حرصت "الجماعة الإسلامية" خلال المرحلتين السابقتين من الاستحقاق البلديّ في محافظات الجبل وبيروت والبقاع، كما تحرص في المرحلتين اللاحقتين جنوباً وشمالاً، على أن تقدّم نفسها قوّة توافق تسعى اليه، فإن تعذّر لم تكن هي السبب في ذلك، متطلّعة الى تقديم صورة إيجابيّة عنها ضمن الاجتماع السياسي اللبناني، على أساس انها قوّة إسلامية معتدلة لتنفيَ ما قد يكون عالقاً في أذهان اللبنانيين من مسبقات أو تقديرات انها "جماعة أصوليّة" بكلّ ما تعنيه "الأصوليّة" في فهم العموم لها من "مصنع للتخلّف والإرهاب".
في هذا الإطار، يؤكد نائب الأمين العام لـ"الجماعة" ابراهيم المصري ان تنظيمه لم يدخل في لجنة الأحزاب الستّة أو الخمسة ولم يشارك في "مبادرتها" في بيروت، أي أنه لم ينتظر أن يطرح أحد الوفاق ليسير فيه، فكان قرار "الجماعة" سابقاً على ذلك وهي منذ البداية رأت ان لها ممثلاً في المجلس البلدي المنتهية ولايته، يستحسن أن يستمرّ، خاصة ان الرئيس رفيق الحريري كان عرض على القوى الممثّلة في ائتلاف العام 1998 الاستمرار في التحالف فسارعت "الجماعة" الى الموافقة.
أما في إقليم الخروب، فيقول المصري ان "الجماعة" توافقت في مختلف بلدات الإقليم مع "الحزب التقدّمي الاشتراكي" و"تيّار المستقبل"، لكن هذا التوافق استعصى في برجا. ويحمّل المسؤولية في ذلك الى النائب الاشتراكي علاء ترو، الذي تمسّك بـ"حقه" في أن يشكل بنفسه اللائحة وتصرّف الى حدّ كبير بطريقة إلغائية كما يقول، مضيفاً ان "الجماعة" تمسّكت الى النهاية بمسؤول "تيّار المستقبل" في البلدة على لائحتها، وهذا ما حصل على الرغم من فصل "التيّار" لهذا المسؤول.
ويوضح القيادي البارز في "الجماعة" ردّاً على سؤال حول ما إذا كان ترو محقّاً في موقفه طالما ان "الجماعة" تتصرّف في برجا على أساس ان هذه البلدة مغلقة لها ولأدائها الذي وصل في يوم من الأيام الى حدّ ان عدداً من الملتزمين دينياً والمحسوبين عليها "كفّروا" النائب جنبلاط وحالوا بينه وبين تفقّد أحد المساجد، فيقول ان هذه "الحادثة" التي حصلت بالفعل ليست من عمل "الجماعة" وليس "كلّ أصحاب الذقون الطويلة" منها، وان بعض "المتزمتين" مسؤول عن "الحادثة"، لكن الأهم ان "الجماعة" لا تتعاطى مع برجا بوصفها "قاعدة" لها، معرباً عن أمله في تصحيح العلاقة مع جميع القوى الحزبية.
التحالف مع الحريري في صيدا
وإذ يؤكد المصري من خلال ما تقدّم، على التوجّه التوافقي لدى "الجماعة" كما برز في بيروت وإقليم الخروب، ينتقل للحديث عن الاستحقاق البلدي في صيدا.
وفي هذا المجال، يلفت الى ان "الجماعة" سعت أساساً الى تحقيق توافق رباعي يجنّب المدينة معركة سياسيّة حامية. لكن هذا المسعى توقّف ولم يعد التوافق الرباعي ممكناً بعد أن أعلن الدكتور عبد الرحمن البزري تحالفه مع النائب أسامة سعد، ومن هنا كان التوجّه لدى "الجماعة" بالتحالف مع "تيّار الحريري".
وكي لا يُفهم من كلامه ان التحالف مع تيّار النائب بهية الحريري كان بمثابة خيار اضطراري بعد أن فشلت محاولة التوافق الرباعي، يبدي القيادي البارز في "الجماعة" اعتقاده ان ثمّة صعوبة في أن يستطيع البزري التماسك أمام سعد، فضلاً عن انه يُخشى على بلدية صيدا من "اجتياح" سعد و"التنظيم الشعبي الناصري"، الأمر الذي لا يضبطه توازن التحالف سعد ـ البزري. وفي المقابل يلاحظ المصري ان لرئيس اللائحة المدعوم من الحريري، عدنان الزيباوي شخصية أكثر تماسكاً كما يؤكد ذلك "الشباب" (أي أعضاء "الجماعة" في صيدا) وعلاقة بالناس بنسبة أعلى.
