8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بيان بكركي الأخير يمنح "اللقاء" فرصة "حركة تصحيحية" تفتح المعارضة على مشروع وطني عام

في انتظار ما ستكشف عنه الانتخابات البلدية في محطّاتها اللاحقة من نتائج ودلالات سياسية لا بد من تحليلها، واستكمالاً لتحليل المرحلة الأولى منها في جبل لبنان في سبيل رسم الصورة "الأخيرة" التي أفضت اليها، تتوقف الأوساط السياسية أمام ميزان الربح والخسارة المتشكّل عبر المرحلة الأولى هذه.
أولاً ـ لا شكّ بداية انه "يجب" تصفية الحساب مرة أخيرة وإلى الأبد، مع مقولة أن السلطة، أي فريق الحكم ضمنَها، حقّقت انتصاراً سياسيّاً في الانتخابات البلدية يعيد الاعتبار إلى علاقة هذا الفريق بالبيئة المسيحية. والحسم هنا بأنه لا يمكن تسجيل أيَّ انتصارٍ في خانة فريق الحكم، لا ينطلق فقط من حقيقة أن رموزاً أساسيّين لهذا الفريق سقطوا في الاختبار الشعبي، من جبيل إلى جونية إلى دير القمر، ولا ينطلق من المبالغة التي لجأ إليها النائب ميشال المرّ في تصوير النتائج في المتن الشمالي على أنها مبايعة له وللتمديد لرئاسة الجمهورية، علماً أن المرّ كان "يسيطر" على عدد أكبر من البلديات في العام 1998، فخُرقت لائحته في انتخابات العام 2000النيابية خروقاً قاسية، وسقط مرشحه في الانتخابات الفرعية عام 2002، بل ينطلق الحسمُ بأن لا انتصار سياسياً حقيقياً لفريق الحكم، من أن المسار الانتخابي لم يفسح في المجال أمام فرز صارخ بين سلطة ومعارضة، ومن أن عدم تحقيق المعارضة نتائج متقدمة لا يسجَّل في خانة السلطة وفريقها. وهذا على أيّ حال ما حدا بمجلس المطارنة الموارنة الأسبوع الماضي إلى الدعوة إلى عدم تحميل النتائج المعاني التي يُريدها "البعض".
عون ـ الكتلة
ثانياً ـ بيد أن تصفية الحساب مرّة أخيرة وإلى الأبد مع مقولة أن ثمّة انتصارات حقّقها فريق الحكم، لا تقفل الباب أمام جردة حساب مع المعارضة المسيحية وعدد من تلاوينها.
1 ـ في رأي الأوساط انه يمكن القول من دون تردّد ان العماد ميشال عون و"التيار الوطني الحر" خرجا من الاستحقاق البلدي في الجبل مثقليْن بجراح كبيرة، إذ لم يتحقق أيٌّ من الأهداف التي رسماها. فلا "التيار" نجح في مناطق كانت تُحسب من معاقله، ولا هو نجح في تسجيل اختراقات ذات معنى إلا في أمكنة قليلة حيث لم يكن بمفرده، ولا هو أثبت الحضور السياسي ـ الشعبي الذي كان يطمحُ إلى البرهنة عليه، ولا هو في موقع القدرة على النطق باسم المعارضة، الأمر الذي مثّل همَّه الرئيسي خلال الفترة الماضية.
2 ـ وفي رأي الأوساط كذلك أن حزب "الكتلة الوطنية" واجه سقوطاً تاريخياً مدوّياً، يمكن معه القول أن "الكتلة" خرجت من دائرة التأثير السياسي كلياً.
"القرنة" بين من تراجع ومن احتفط بوضعه
3 ـ واذا كان التقويم لـ"التيار العوني" و"الكتلة الوطنية" يفيد أنهما حقّقا تراجعاً، يصل بالنسبة الى "الكتلة"، إلى حد الاضمحلال، فإن "لقاء قرنة شهوان" انقسم بين فئة جرّحتها الانتخابات البلدية وفئة ثانية حافظت على مواقعها.
أ ـ مما لا شك فيه أن تيار الرئيس أمين الجميل تراجع في مناطق نفوذه التقليدية، وأُثخن بالجراح سياسياً، على نحو هزّ صورته منذ عودة الرئيس السابق صيف العام 2000 مروراً بالمحطات التالية وصولاً إلى هذا التاريخ. وبمعنىً من المعاني، فقد أُصيب الجميل بما أصيب به عون تماماً لانه اعتبر الانتخابات البلدية مناسبة لاختبار الاحجام، ولأنه مارس سياسة "الحزب القائد" حتى على أقرب حلفائه.
ب ـ ولا شكّ أيضاً ان النائب منصور البون خرج من المعركة البلدية مجرّحاً ومتراجعاً، ولا ينفع البون التفتيش عن أسباب هزيمته خارج الدائرة المحدّدة، أي الفشل في خوض معركة مستقلة عن أحد رموز فريق الحكم. وكان حلفاء للبون في إطار "لقاء القرنة" صريحين معه في تحذيره من انه سيدفع ثمن أي التباس في المعركة في عاصمة كسروان.
ج ـ ويمكن القول إن "حزب الوطنيين الأحرار" احتفظ بمواقعه إلى حدٍّ معيّن، و"القوات اللبنانية" لم تدخل المواجهات مفضِّلة الإبقاء على "عافيتها" لمراحلَ لاحقة. كذلك حافظ النائب نسيب لحود في المتن والنائب فارس سعيد في جبيل على حضورهما ومواقعهما، وإن لم يحقّقا تقدّماً مدوّياً.
