في العام 1992، قاطع تمّام سلام الانتخابات النيابيّة الأولى بعد الحرب. وتماهت مقاطعته حينذاك مع المقاطعة المسيحية شبه الشاملة لذلك الاستحقاق، والتي أدّت (المقاطعة) الى الطعن بوفاقية الانتخابات والى التشكيك المسبق بديموقراطيتها. وبهذا المعنى، وفي امتداد التاريخ العريق لدار الرئيس الراحل صائب سلام في الحرص على "الوفاق" وعلى "جناحي" لبنان وعلى "لبنان واحد لا لبنانان"، يمكن تفهّم موقف تمّام على أنه يأتي في سياق تقليد "سلاميّ" لم ينقطع حتى خلال الحرب بمحطاتها كافة. بيد أن هذا الموقف "كلّفه" غضباً سورياً على ما قيل آنذاك، لسبب رئيسيّ وهو أن سلام كان القيادي المسلم الوحيد في تلك المرحلة الذي "يغطّي" المقاطعة المسيحية.
في العام 1996، تفكّكت المقاطعة المسيحية كما هو معروف بعد سلسلة تطوّرات، فقرّر تمّام خوض الاستحقاق الانتخابي. ومع قراره هذا، كان الغضب السوري عليه لا يزال مستمراً، على ما قيل في تلك الفترة أيضاً. شكّل الرئيس رفيق الحريري لائحته في بيروت خالية من اسم سلام، لكنه قبل أيام قليلة من موعد الاقتراع، عمّم على مناصريه أن ينتخبوا تمّام لأن دار آل سلام يجب أن تبقى مفتوحة. والكلّ يعرف أن موقف الحريري "كلّفه" أن خرقت لائحته، لكن وحده تمّام سلام لم يعترف للحريري بـ"جميل"، وتصرّف على أساس أنه حصّل المقعد النيابي بـ"زنده" من دون مساعدة.
لم يتوقف الحريري كثيراً عند ذلك. وفي العام 1998 مع الاستحقاق البلدي، شاركه الحريري في العملية الوفاقية لإنتاج لائحة بلدية تحمل عبء المسألة الإنمائية في العاصمة، وتمثّل تمّام في هذه اللائحة. أمّا في العام 2000، حيث كانت الأحوال قد تبدّلت على مستوى الحكم وفُرض مناخ من الحملات الابتزازية على الحريري المعارض، فقد حرص رئيس الحكومة على مشاركة النائب السابق معه، ودعاه الى أن يكون مع محمد المشنوق على رأس اللائحة في الدائرة الثانية في بيروت، لكن تمّام الذي كان يعتقد أنه مع تبدّل أحوال الحكم صار حاجة للحريري، والذي كانت استطلاعات قدّمت له أقنعته بأن الحريري ضعف عن السابق، وضع مجموعة من الشروط من بينها إبقاء المقعد الأرثوذكسي شاغراً أي ألا يملأ بالنائب بشارة مرهج، وذلك ليتمكّن من "تمرير" النائب السابق نجاح واكيم. وعندما لم يوافق الحريري على هذه الاشتراطات مجدِّداً عرضه على تمّام، رفض هذا الأخير وهو على "قناعة" بأنه سينتصر في مواجهة الحريري.
أمثلة من هجمات تمّام
والخلاصة من وراء هذه المقدّمة، هي أن تمّام سلام كان المبادر دائماً الى عدم الاعتراف للحريري بأي "جميل"، لا بل تصرّف من موقع "تربيح الجميل"، في وقت لم يسعَ الحريري خلال تلك الفترة التي امتدّت حتى العام 2000 عندما سقط تمّام بـ"زنده" سقوطاً مدوّياً، الى تهميشه أو إلغائه أو إسقاطه من الاعتبار. غير أن تمّام سلام وبدلاً من أن يصحّح "إحداثياته"، استمر في القصف على الحريري. وعلى ذلك يمكن أن تعطى أمثلة عديدة من بينها الأمثلة الآتية:
1 ـ الهجوم المتواصل على الحريري رئيساً لمجلس الوزراء واتهامه بما يسمّى التفريط بصلاحيات رئاسة الحكومة، من دون أن يقول كلمة واحدة عن استهداف هذا الموقع من قبل الحكم وفريقه (حليفي تمّام)، كأنه ليس ابن الرئيس الراحل صائب سلام الذي كانت له صولات دفاعاً عن رئاسة الحكومة قبل الطائف.
2 ـ وفي امتداد الاشتراك في الحملات على الرئيس الحريري، ساهم تمّام في تشكيل "اللقاء السنّي" وإطلاقه من منزله، ضدّ الحريري.
3 ـ وللتذكير أيضاً، تواطأ تمّام سلام ضدّ اتفاق الرئيس الحريري ومفتي الجمهورية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني بشأن بناء "مسجد محمد الأمين" الذي لم يكن ممكناً قبل حلّ "الجمعية"، ولدى طرح حلّ "جمعية محمد الأمين" على جدول أعمال مجلس الوزراء أجرى سلام اتصالات شخصية مباشرة بالوزراء تحت عنوان "امنعوا حلّ الجمعية"، وطلب من رئيس الجمهورية الأمر نفسه، علماً أن حلّ الجمعية كان يحظى بموافقة وزير الداخلية.
