8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ماذا يعني قاسم بالرسالة الموجّهة إلى "الدوائر الاستكبارية"؟

يقول النائب باسم السبع إنّه لاحظ أنّ "أمل" و"حزب الله" أثناء المفاوضات بشأن الضاحية الجنوبية من بيروت كانا ينتقلان من ملفّ الضاحية في حدّ ذاته الى ملفّي البقاع والجنوب، بمعنى أن المفاوضات حول الضاحية لم تبقَ محصورةً في نطاقها، وأن ثمّة ترابطاً بين الملفات الثلاثة من جانب الطرفين الشيعيين أو أحدهما.
ويضيف السبع أنه كان واضحاً لديه أنّ الخلاف بين الحركة والحزب حول البقاع والجنوب، يرمي بثقله على مفاوضات الضاحية. ومن هنا فإن السبع ارتأى من جانبه عدم الربط بين الملفات، خصوصاً ملفّي الضاحية وبعلبك، فاتّخذ موقفه الذي بات معروفاً والقاضي بتسريع التوافق بينه وبين "حزب الله" بخصوص بلدية برج البراجنة، والوقوف في نقطة وسط في ما يتعلّق ببلدية الغبيري، على اعتبار أن الخلاف بين الحركة والحزب احتدم بشأن الغبيري في لحظة كان الخلاف بينهما حول البقاع يتسارع ويحتدم أيضاً. ولذلك وجد أن "فكّ الارتباط" بين "ثلاثية" الضاحية ـ البقاع ـ الجنوب، مسألة حيوية بالنسبة إليه لأنه من جهة يرغب في توافق لا يرى مبرّراً لعدم حصوله مما يؤدي الى معركة سياسية حامية بمناسبة الانتخابات البلدية، ومن جهة أخرى لا يرغب في أن يكون طرفاً مباشراً في "نزاع" طرفي الثنائيّة الشيعيّة.
طبعاً، ليس الهدف من هذه المقدمة مرويّةً على لسان النائب السبع، استعادة أجواء المعركة البلدية في منطقة الضاحية، وإن كانت هذه المقدّمة تعطي السبع حقّ "السبق" في "اكتشاف" أن انهيار التوافق والتحالف بين "أمل" و"حزب الله" كان مقدّراً في وقت مبكّر، وأن الضاحية بهذا المعنى لم تكن إشارة الى ما سيلي في المراحل التالية من الاستحقاق البلدي، كما أنها لم تكن منطقة خلاف معزولة عن سائر مناطق تواجد الطرفين، بل إن الضاحية أخرجت الخلاف حول كلّ المناطق إلى العلن.
على أيّ حال، لم يعد السؤال مطروحاً حول ما إذا كان استدراك الخلاف بين الحركة والحزب لا يزال ممكناً، لأن هذا الخلاف كان نافذاً في بعلبك والبقاع، وهو يبقى نافذاً في الجنوب الذي تجري انتخاباته بعد أقلّ من أسبوعين، والمعلومات تفيد أن مداخلات مؤثّرة حصلت لتدارك "الأسوأ" بينهما لم تغيّر في واقع الأمر شيئاً، وإن كانت هذه المداخلات المؤثّرة فرضت إبقاء "التنافس" في الإطار الهادئ.
من الصعب قبل انتهاء العملية الانتخابية في الجنوب، تقويم نتائج هذا "التنافس" وتحليل أبعادها بالكامل. ذلك أنه إذا كان صحيحاً أن "حزب الله" اكتسح في الضاحية وفي "البقاع الشيعي" على حساب "أمل" وبفوارق كبيرة، فإن الجنوب خصوصاً بالنسبة الى "أمل" هو المحكّ، لا بل هو "عقر الدار"، ولن تتّضح الطبيعة النهائية للتوازن إلاّ مع انتهاء الفرز في صناديق الجنوب.
ومع ذلك، أي مع صعوبة تقديم استنتاجات حاسمة بشأن الاختلال الأول من نوعه بين الطرفين الشيعيين (في السياسة) ونتائج الصراع الانتخابي بينهما، لكن مع ملاحظة أن الحزب يبدو أكثر حرية في حركته وكلامه من الحركة التي تبدو معتصمة بالصمت في الوقت الذي تتلقّى الضربة تلو الأخرى، يمكن إيراد عدد من الملاحظات على النحو الآتي:
قاسم والرسالة الخارجية
أولاً ـ قليلاً ما يعلن "حزب الله" حقيقة ما يضمره، لكنه إن أعلن أفصح. وهكذا تكلّم نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم الذي يتولّى الإشراف على الحركة الانتخابية للحزب، فلفت الى أن النتائج في البقاع (وقبله في الضاحية) تمثِّل من جهة تأكيداً على التفاف الناس حول الحزب في العنوان الإنمائي كما في العنوان المقاوم، وتمثِّل من جهة ثانية رسالة الى الدوائر الاستكبارية بأن الناس متعاطفون مع الحزب بما يجسّده من مشروع تحرير واستقلال.
وفي هذا الإطار، تتوقّف أوساط شيعيّة مستقلّة عند ما طرحه الشيخ قاسم، فترى أن الحزب لم يكن بحاجة ماسة الى مناسبة الانتخابات البلدية ليبرهن أنه حزب جماهيري، وان "الداخل اللبناني" لم يكن ينتظر نتائج البلديات ليكتشف أن "حزب الله" قوة سياسية شعبية مؤثّرة. وعليه، فإن الشيخ نعيم أشار في هذا الشقّ من تصريحه بعد انتخابات البقاع الى "لزوم ما لا يلزم"، ليبقى من كلامه فعلياً الشقّ الآخر المتعلق بـ"الرسالة الخارجية" إلى "الدوائر الاستكبارية". وهذا الشقّ في نظر الأوساط الشيعيّة المستقلّة، والمستجدّ من جهة اهتمام "حزب الله" بـ"الخارج" من زاوية البرهنة على جماهيريّته، هو الأساس والأكثر أهميّة.
