بعد إعلان لائحة "وحدة بيروت" من دون ممثل لـ"الكتائب" ورئيسه كريم بقرادوني، لم تخل تعليقات شخصيّات وتيّارات مسيحيّة، بما في ذلك تعليقات جهات في "السلطة"، من "الشماتة" به ومن اعتبار أن بقرادوني "حصد شرّ أفعاله". وهذا المناخ السائد سياسياً والذي يبدو منسحباً هو نفسه على المستوى "الشعبي"، كان موضع بحث ومناقشة في العديد من الأوساط، انطلاقاً من محاولة الإجابة عن السؤال المحدد: لماذا يستقطب بقرداوني هذه "السلبية" كلها في البيئة المسيحية؟
وفي هذا الإطار، تعيّن أوساط سياسية مسيحية مجموعة من الأسباب الرئيسية:
افتقاد النزاهة
أولاً ـ يفتقد رئيس "الكتائب" من وجهة نظر هذه الأوساط النزاهة السياسية الشخصية، بمعنى أنه عندما يكون شخص سياسي ما في صميم سلسلة انقلابات سياسية تقوده الى النقيض ممّا انطلق منه في تاريخه السياسي، فإن ذلك يطرح أكثر من علامة استفهام حول المصداقيّة. ذلك أنه يستحيل أن يتقلّب شخص "عام" بين عدد من المشاريع السياسية ويجرّب حظه في كل مرة، وأن يكون مقنعاً، والسؤال الذي يبقى يلازمه هو الآتي: إذا كان ما قمت به في فترة معينة خاطئاً فما الضمانة في أنك هذه المرة في المكان الصحيح؟ وهل يستطيع شخص "عام" أن "يسوح" سياسياً و"براءة الأطفال في عينيه" عندما يخلّف وراءه رفاقاً أحياء وأمواتاً تركوه عند نقطة معيّنة ليكتشفوا أنه صار في مكان آخر؟
وحقيقة الأمر، أن الأوساط تطرح هنا مسألة لا تخص بقرادوني وحده بل هي تتعلق بكل من يتنطّح للشأن العام، أي مسألة النزاهة في الانتقال من مشروع الى آخر مع التفسير اللازم تجاه جمهور المشروع الذي يغادره هذا "الشخص العام" وجمهور المشروع الذي ينتقل إليه، ثم أي عدد من المشاريع يستطيع هذا الشخص العام أن "يتزوج"؟
ثانياً ـ وإذا كان افتقاد بقرادوني النزاهة السياسية الشخصية يمثّل السبب الأول الذي يمكن وصفه بأنه "انقلاب" على تاريخه، فإن السبب الثاني هو الانقلاب داخل الحزب. ومن يراجع تاريخ صعوده الى رئاسة الحزب وتسلّمه لمفاصله ولو أنه لم يتسلّم إلا "بقايا حزب"، يستطيع أن يكتشف بسهولة أن ذلك كان بمساعدة "خارجية" سلطوية، ومن ضمن صفقة قضت بطي أكثر من ملفّ مفتوح في وجهه لقاء جعل الحزب مجرّد أداة في يد "السلطة"، اعتقاداً من هذه "السلطة" ومن بقرادوني أن من الممكن جعل ما يبقى من الحزب مع تسلّم بقرادوني له حزباً يُعتمد عليه لا سيما في مجال اختراق البيئة المسيحية.
"الصفقة" و"نظرية الأقانيم"
ثالثاً ـ ولأن الصفقة المذكورة "عارية" وإن كانت تعطي بقرادوني فرصة لعب دور معيّن، ولأن كريم لا يستطيع إلا أن يقدم "نظرية" الموقع والدور الجديدين، فإنه سارع الى صوغ "النظرية" التي تحاول أن "تركّب" الدور على خلفية ثقافية ـ سياسية. وهنا عاد بقرادوني الى "الدفاتر العتيقة"، لـ"يستعير" من تاريخ "الكتائب" نظرية "الأقانيم الثلاثة" أي رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية والقضاء. وفي رأي الأوساط نفسها في هذا المجال أن بقرادوني سعى بواسطة هذه الاستعارة الى إقناع الكتائبيين بأن فيها تعويضاً لهم عن دور متراجع للحزب على صعيد النظام بمختلف مؤسساته، لكنه في الواقع لم يكن باحثاً سوى عن موقعه، الأمر الذي تُرجم بصيغة "مضحكة" إذ لم تدخل "الكتائب" الى الحكومة شريكاً في التمثيل الماروني بل من مدخل "الأقليات"، وهي في المجلس النيابي ممثلة بنائب من خارج "المركز".