الزيباوي
ويضيف ان "الجماعة" كانت أمام "إحراج" تأييد شيوعي سابق الى رئاسة البلدية لاعتبارات "عقائديّة"، أضيف اليها في وقت من الأوقات كلام "نُقل الينا" عنه قاله في إحدى المناسبات فيه تعريض بـ"الجماعة"، لكن "سرّنا بعد ذلك أن نعلم ان الزيباوي ملتزم بالفروض الدينية ومتابع للعلاقات الاجتماعية وأن نتكاشف معه بشأن ما نقل عنه فقدّم التوضيحات"، فكان أن حسمت "الجماعة" بعد ذلك موقفها دعماً لرئاسة الزيباوي في اللائحة التي تشارك فيها وبقيت "عقد" محدّدة استمرّ الحوار بشأنها الى أن حُلتّ أخيراً. ونوّه المصري باللقاء بين الرئيس الحريري ورئيس المكتب السياسي لـ"الجماعة" النائب السابق أسعد هرموش، الذي أسّس لإنطلاق الحوار فالتفاهم.
أما في طرابلس، فلا تزال "الجماعة" ساعية الى تحقيق توافق عام تحت سقف الرئيس عمر كرامي، وتأمل أن يتحقّق التوافق، وإلا فهي ستخوض المعركة البلدية بلائحة غير مكتملة ستحرص على أن يكون فيها مسيحيّ وعلويّ، أي ألا تكون اللائحة بمثابة كتلة إسلامية صرفة. وفي هذا الوقت، تبدو "الجماعة" مرتاحة الى وضعها في بلديّتي البدّاوي والقلمون.
"لا نقبل تجييرنا في تصفية حسابات سلطوية"
بعد هذا الاستعراض السريع لمواقف "الجماعة" في الأمكنة الرئيسيّة، يسارع نائب أمينها العام الى تحديد مجموعة من الدلالات التي يرغب في تسليط الضوء عليها:
1 ـ حيثما كان الوفاق ممكناً، فإن "الجماعة" تنتظره حتّى اللحظة الأخيرة.
2 ـ ان "الجماعة" حريصة على إنتاج مجالس بلديّة كفوءة ولا تسعى الى "زرع" أعضائها الحزبيين زرعاً.
3 ـ انها ترفض المشاركة في العمليّات الانتخابيّة بكتلة إسلامية، لان في ذلك تحدّياً للآخرين. ويعطي المصري في هذا المجال مثالاً دالاً على عدم التحدّي، فخلال وجود الشيخ يوسف القرضاوي في لبنان، كانت نيّة لدى "الجماعة" لتنظيم مهرجان احتفالي به في منطقة إقليم الخروب قبل الانتخابات البلديّة بنحو ثلاثة أيام، لكن وصل الى مسامع "الجماعة" أن من شأن إقامة هذا المهرجان أن تثير حساسيّات معيّنة، فبادرت الى إلغائه.
4 ـ ان "الجماعة" حريصة على عدم تجيير حركتها في أي عملية تصفية حسابات بين السلطات المتناكفة.
5 ـ و"الجماعة" تحرص بمناسبة البلديّات، لكن قبلها وبعدها، على تشكّل حالة لبنانية متماسكة بذاتها، أي ألا يكون "الغطاء السوري" عامل التماسك الوحيد، وذلك كلّه "من موقع إدراك المخاطر الكبرى التي تواجهها المنطقة والتي تفترض أن يتجاوز العمل السياسيّ حدود التكتكات".
"الميثاق" و"اللبننة"
وإذا كان المسؤول في "الجماعة" يسلّط الضوء على مجموعة من الدلالات ويرغب في توجيه رسائل سياسية معينة، فإن ما قدّمه يقع في واقع الأمر، في سياق "التطوّر" المفصليّ الذي مثّله إقرار "ميثاق العمل الإسلامي" قبل بضعة شهور، وهو تطوّر يندرج في خانة تأكيد "تلبنن الجماعة"، كما ترى أوساط لبنانية من بيئات طائفية عدة.
وفي هذا المجال، يؤكد المصري "نحن لبنانيون ولا علاقة لنا بأي جهة تؤثّر على طبيعة التوجّهات اللبنانية وإن كان طموحنا أن نتواصل مع العالم العربي والإسلامي الذي يمثّل عمقنا الثقافي والجغرافي". ويضيف "نحن في البلد باختيارنا بما فيه من حريّة وديموقراطية، وهو جدير بأن نتمسّك به وأن نصلح ما أمكن من البنية الاجتماعية والسياسيّة".
ويشير الى ان "الميثاق أزال أي عنصر من عناصر الإثارة وأسّس لأوسع إطار من المرونة التي تتيحها الضوابط الشرعية لجهة علاقاتنا باللبنانيين حتى مع من نختلف معه سياسيّاً أو دينياً". ويشدّد على ان "الحالة الإسلامية لا تعاني توترات وكلّها تلقّت دروساً تعلّمها الاعتدال". ويلفت الى ان "الذين ذهبوا من لبنان الى العراق عادوا بانطباعات قاسية، ويقومون بمراجعات وبعضهم عاد منكفئاً" ويؤكد ان "سوريا تدرك ان الجماعة في لبنان ضمانة اعتدال".
إذاً، في ما هو أبعد من محاولتها تقديم نفسها قوّة توافق، ترمي "الجماعة" الى تأكيد كونها قوّة اعتدال، وجزءاً من مشروع لبناني تعدّدي حضاري... ولكلّ خطوة بداية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.