مع تكاثر التصريحات والتوضيحات والشروح من قِبل مسؤولي "الأحزاب الستة"، يتضح أن ما سمّته هذه الأحزاب "مبادرة" لها على صعيد الاستحقاق البلدي في بيروت ينحصر في ثلاثة مطالب من الرئيس رفيق الحريري. فالمطلب الأول يتعلق بالتمثيل السنّي في لائحة "وحدة بيروت"، والثاني يتعلّق بتمثيل "كتائب" الوزير كريم بقرادوني، والثالث بالتمثيل الحزبي عموماً في هذه اللائحة. وتعتبر "الأحزاب" أن تلبية الرئيس الحريري هذه المطالب شرط لإنجاز وفاق بلدي في العاصمة.
حيال هذا الطرح، تسجّل أوساط سياسية مجموعة من الملاحظات "المنهجية" و"المبدئية" في آن:
أولاً ـ ان تحقيق الوفاق بمعناه "الشائع" أي التوازن الطائفي، شكّل على الدوام هدفاً للرئيس رفيق الحريري جاهر به وطبّقه في الانتخابات البلدية عام 1998 عندما دعم لائحة يتساوى ضمنها التمثيل المسلم والتمثيل المسيحي، ودعا إليه لانتخابات هذا العام إذ شدّد على مجلس بلدي متساو بين المسلمين والمسيحيين.
ثانياً ـ من المفترض إذاً بحسب الأوساط في ضوء تعريف الوفاق على أنه التوازن الطائفي الذي يشكّل عنواناً للصيغة اللبنانية، أي صيغة الطائف، أن لا يكون ثمة اعتراض من أحد على اللائحة المدعومة من الحريري، حتى عندما دعا الى اعتماد الصيغة نفسها التي قام عليها المجلس البلدي الحالي. لذلك، وبما أن الاعتراض لا يمكن أن يكون على الوفاق معرّفاً على انه التوازن الطائفي منطقياً، فلربما كان سبب الاعتراض أن المعترضين يريدون حشد الجميع سياسياً في لائحة واحدة. لكن ثمة فارقاً بين الوفاق بمعناه "الوطني"، أي التوازن الطائفي تكراراً، وبين الوفاق بمعناه "السياسي" المباشر، ذلك أنه ليس محتّماً كي تكون لائحة ما وفاقية أن تضمّ الجميع، لأنه إذ ذاك يجري وضع الوفاق في مواجهة الديموقراطية وهذا خطير جداً، تماماً لأن الوفاق لا يلغي تعدّد الخيارات السياسية.
ثالثاً ـ والحال انه إذا أخذ الجميع بالوفاق بمعناه الشائع، يمكن أن تتشكّل لوائح عدة ملتزمة بهذا المعيار، وتتنافس سياسياً وإنمائياً. ويصبح ثمة خطر على الوفاق لو تشكّلت لوائح متقابلة من ألوان طائفية معيّنة، وجرى تحكيم الأكثريات الطائفية لعزل أقليات طائفية بحسب المناطق. غير أن الضامن لعدم حصول ذلك هو القيادة السياسية في ائتلاف معيّن، وفي هذه الحال، لا تشكو اللائحة المدعومة من الحريري من ثُغر على صعيد وفاقيّتها.
رابعاً ـ ولمزيد من الإيضاح، وإذا أخذت تجربة "حكومات الوفاق الوطني" في لبنان نموذجاً، يمكن القول ان هذه الحكومات كانت متوازنة طائفياً، بيد أن المشكلة التي واجهتها عموماً تكمن في ان بعض من شاركوا فيها على خانة طوائفهم لم يكونوا دائماً ممثلين لتيارات فاعلة في بيئاتهم الطائفية، وبعضهم باسم اللاطائفية تجاهل المعطى الطائفي ولم يُقم اعتباراً لمفهوم العيش المشترك. ومن دون دخول في التفاصيل فان المشكلة ليست في وجود طوائف بل في وجود انغلاق من هنا وهناك، فضلاً عن ان الطائف لم يترافق مع آليات سياسية تعيد انتاج الوفاق. وترى الأوساط انه بناء على ذلك، يصبح تعريف الوفاق واجباً، على انه التوازن الطائفي من جهة، والتوازن السياسي الذي تنتجه عملية ديموقراطية من ضمن قواعد ميثاق العيش المشترك من جهة أخرى.