ثانياً ـ في السياق نفسه، تعتبر الأوساط نفسها أن ما "كشفه" نائب الأمين العام للحزب، لجهة توجيه رسالة الى "الخارج"، حقّ مشروع من حقوقه، أي أن الحزب في وقت تواصل "الدوائر الاستكبارية" نعته بـ"الإرهاب"، وتضغط عليه وعلى لبنان وسوريا، إنما يمارس حق الردّ "المفحِم" بأن حزباً على هذا القدر من الاتّساع والانتشار والجماهيريّة والنفوذ، لا يمكن أن يكون "إرهابياً" وأن تاريخه المقاوم موضع التفاف شعبي.
ثالثاً ـ غير أن الحسم تأييداً لحقّ الحزب في الاتجاه المشار إليه آنفاً، لا يقفل النقاش من وجهة نظر الأوساط بل يفتحه انطلاقاً من الأسئلة المتفرّقة الآتية:
تحصّن إضافي
1 ـ إذا كان "حزب الله" عبر تحقيقه انتصاراً انتخابياً كاسحاً في الانتخابات البلدية يوجّه رسالة قويّة جداً الى "الخارج"، وبالمناسبة فإن "الخارج" ليس "دوائر استكبارية" فقط بل هو مجموعات دولية تفيد مخاطبتها أيضاً، فالحال أن الحزب، للوصول الى هذه الرسالة القوية، انتقل بقضّه وقضيضه الى "الداخل". والسؤال هنا هو: هل يكفي أن يفوز الحزب انتخابياً أو أن المطلوب منه تقديم مشروع متكامل للعمل في الداخل بحيث لا يبقى هذا "الداخل" مجرّد ملحق بالعمل المقاوم؟
2 ـ ان الرسالة القويّة الموجّهة الى "الخارج" و"الدوائر الاستكبارية" حمّالة أوجه: هل تعني التحصن بالناس من الضغوط المعادية؟ هل تعني استعداداً لـ"الانفتاح" من موقع قوّة شعبياً؟ هل تمثّل هذه الرسالة إشارة "إقليمية" ما، أي هل تؤشّر الى منحىً إقليميٍّ متشدّد في لبنان أم العكس؟
"حرب إلغاء"؟
3 ـ وإذا كانت الأوساط الشيعيّة المستقلّة تنطلق من الاعتراف بأنّ لحزب الله موقعيّة مؤثّرة في لبنان، فإنها لا تمنع نفسها مع ذلك من التساؤل: أين تقف سوريا من المعاني التي يريد "حزب الله" إعطاءها لنتائج الانتخابات البلدية؟ وذلك على اعتبار أن سوريا هي وحدها الطرف الذي كان ولا يزال قادراً على وضع حدود معيّنة للرسالة المطلوب توجيهها وأن تبقى الرسالة قويّة.
4 ـ إن السؤال السابق لا ينطلق فقط من موقع سوريا المؤثّر على الطرفين الشيعيّين اللّذين يُعتبران حليفين لها، بل ينطلق من ملاحظة أن الأمور كما جرت حتى الآن في الضاحية والبقاع أشبه بـ"حرب إلغاء سياسي" للحركة. والسؤال هنا: هل كان توجيه رسالة قويّة الى "الاستكبار العالمي" يقتضي إلغاء الطرف الآخر؟ أم أن ثمّة جهات لبنانية أمنية وغيرها تُضمر للرئيس نبيه برّي شرّاً؟
5 ـ أما السؤال الخامس الذي يطرح نفسه فهو الآتي: هل أن "أمل" متراجعة إلى هذا الحدّ شعبياً أم أن ثمة إدارة معيّنة للعملية الانتخابية السياسية تؤدي الى النتائج التي ظهرت في الضاحية والبقاع وربما تظهر في الجنوب.
6 ـ وتتساءل الأوساط أخيراً: هل أن كل ما سبقت إثارته آنفاً من أسئلة وافتراضات صحيح، أم أن للأمر (البلديات ونتائجها) علاقةً بإعادة صياغة معيّنة للمعادلة السياسية اللبنانية ككلّ بصعيدٍ له صلة بـ"الخارج" وآخر مستقلّ نسبياً عنه؟ أم أن المسألة أكثر تشابكاً مما يبدو في الظاهر؟
"الفكّ" ليس "شرّاً مطلقاً"
رابعاً ـ وفي انتظار "أمل" والرئيس نبيه بري إن حكيا، كما في انتظار "حزب الله" أن يوضح المزيد، وفي مرحلة تزايد التحليلات التي لا "تشبعُها" مقولات من نوع أن "البلديات استحقاق إنمائي وعائلي" أو أن "البلديات استحقاق إنمائي ذو نكهة سياسية"، تبدي الأوساط الشيعية المستقلة اعتقادها أن "الفكّ" بين الحركة والحزب ليس "شرّاً مطلقاً"، ذلك أن في وِسع "أمل" أن "تستوعب" النتائج وتصوّب الأداء، وفي وِسع "حزب الله" أن يمارس دوراً سياسياً بحجمه. بيد أن الأهم أن هذا "الفكّ" قابل للإفساح في المجال أمام حراك سياسي في البيئة الشيعية يعيدها الى ما كانت عليه لجهة تعدديتها... إلا إذا كان الأمر سيسلك وجهةً أخرى ما بعد مرحلة الثنائية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00