استغرقت الأوساط السياسية على اختلافها خلال اليومين الماضيين في قراءة نتائج الانتخابات البلدية في جبل لبنان ودلالاتها، على صعيد المعارضة بشكل خاص، على اعتبار انّ الجبل هو ساحة الامتحان الحقيقي لهذه المعارضة وقياداتها. واعتبرت الأوساط في هذا المجال ان كلاماً صريحاً، جارحاً ربما، يجب أن يقال تقويماً لسياسة المعارضة وأدائها في سبيل دعوتها الى التصحيح قبل فوات الأوان.
تلفتُ الأوساط بداية الى انّها ستضع جانباً في معرض هذا التقويم أمرين لا ترى موجباً للتوقّف أمامهما، تفادياً لإفساد الصراحة المطلوبة. الأمر الأول، ادعاءات السلطة وفريقها حول انتصارات سياسية حققتها في طول البلديات وعرضها، في وقت يعرف القاصي والداني ان ذلك ليس صحيحاً حيث لم ينجح رموز أساسيّون من فريق الحكم كما حصل في جبيل ودير القمر وجونية على وجه الخصوص. وتضيف في هذا السياق انه حتى حيث بدا ان رمزاً من رموز فريق الحكم حقق نجاحاً ظاهراً، كما في المتن الشمالي مع النائب ميشال المرّ، فإن ثمة التباسات كبيرة. ذلك ان المرّ، مأخوذاً من أقواله، يقول انه خاض الاستحقاق البلدي بعيداً عن التسييس وانه سعى الى تحقيق أوسع توافق سياسي ـ عائلي من منطلق رفضه دعوة المعارضة الى اعتبار المعركة البلدية سياسية بامتياز... وإذا به عند إقفال صناديق الاقتراع يجيّر النتائج لمصلحة التمديد لرئيس الجمهورية، متناسياً ان ما حقّقه لا يعدو كونه احتفاظاً بمواقع كانت له في معظمها أصلاً، وان ما زاد من "بريق" نتائجه هو فقط انه أعاد الاعتبار لنفسه بعد فرعيّة المتن الشمالي لعام 2002.
أما الأمر الثاني الذي ترغب الأوساط في استبعاده من النقاش بعد تسجيله، فهو انهماك المعارضة في تفنيد ادعاءات فريق السلطة وفي تبرير الوقائع هنا أو هناك، وتسليط الضوء على نتيجة إيجابية هنالك، لأن منهجية مِن هذا القبيل لن تقود الى استخلاص أي عبرة حقيقية.
"التيّار العونيّ"
أولاً ـ لقد دلّت الانتخابات البلدية في جبل لبنان على ان ما انتهت اليه لجهة الطلاق الكامل بين تيّاري المعارضة، "لقاء قرنة شهوان"، و"التيّار الوطني الحرّ"، هو نتيجة منطقيّة كان يجري تأخير إعلانها رسميّاً من الجانبين. وإذا كان مفهوماً قبل الانتخابات انّ ثمة أصلاً سياسياً للافتراق هو الاختلاف بين معارضتين، إحداهما "تراهن" على إدراج مسألة التغيير في لبنان في سياق "محاسبة سوريا" أميركياً ("التيّار العونيّ") والثانية "تراهن" على التغيير عبر "تحريك" التوازن الداخلي ونشوء تفاهمات داخلية متدرّجة(قرنة "شهوان")، إذا كان ذلك مفهوماً قبل الانتخابات، فإن ما أبرزته التجربة الانتخابية هو ان "مزايدة" العونيين على القرنويين في المعارضة لا يستطيع القرنويون مجاراتها... الى النهاية، بالضبط لانّ "التيّار العونيّ" كان يخوض معركة إثبات انه "المعارضة" وأن لا معارضة غيره وأن له امتداداً شعبيّاً هائلاً.
سيكون من "الصعب" إقناع "التيّار" بأنه فشل في تحقيق هدفيه أي اختزال المعارضة والبرهنة على طاقته الشعبيّة الهائلة، لكنه من "الممكن" إقناع "القرنة" بأن سقوط احتمال التحالف مع "التيّار" نهائياً بالتجربة يحرّرها من المزايدات من ناحية ومن "عقدة" ان "الشارع المسيحي" متعاطف مع العونيين أو من "وهم" تأثير "التيّار" شعبيّاً، خاصة بعد أن ظهر بالملموس أن التأثير المفترض للعونيين غير قابل لـ"الصرف" سياسيّاً.