بطرس حرب ـ نايلة معوض
4 ـ غير أن الأوساط التي تجري هذا التقويم، واضعة أطراف "القرنة" بين حديّ التراجع (الجميل خصوصاً) والبقاء على نفس الحال بنسبة أو بأخرى (شخصيات نيابية وتيارات حزبية) تتوقف حتى قبل حصول الانتخابات البلدية في المناطق الأخرى، عند سلوك أعضاء في "القرنة".
أ ـ النائب بطرس حرب: لم يكن للنائب حرب صوتٌ مسموع في مرحلتي التمهيد للانتخابات البلدية ثم الانتخابات نفسها في جبل لبنان، وهذا أمر طبيعي لنائب لا نفوذ له في هذه المنطقة. غير أن حرب الذي لم يسمع له نقد لأداء المعارضة بما في ذلك داخل اجتماعات "القرنة"، خرج "فجأة" بعد النتائج ليحمل على المعارضة، بما في ذلك "القرنة" نفسها أساساً. وبما انه لم يُعرف عن حرب "تحرّقه" على المعارضة ونجاحها كما تدل التجربة في أكثر من محطة، فلا بد أن ثمّة أسباباً وراء هذا "الهجوم" على "القرنة" والمعارضة.. المسيحية.
في هذا المجال، يروى في عدد من المجالس غير المعارضة ان النائب حرب الذي كان وعد حلفاءه في "الجبهة الوطنية للاصلاح" بالانسحاب من "القرنة" بسبب "عدم الملاءمة" بين العضوية في "القرنة" والعضوية في "الجبهة" كان بعيد اعلان نتائج الانتخابات البلدية في جبل لبنان والهجوم الذي شنه على المعارضة، على وشك عقد مؤتمرصحافي يعلن انسحابه من "القرنة".
ويروى أيضاً ان النائب حرب الذي التقى أكثر من مرة "المرجع الكبير" بعيداً عن الاعلام، يطلب بواسطة هذا المرجع زيارة العاصمة السورية، وان الطلب هذا سُجِّل في دمشق. ويروى أخيراً ان حرب المرشّح إلى رئاسة الجمهورية، يحاول أن يسوّق نفسه في سوريا، رئيساً للبنان في حال لم تسر دمشق لسبب أو لآخر في التمديد للرئيس الحالي، حاملاً "مشروع" تغيير على مستوى المسؤوليات في السلطة. وكل ذلك، ما يجعل العديد من الأوساط يراقب ما اذا كان حرب سيخرج من "القرنة" قبل زيارته دمشق أو بعدها. وعلى أي حال، فقد أشار إلى ذلك مسؤول الإعلام في "التيار العوني" الياس الزغبي خلال حوار تلفزيوني الخميس الماضي.
ب ـ النائب نايلة معوض: ومع انها لم تسجّل اعتراضاً على الأداء القرنوي خلال الانتخابات البلدية ولم تعلن مواقف من نتائجها، فان النائب معوض التي أعلنت ترشُّحها إلى رئاسة الجمهورية ورفعت شعار "رئيس صنع في لبنان"، تأمل أن تكون حظوظها في الرئاسة كبيرة، اذا كان للولايات المتحدة دور أكبر هذه المرة في الاستحقاق الرئاسي اللبناني. بكلام آخر، اذا كان حرب "يراهن" على إمكان اعتماده سورياً، فإن معوض "تراهن" على اتفاق سوري ـ أميركي بـ"أرجحية" أميركية... وكلاهما يبدو مختلفاً عن المرشّح ـ غير المرشّح النائب نسيب لحود الذي يبدو رهانه منعقداً أكثر على تفاهم لبناني يفرض نفسه.
ج ـ بالإضافة اذاً إلى نتائج الانتخابات البلدية في جبل لبنان التي أعطت اشارات واضحة إلى واقع المعارضة عموماً، و"لقاء القرنة" خصوصاً، فإن أداء النائبين حرب ومعوض خارج سياق الانتخابات البلدية يؤشر الى نقطة ضعف للمعارضة قد تكون معوض أكثر من حرب قادرة على استدراكها. ويمكن أن تضاف نقاط ضعف أخرى يمثلها عدد من الشخصيات المشاركة في "القرنة".
بيان المطارنة: حركة تصحيحية
ثالثاً ـ في ضوء هذه المقدّمات جميعاً، لا يمكن بحسب الأوساط السياسية فهم البيان الأخير لمجلس المطارنة الموارنة الذي انعقد برئاسة البطريرك نصرالله بطرس صفير، إلا بوصفه احباطاً لمحاولة فريق الحكم تصوير أن ثمّة انتصارات حققها تأسيساً لاستحقاقات مقبلة من جهة، وبوصفه استدعاء للمعارضة ("القرنة" تحديداً) الى بيت الطاعة في بكركي.
من هنا تعتبر هذه الأوساط أن بيان بكركي يمثل بالنسبة إلى القرنة بمثابة إشارة انطلاق نحو حركة "تصحيحية" إما أن تستجيب "القرنة" لها وإما ان يتساقط منها المبتعدون أكثر فأكثر عن خط بكركي أو الساعون إلى "استغلالها". والمعايير في اطار هذه "الحركة التصحيحية" تبدأ في اعادة الاعتبار للمبادئ التي انطلقت منها "القرنة" عند تأسيسها بوصفها لقاء معارضاً، وتصل الى جعلها جزءاً رئيسياً من مشروع وطني لبناني عام يمر بالانفتاح على الشركاء المسلمين، وتستفيد من انتهاء كل المزايدات عليها، عن يمينها (عونياً) وعن يسارها (سلطوياً)، لتؤسس لمعارضة مستقلة تكتسب شطراً رئيسياً من شرعيتها من علاقتها بالبطريرك ومن انفتاحها على المسلمين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00