"مشنوقيّات"
4 ـ وأخيراً وليس آخراً، قبل أيام فقط، حاول تمّام أن يدقّ إسفيناً إضافياً بين الرئيس الحريري ودمشق، وإذا بـ"ظلّه" محمد المشنوق يصوغ "نظرية" عجيبة نقلت الى زعيم سياسي، وتقول إن رئيس مجلس الوزراء يرفض التوافق في بيروت لأنه كان على علم مسبق بما سيقوله الرئيس الأميركي جورج بوش لرئيس الوزراء ارييل شارون، وإن الحريري يستقوي بهذه التطوّرات على سوريا التي تدعم التوافق في بيروت (كذا!). وبالمناسبة، قال الزعيم السياسي الذي بلغته هذه "النظرية السلاميّة ـ المشنوقيّة" إن ما قاله بوش لشارون كان يمكن معرفته ببساطة عبر الصحف قبل أسابيع من لقاء البيت الأبيض. ولا يخفى في هذا المجال أن ابتكار هذه النظريّة يدخل في إطار محاولة الاستقواء بسوريا على كلّ منطق.
وبعد ذلك، يريد تمّام التوافق مع الحريري وأن يكون شريكه في تحقيقه. قال إن الحريري يريد الإيقاع بينه وبين العائلات، وأجاب على هذه المحاولة الحريرية المفترضة بامتداح ممثّله السابق في المجلس البلدي عمّار حوري وعائلته، لكنه نسي أنه كان هاجم حوري في إحدى الصحف لأنه صار حريريّاً كما يقول، ثم نسي أنه في اليوم التالي لردّه على محاولة الإيقاع الحريرية، أعلن أن المجلس البلدي الحالي الذي يفاخر بأنه كان له دور في قيامه، مفلس "ولم نرَ له برنامجاً منذ 6 سنوات".
المسيحيون و"السواطير"
و"الأنكى" من ذلك، ليس ما تحمله مواقف تمّام سلام من تناقضات تنمّ عن عدم استقرار سياسي، وليس دفعه شريكه الرئيس سليم الحص الى الخروج عن طوره أمس مسجّلاً اعتراضات على الأداء السياسي في المعركة البلدية في كلّ الاتجاهات، وليس محاولته إفشال تحرّك الأحزاب باتجاه الرئيس الحريري عبر تصعيده أول من أمس، بل "الأنكى" فعلاً هو أن تمّام المعروف وبيته بموقف سلبيّ من الأحزاب خصوصاً تلك المناضلة أو تلك المدّعية النضال، وهو القائل في مناسبات عدّة إن "بيروت للبيروتيين" وإن "ثمة أوادم وزعراناً"، يحاول الاستقواء بالأحزاب. وأكثر من ذلك، فإن تمّام الذي حاول في العام 1992 التأسيس لعلاقة طيّبة بالمسيحيين، لم يعد منذ سنوات طويلة يسلّف البيئة المسيحية أي "موقف هادئ"، فإذا به يحصد موقفاً سلبيّاً من التيّارات المسيحيّة كافة، لا يزيده سلبية سوى ما يتردّد عن نيّته التحالف مع "حَمَلَة السواطير" ضدّ المعارضة المسيحية في بيروت.
بقرادوني
والحقّ يقال هنا، أن تمّام لا يجاريه أو يضاهيه في الإدعاء إلا رئيس "الكتائب" كريم بقرادوني، وإن كان الفارق الوحيد بينهما أن تمّام سلام "مفاجئ" بينما بقرادوني رجل الانقلابات السياسية لا يفاجئ أحداً. وها هو بقرادوني الذي تنكّر لضمّ ممثل عن "الكتائب" الى اللائحة التي دعمها الرئيس الحريري عام 1998، قبل أن ينتقل الدكتور جورج سعادة الى رحمته تعالى، يحرق كتاب تاريخ الطائف الذي شارك في إعداده رئيسه الراحل، ويقود الحملات ضدّ الحريري وضدّ أي مشروع يأتي به الحريري أو أي مقرّب منه، لبيروت. وإذا كان مفهوماً أن "الصفقة" التي أعادت كريم الى الحياة السياسية بعد أن كان مهدّداً بـ"ملفّات"، تقتضي نوعاً من "التكويع"، فليس مقبولاً أن يكافأ كريم على مواقفه التي لم يثبت أنها مطمئنة للبيئة المسيحية أو لبيروت أو حتّى لـ"الكتائب" حيث تعلو نبرة الشكوى من سياسة الوزير.
وعلى أي حال، فإن كلام "التوافق" أشبه بـ"كلام حق يراد به باطل"، والهدف منه واضح: إبعاد شبح الهزيمة الانتخابية المحقّقة لمن لا تحركهم إلا عقد من هنا وأحقاد من هناك..








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.