في جديد العماد ميشال عون بحسب مصادر متابعة، تحالف وشيك بينه وبين النائب ميشال المر في المتن الشمالي، وذلك بعد سلسلة لقاءات بين "الميشالين" في باريس قبل عدة أيام. وبحسب المعلومات أيضاً، فان النائب المر يزور بكركي اليوم لإطلاع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير على "التوافق" في المتن، الذي تبين انه ليس قائماً بين المر والرئيس السابق أمين الجميل، بل بين المر وعون ضد الجميل. ومنذ عودة نائب المتن من فرنسا، تتواصل الاتصالات بينهما، وقد ترجم الأمر باتفاقات في غير مكان وبلدة من المنطقة.
المعلومة لا تكشف كل شيء عند هذا الحد. فالعلاقة القديمة بين الرجلين والتي قامت على تبادل الخدمات في مرحلة الحرب اللبنانية، خدمات يسديها كل واحد للآخر بحسب تبدل الظروف والأدوار، يتبين انها تتجدد. فاذا كان العماد عون قد "حمى" النائب المر في مرحلة رداً لجميل هذا الأخير بتقديم مسكنه الى الأول في فترة معينة أو العكس، فان "العقد" الجديد كما يتردد يتضمن التأسيس لتحالف في انتخابات العام 2005، وأن يحمي عون المر في حال تغير الأحوال أو أن يساعد المر عون في حال استمر الاطار العام للوضع اللبناني على ما هو عليه.
ومع أنه من المعروف ان أولوية العماد في المتن هي ضرب الجميل وان أولوية المر هي ضرب أي معارضة يمكن أن تهدد موقعه السياسي، ومع أن ثمة تقاطعاً بين أولوية هذا وأولوية ذاك، فان المستغرب، على أساس المعلومات الآنفة، أن يستمر الجنرال في رفع يافطة المعارضة المبدئية لـ"كل أجنحة السلطة ورموزها" في وقت يدل الأداء الانتخابي البلدي على عكس ذلك، بمقدار ما يدل على العديد من التناقضات، وذلك ما يمكن ملاحظته في الآتي:
الشرط على "القرنة": التطابق أو الافتراق
أولاً ـ على افتراض ان تحالفاً من نوع التحالف مع المر، أياً تكن صيغة هذا التحالف، لائحة مشتركة أو لائحتان أو تبادل تحت الطاولة، هو تحالف من النوع المشروع حتى بالنسبة الى "معارضة مبدئية"، فالملاحظ ان العماد لم يبدِ أي مرونة مع معارضين بمن منهم المعارضون ضمن "لقاء قرنة شهوان". والمعروف في مجال العلاقة بين عون وتياره من جهة و"القرنة" من جهة ثانية أن الأول اشترط إما التطابق أو الافتراق، في حين أن التحالف لا يعني تطابقاً في أي حال من الأحوال، ومن يستطيع عدم التطابق مع المر من أجل التحالف، كان يفترض به أن يقبل بعدم التطابق مع معارضة أخرى.
ثانياً ـ يتجلّى هذا الأداء العونيّ المتصلب تجاه المعارضة الأخرى ليس فقط في المتن الشمالي، والذي يمكن "فهمه" في اطار "العداوة" مع الجميل، بل تجلى ايضاً في جبيل وكسروان، وفي الشوف ضدّ رئيس "حزب الوطنيين الأحرار" دوري شمعون حيث يخوض "التيار" المعركة في دير القمر بـ "لائحة ثالثة" بين شمعون ولائحة العميد المتقاعد ادونيس نعمة.
تناقضات عونية
ثالثاً ـ وإذا كان شرط عون على "القرنة" هو التطابق، فمن حقّ المراقبين أن يسألوا العماد: أين يتطابق مع المرّ، وأين مع "حزب الله"، ومع نجاح واكيم ومع كارلوس ادّه ومع القوميين الاجتماعيين؟ ولماذا الاصرار على محاربة رموز "القرنة" كافة.. في كل مكان؟
واذا كان هذا السؤال طبيعياً ومشروعاً، فان الجواب عنه بديهيّ ايضا، وهو انّ هدف عون لا بل اولويته هي ضرب "القرنة" واختزال المعارضة في سبيل "مساومات" هنا وهناك وهنالك، والحال انّ عون يعرف تماماً ان استهداف "القرنة" بما ومن تمثّل، هو افادة صافية لـ "السلطة" التي لا يضيرها ابداً ان يحصل ما يحصل، اذ يسعى "فريق السلطة" تارة الى وصف عون بالتطرف من اجل شعار هذا الفريق "أما انا وأما عون"، ويسعى تارة اخرى الى اشكال من التحالف معه باسم انه "يملك قسطاً من الشارع"، وفي الحالتين يبدو الهدف واضحاً: إعدام وجود معارضة مسيحية ميثاقية. ولذلك يتخذ تحالف "فريق السلطة" مع عون في عدد من الاحيان صيغة عدم مضايقة حركته، واعطائه حريه التحالفات بـ "تحرير" الحلفاء للقيام بتحالف "مأذون".