إدّه
ثانياً ـ ودلّت الانتخابات البلدية كما نتائجها، على ان حزب "الكتلة الوطنيّة" على عهد عميده كارلوس إده، سقط سقوطاً تاريخياً مدوّياً ليس فقط لأن إده سقط في موئله الأصلي في بلاد جبيل، بل لان "العميد" لم يستوِ خلال أربع سنوات من تولّيه سدّة "العمادة" على نهج سياسيّ خالٍ من "المصالح الصغيرة"، وجامع بين المعارضة والانفتاح كما كان عمّه الراحل ريمون إده، ولان العميد رفض بإصرار إعادة إعمار القاعدة الكتلوية في ميدان المعارضة والصراع للتغيير.
ثالثاً ـ وإذا كان من "الممكن" إقناع "القرنة" بأن الافتراق عن "التيّار" ضمن المعطيات المحدّدة آنفاً "يحرّرها" سياسيّاً، وبأن خروج إده منها كان بمثابة خروج الى "اللامكان"، فإن "القرنة" أبرزت خللاً فاضحاً وفادحاً خلال التجربة الانتخابية الأخيرة، يمكن الاستدلال عليه مِن مثالين رئيسيين نافرين:
الجميّل والبون
1 ـ كانت الانتخابات البلديّة مناسبة لإعادة اكتشاف حقيقة ان الرئيس أمين الجميّل يتعامل مع المتن بوصفه "اقليماً كتائبياً" خاضعاً لسيطرته، يقرّر فيه ما يشاء ويرفض أن يشاركه أحد في الموقف. حتى إذا ما رفض آخرون "الانصياع" لـ"القائد"، لم يكن لديه مانع من ممارسات تصبّ في إسقاط المعارضة، من الانسحاب في مناطق معيّنة الى تشكيل "لائحة ثالثة" في مناطق اخرى، الى التحالف المباشر مع خصم المعارضة النائب ميشال المرّ في مناطق ثالثة..من غير أن "يقبض" المقابل.. إلا إذا كان الهجوم غير المباشر الذي شنّه المرّ عليه في صيغة "ماذا فعل من كانوا في السلطة غير التأسيس للانهيار الاقتصادي"، من باب التغطية على أشياء تحت الطاولة.
وهنا، تعرب الأوساط عن اعتقادها ان على الجميل أن يقنع نفسه بأن "زمن الاقاليم" لم يعد له أي أساس، وان الصراع على الأحجام غير ذي جدوى كما من المفترض انه يعي ذلك من تجربته نفسها. ذلك ان الحجم مهما بلغ مداه، لا قيمة له إلا إذا انصرف في مسار سياسيّ معيّن وإلا انفجر الحجم وتشظى وهذا ما حصل لـ"كتائبه" فعلاً. وإذا كان يصحّ على الجميّل في موضوع الحجم ما يصحّ على "التيّار العونيّ"، فإن الجميّل مدرك بلا شكّ ان انضواءه في "لقاء قرنة شهوان" أعطاه، إذ انه بانضمامه الى "القرنة" التي حاولت التأسيس برعاية الكنيسة لتيّار ميثاقي، أسكت الكثيرين عن مطالبته بتقديم كشف حساب سياسيّ للمسيحيين واللبنانيين، وحصّن نفسه تالياً، ولعلّه يدرك الفارق الشاسع بين "القرنة" التي تخاطب المسيحيين بدروس تجربة الحرب و"الجبهة اللبنانية" التي قادت احدى ضفّتي الحرب.
2 ـ وكانت الانتخابات البلدية مناسبة أيضاً لإعادة اكتشاف قدرة النائب منصور غانم البون على ارتكاب الأخطاء السياسية الاستراتيجية القاتلة. ولعل البون يدرك بعد الانتخابات أنه لا يمكن أن يكون معارضاً و"يقترن" بأحد رموز فريق الحكم، وأنه لا يمكن أن "يلعب" على الناس فيقنعهم بأنه معارض ثم يحاول اقناعهم بأنه في "حلف ثابت" مع النائب جورج افرام.