"التمثيل السني" وبقرادوني
خامساً ـ وبما ان اعتراض الأحزاب على اللائحة التي يدعمها الرئيس الحريري، لا يمكن ـ منطقياً ـ أن يكون منطلقاً من رفض "المبادئ" السابقة، فهل يصح الاعتراض اذاً كي تكون ثمة "مبادرة"؟
1 ـ ان الكلام عن التمثيل السني تحت عنوان التعددية السنية، أمر يدعو الى الأسف من وجهة نظر الأوساط المتابعة نفسها، خاصة عندما يأتي من أحزاب بعضها يمثل بيئات طائفية وبعضها الآخر يعلن أنه علماني. والى ذلك يضاف ان التعددية تفرزها أو لا تفرزها نتائج الانتخابات ولا يمكن أن يفرض على أحد تحت عنوان التعددية أن يشرك خصوماً سياسيين في لائحته والا لماذا ثمة معركة انتخابية؟. ومع ذلك فبعض كبير من التعددية متوافر في لائحة الحريري لو أخذ باقتراحه تجديد صيغة المجلس البلدي الحالي حيث يتمثل النائب السابق تمام سلام و"الجماعة الاسلامية"، وكذلك الرئيس سليم الحص الذي خرق حليفه عبد الحميد فاخوري لائحة الحريري عام 1998.
2 ـ أما الكلام عن تمثيل الجناح الكتائبي الذي يرأسه بقرادوني، فيتجاهل الخصومة السياسية التي أشهرها ضد الرئيس الحريري بضراوة، ووصلت الى حد الاعتراض على أي مشروع لمجرد ان الحريري يطرحه، كما يتجاهل حقيقة ان هذا الجناح الكتائبي اثبت بالفرصة التي اخذها انه منبوذ في بيئته. لكن ما يؤسف له، هو أن الأحزاب تكاد تختزل "نضالها" في المعركة البلدية الحالية بتمثيل بقرادوني، وتساؤل الأمين القطري لـ"البعث العربي الاشتراكي" الوزير عاصم قانصوه: ومن له في بيروت أكثر من الكتائب؟، وما يؤسف له أيضاً أن هذه الأحزاب تريد أن تفرض مصالحتها مع الكتائب معطىً وفاقياً في حدّ ذاته.
3 ـ اما الحديث عن التمثيل الحزبي، فهو يتجاهل واقع ان اللائحة التي يدعمها الحريري تشارك فيها أحزاب، ولا ينطلق الحريري من رفض التعامل مع أحزاب، وهو يقبل بأحزاب تختلف معه لكنها لا تضع محاربتها له عنواناً لـ"قضيتها"، ويقبل بأحزاب تختلف معه لكنها ذات وزن تمثيلي، ونموذج التعاون البلدي مع "حزب الله" يصح اعتماده.
"مبادرة" لمنع التنافس
من هنا، تصل الأوساط السياسية المتابعة الى استنتاج رئيسي: عندما لا يكون هناك سبب للطعن في وفاقية لائحة الرئيس الحريري، وعندما لا يكون هناك سبب للطعن في القدرة التمثيلية لهذه اللائحة، وعندما تشتغل الأحزاب وبعضها عقائدي في شغل ليس شغلها، يصبح من الواضح ان وراء ما يسمى "مبادرة" مجموعة من الاحتمالات:
أ ـ أن عدداً من هذه الأحزاب عاجز في حال عدم تحقيق توافق في لائحة واحدة مع الرئيس الحريري، عن تشكيل لائحة وفاق بالمعنى المحدد آنفاً، ويرمي مشكلته على الآخرين.
ب ـ أن عدداً من هذه الأحزاب "ضيّع" بعد ابتعاده عن ساحات النضال، مهمة رئيسية للأحزاب هي تطوير الديموقراطية، الأمر الذي تشكّل المنافسة وجهاً رئيسياً منه، كما "ضيّع" حقيقة ان الديموقراطية تبنى "من تحت"، مع "الجماهير" (باللغة الحزبية) ومن مصلحة الأحزاب قبل غيرها أن يستعاد البلد الى سياق ديموقراطي طبيعي.
ج ـ ان عدداً من هذه الأحزاب يعرف سلفاً ان حصول معركة انتخابية سيفرز نتائج غير مريحة له، وبما ان عدداً منها يعرف أيضاً أن البعض يريد لأهداف سياسية مباشرة أن يمنع تظهير نتائج سياسية للمعركة البلدية، فإن المقصود يصبح إجهاض العملية الديموقراطية. وإلا كيف يفسّر بعض هذه الأحزاب أن تكون "مبادرة" في بيروت وتكون معارك في أمكنة أخرى؟ وكيف يفسّر بعض هذه الأحزاب واقع أن إعلان التوافق السياسي المسبق في بعض المناطق لم يحُل دون انطلاق معارك حامية فيها لأن ثمة مصلحة لهذا التنظيم أو ذاك في تحقيق انتصار هنا أو هناك؟
وتختم الأوساط السياسية المتابعة بالتشديد على أن المسألة التي تطرحها "مبادرة" الأحزاب هي بالضبط تصوّر أصحابها أن البديل من التوافق الذي "يعلّب" الجميع في "بوسطة" واحدة هو اهتزاز الاستقرار، وان الديموقراطية صنو اللا أمان. وذلك في قت يقدّر العديد من المراقبين أن تكون حاسة "حزب الله" وحساسيته حيال الوضع "المذهبي" في العاصمة قويّتين، وانه يسعى الى تجنّب معركة، لكن ليس لذلك سبيل وحيد ومكانه مع "أمل" محفوظ حتماً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.