مكاسب سياسية لـ "القرنة"
رابعاً ـ وسط هذه الصورة، لا جدال من وجهة نظر المصادر المتابعة في ان المبادرة الى الطلاق مع التيار الآخر من المعارضة المسيحية، جاءت من عون و "التيار الوطني الحر"، ولا شك في هذا المجال ايضا انّ أداء معظم فرقاء "القرنة"، سجّل سلفاً مجموعة من النقاط لمصلحتها، نقاط تأتي لـ "تحسم" في انّ للمعارضة عنواناً معروفاً هو "القرنة" بمعظم تلاوينها المستظلة بالبطريرك، وتأتي لـ "تحسم" باستحالة قدرة "التيار" على المزايدة على هذه المعارضة.
1 ـ خرجت "القرنة" من المعارك في عدد من المدن والبلدات المختلطة، قطعاً للطريق على أيّ اصطفاف طائفي من ناحية وتأكيداً للعيش المشترك المسيحي ـ الاسلاميّ من ناحية ثانية، وتعاونت حيث امكن مع فاعليات غير مسيحية من ناحية ثالثة.
2 ـ ولأن معظم "القرنة" يدرك تماماً انّ الشريك المسلم الراهن والمقبل لا "يخترعه" المسيحيون، وان هذا الشريك هو من ينتجه المسلمون انفسهم في اطار عملية ثقافية ـ سياسية ـ انتخابية مركبة، فان معظم "القرنة" يفتح عبر هذا الأداء أبواب التواصل مع المسلمين فلا ينعتهم كما يشاء ولا يركّب مقاييس للقيادات الاسلامية على ذوقه، وذلك في حين لا يزال "التيار العوني" أمام جدار سميك لم يُخرق في علاقاته بالمسلمين (باستثناء ضرورات حارة حريك ربما)، ولا تحل هذه الاشكالية بضعة اسماء من المسلمين الذين لا يمثلون بيئتهم.
3 ـ امّا في المناطق التي لا خط احمر عليها من زاوية اختلاطها، فقد حسم معظم "القرنة" السير في معركة معارضة صافية. وها هي "القرنة" اليوم، تستمر على التزامها القائم منذ العام 2001، اي منذ تأسيسها قبل ثلاث سنوات تماما بعدم مهاجمة عون او التهجم عليه، بينما يحصل العكس من جانبه وصولاً الى توجيهه الانتقادات الى البطريرك.
الفرز
خامساً ـ على ان المعارضة المسيحية المستظلة ببكركي، والتي أدت مبادرة العونيين الى الافتراق عنها لأنها رفضت معادلة "إما أن تكون المعارضة عونية أو لا تكون"، تعتبر أن هذا الفرز على صعيد الانتخابات البلدية، أتى متزامناً مع فرز من الطبيعي أن يحصل في ظل المعطيات الاقليمية والدولية المحيطة بلبنان. وبكلام آخر، تعتبر هذه المعارضة ان الافتراق بلدياً أمر ثانوي وستظهر نتائج الاستحقاق البلدي كم هو ثانوي فعلاً، بين "التيار" الذي سيخرج مجرّحاً من أخطائه، وبينها هي التي حرّرت بأدائها حركتها السياسية بأفق المرحلة المقبلة.
فـ"القرنة" التي وضعت نفسها في خط البطريرك وهي تشكلت في الأصل لدعم هذا الخط، ترى انّ الوضع الراهن لا يسمح بمراهنات ولا بأوهام ولا بمزايدات، كما لا يسمح بأي تلاعب بالعيش المشترك، وتعتبر أن المرحلة تستوجب تعقلاً وعقلنة لا يستويان مع الخط السياسي العوني، وانه من البديهي أن يولّد الظرف الراهن فرزاً ضمن كل "المعسكرات"، فرزاً يمهد لإعادة الضم والوصل، وكل ذلك مما لا يعود معه أمر تحالفات عون ذا موضوع فعلاً.. ومن "جرّب المجرّب كان عقله مخرّباً".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.