رابعاً ـ وترى الأوساط أنها إذ تستدل بمثالين من الانتخابات البلدية على الخلل في "القرنة"، انما تضيف هذين المثالين الى لائحة يمكن أن تطول كثيراً لو جرى تعداد لائحة من الارتكابات السياسية قبل هذه الانتخابات. وتطرح في هذا السياق مجموعة من الملاحظات على النحو الآتي:
في الأصل لقاء "معارض"
أ ـ صحيح أن "لقاء القرنة" ليس جبهة بل لعلها تفقد مبرر وجودها لو تحولت الى "جبهة"، وصحيح أنه ليس مطلوباً منها أن تصدر قرارات ملزمة لمن يشارك في عضويتها، بيد أن الصحيح أيضاً أنها لقاء تشاوري "معارض".
ب ـ أن "القرنة" تأسست انطلاقاً من التمحور حول نداء المطارنة الموارنة لأيلول عام 2000، أي انها تشكلت على قاعدة التحلّق حول أدب سياسي بطريركي واضح. واذا كان من الخطأ تصنيف البطريرك بين الموالاة والمعارضة أو إدخاله في زواريب حتى لو كانت هذه الزواريب داخل "القرنة" نفسها، فالصحيح أن الخطاب السياسي البطريركي يفترض أنه أسس لانطلاق معارضة سياسية.
ج ـ ان "القرنة" كما يعيها أركان مؤسسون فيها، وكما يعيها متابعون لأدبياتها السياسية، هي حركة معارضة تقدم نفسها حركة تصحيح من ضمن الطائف، وعلى أساس استقطاب المسيحيين الى خطاب يستفيد من دروس الحرب الأهلية، وتأهيلهم للمشاركة في نظام سياسي لا يقدم امتيازات لأي طائفة. وبهذا المعنى، تفترض الأوساط أنه يستحيل أن تكون شخصية ما أو جهة ما داخل "القرنة" معارضة واختراقاً للسلطة في الوقت نفسه، وأنه لا يعقل أن تكون شخصية أوجهة في "القرنة" وتُوقّت الانقضاض عليها في لحظة معينة على إيقاع صفقة معينة محتملة مع السلطة، الأمر الذي يمكن أن ينطبق على عديدين ضمن عضوية هذا اللقاء الآن.
د ـ أن استظلال "القرنة" عباءة البطريرك، يعني التزام المبادئ العامة التي صاغتها "القرنة" والتي تكتسب شرعيتها من بكركي، ويفترض باعضاء اللقاء أن يحترموا مبادئ الخطاب البطريركي في أقل تقدير.
المسألة المركزية: الانفتاح وطنياً
هـ ـ وفي ضوء كل ما تقدم، تعتبر الأوساط أن المسألة المركزية اليوم ليست "وحدة المعارضة"، ليس فقط لاستمالة هذه الوحدة كما ظهر بالتجربة بين "القرنة" و"التيار الوطني الحر"، وليس بسبب أن التنوع المعارض مفيد على قاعدة "الضد يظهر حسنه الضد". والمسألة المركزية اليوم ليست أيضاً المحافظة على "قرنة شهوان" في حد ذاتها خدمة لـ"الموازييك "السياسي حتى لو كانت بلا فاعلية. كذلك ليست المسألة المركزية اليوم أن تسعى "القرنة" الى التفتيش عن "ذراع شعبية" في الشارع، خاصة بعد سقوط الأوهام، اضافة الى أن في "القرنة" شخصيات شعبية.
في رأي الأوساط اذاً ان المسألة المركزية بالنسبة الى "القرنة" تتعلق بالمرحلة المقبلة، أي بقدرة هذا الإطار على اطلاق دينامية انفتاح على الشريك المسلم في البلد، و"المهم" اليوم هو الذي لا يتقوقع ضمن حساباته الخاصة، وستكون "القرنة" مهمة اذا نجحت في هذا الامتحان، ونجاحها في هذا الامتحان لمصلحة البلد هو الذي سيخلق لها شعبيتها.
واذاكان الفرز بين تياري المعارضة صحياً ومفيداً، فلا بأس من الفرز ضمن "القرنة" نفسها على قاعدة التخفف من أثقالها إن لم تستطع الانتقال بكليّتها الى المرحلة المقبلة لتتجاوز أزمتها بالانفتاح على مشروع وطني عام ينقل البلاد الى التغيير. وهنا تختم الأوساط بالتشديد على أنه سيكون مهماً أن يتوازى الفرز "مسيحياً" مع الفرز على "الجانب المسلم" بين من ينفتح على مشروع وطني عام ومن يبقى على ما هو عليه، وهذا موضوع آخر يجب التطرق اليه على أي حال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.