على أي حال ـ والكلام دائماً للأوساط ـ وقع كريم عبر هذه الاستعارة في "فخّ" أن "نظرية الأقانيم الثلاثة" التي كان يمكن أن تكون "حقيقية" في مرحلة ما قبل الطائف لم تعد كذلك بعده، والأهم أن ما جعل "الكتائب" زمن مؤسسها الراحل بيار الجميّل تستطيع أن تعتمدها، هو بالدرجة الأولى "قوّتها" مسيحياً، وإن كانت هذه "القوة" ناجمة في تلك المرحلة من تاريخ لبنان عن "تطرّف" معيّن كان واحداً من أسباب الانفجار في أواسط السبعينات من القرن الماضي.
الانقلاب على الطائف
رابعاً ـ وتأسيساً على ما سبق ذكره، فإن الأوساط تعتقد أن الاستعارة من التاريخ لتلك النظرية، مثّلت ذروة انقلاب كريم على الطائف، بمعنى أن النظرية "لم تركب" ليس فقط لأن أي شعار في مرحلة معيّنة يمكن أن يؤدي الى عكسه في مرحلة أخرى، بل لأن الطائف أرسى دستوراً يقوم على تحقيق المشاركة ولا ينهض على نظام شبه رئاسي. وللتذكير هنا أيضاً فإن بقرادوني لا يستعير من التاريخ في غير سياقه وحسب، بل هو ينقلب على الطائف وعلى رئيس "الكتائب" الراحل جورج سعادة الذي كان واحداً من مجموعة رئيسية ساهمت في إنجاز هذه التسوية. وإذا كان سعادة والحزب على عهده دفعا ثمناً يمكن النقاش طويلاً في ما أدى إليه، فالحق يُقال أن تمسّك سعادة في بقاء الحزب قوة تمثيلية ضمن البيئة المسيحية (مع الاستعداد للانفتاح على الشريك المسلم) لم يكن خطأ ولا سبباً من أسباب ذلك "الثمن" الذي قيّض له أن يدفعه.
الخاسر في كل الاتجاهات
خامساً ـ الى كل ما تقدّم، تضاف حقيقة أن بقرادوني ضيّع "البوصلة" المسيحية. بكلام آخر، ان رئيس هذا "الجناح" الكتائبي، لم يعِر أي اهتمام لما يريده المسيحيون بالفعل. ذلك أن المسيحيين لا يكمنون بهدف الانقلاب على الطائف ولا يتطلّعون كما تعبّر المرجعية المسيحية ـ الوطنية الأولى ممثلة بالبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، إلاّ الى تطبيق الطائف، ولطالما أعلن البطريرك رفضه أي "إغراء" بتعديل الدستور، مصراً على أن تطبيقه هو الأساس. وواقع الأمر أن المسيحيين يرون أن مصدر الخلل يتمثّل بالسياق غير الطبيعي لإنتاج السلطة، وبالدرجة الأولى بالعلل الكثيرة التي قامت عليها قوانين الانتخاب بعد الطائف.
سادساً ـ بهذا المعنى فإن بقرادوني وضع نفسه ومن بقي من الحزب خارج البيئة المسيحية وخارج ما تصبو إليه، ولم تنجح محاولة فرضه أحد ممثلي هذه البيئة، والحديث هنا عن البيئة المسيحية المعتدلة وليس عن تيار سياسي بعينه.
وفيما لم يكسب بيئته، لم ينجح في تحقيق انفتاحات باتجاه الشريك المسلم، إلاّ إذا كان يعتبر مشاركته في "لقاء الأحزاب" أو في "مؤتمر قومي" من هنا و"إسلامي" من هناك، تمثّل مكسباً، كان يمكن تحصيله على أي حال بظروف وشروط أخرى. وهكذا يجد الحزب نفسه في ظلّ رئاسته معزولاً على المستويين المسيحي والمسلم.. ولم يعزله أحد.
سابعاً ـ وعطفاً على كل ما جرى الحديث فيه حتى الآن، تلفت الأوساط السياسية المسيحية الى أن بقرادوني جاء بـ"نظريته" وممارسته يبتعد عن محاولة إخراج "الكتائب" من إشكالية تاريخية بين "القوة والتطرّف" و"الاعتدال والوهن"، لإعادة تقديم "الكتائب" حزباً مستفيداً من دروس التجربة على قاعدة "القوة في الاعتدال" أي أن يكون ذا قوة تمثيلية وملتزماً بالعيش المشترك في آن، مع الاعتراف سلفاً بأن هذه المعادلة تحتاج الى "شقاء"، لكن عديدين اختبروا ذلك ونجحوا الى حدّ.. كبير.
من هنا، ترى الأوساط أن بقرادوني يحصد فعلاً ما "جنته" يداه، وان هذا "النفور" العابر للطوائف منه لا يفسّر إلاّ بسلسلة الانقلابات التي جرى رصدها آنفاً، حتى يقال أن المعترضين عليه داخل الحزب تتّسع صفوفهم. وتختم بالإشارة الى أن الكثيرين من الذين راهنوا بعد وصول كريم الى رئاسة الحزب، على أنه سيقضي عليه، يكسبون الرهان اليوم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.