما سبقت الإشارة إليه، وتستهدف الحريري باندراجها في خانة "المعركة الأم" التي يقودها فريق الحكم ضده، مع أنّ أسامة يعلم أن التاريخ ذاكرة ولا يصنع مستقبلاً إذا جرى التسمّر عندَه.
شهادةُ المدينة
وتشهدُ المدينة أنّ سعد والبزري عطّلا التوافق. وكانت شهادةُ "الجماعة الإسلاميّة" معبّرةً عندما كشف مسؤولُها في صيدا علي الشيخ عمّار أنّها رفضت التحريض على "تيّار الحريري" والترهيب من التحالف مع "التيّار". وشهادة الشيخ ماهر حمّود كانت مبكّرة وتعرّضت لهجوم. وحتّى "حزب الله" يستطيع أن يشهد أيضاً، ذلك أنّه قبل أيّام قليلة فقط من إبلاغ مرجع كبير في الحزب مَن يعنيهم الأمر أنه سيدعم البزري وقد ضمّ مناصرين له الى لائحة سعد ـ البزري، بـ"حجّة" أنّ عدنان الزيباوي إذا كان اليوم مجرّد مقرّب من الحريري فسيغدو حريريّاً صافياً... قبل أيّام قليلة فقط وفي اجتماع بعيد عن الأضواء بين مسؤول في الحزب والزيباوي، اعترف المسؤول بأنّ منسوب التسييس عال جداً من جانب أسامة سعد، وبأنّ الحزب الملتزم لوناً من ألوان الحياد سيستمرّ في السعي الى التوافق وسيعرف من يعطّله... لكنّ يبدو أنّ لـ"السياسة" ضرورات.
على أيّ حال، إنّ بعد غدٍ الأحد لناظره قريب، والنتائج لن تتأخّر، وسيقول عبد الرحمن لأسامة "إظهر وبانْ"!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.