عند كلّ منعطف استراتيجي تجتازه المنطقة، يكثر الحديث هنا في لبنان عن ضرورة "الفرز" بين القوى والأطراف بمقياس المواقف من التطوّرات الإقليمية وليس بمقياس المواقف من كيفية التعامل مع هذه التطوّرات وإنعكاساتها لبنانياً، الأمر الذي من شأنه أن يدخل الوضع في تعقيدات شتّى بـ"شهادة" التجربة اللبنانية التاريخية نفسها.
هذا العنوان كان موضع نقاش العديد من الأوساط السياسية خلال الفترة الماضية، انطلاقاً من مجموعة تساؤلات: هل يكفي كي يكون فريق من الفرقاء وطنياً ـ وقومياً ـ أن يكون واعياً فقط لأبعاد المشروع الأميركي الجاري تنفيذه حرباً على المنطقة؟ هل يكفي كي يكون طرفاً وطنياً ـ وقومياً ـ أن يشهر عداءه للمشروع الأميركي؟ وهل يكفي كي يكون وطنياً ـ وقومياً ـ أن يدرك الاندفاعة التي يمنحها المشروع الأميركي للمشروع الصهيوني؟ وهل يكفي أن يتحدّث عن الفارق بين المقاومة والإرهاب؟ وأن "يفضح" أميركا وإسرائيل؟. وهل تقتصر الوطنية ـ والقومية ـ على الإعراب عن التضامن مع العراق وفلسطين وسوريا؟ وهل يكون وطنياً فقط عندما يطلق مواقف تعكس موقعه (الطرف أو الفريق) ممّا يجري من حوله؟ وهل يكون فريق ما وطنياً فقط عندما يكتفي بـ"التبشير" بأن تناقضات المشروع الأميركي ستقوده الى الغرق في الوحول أو عندما يكتفي بالرهان على دماء فلسطين والعراق لتصنع الفشل الأميركي (والإسرائيلي)؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحت في الأوساط السياسية، وكان من الطبيعي أن تفضي الإجابة عنها الى مجموعة من المعايير لتحديد من هو الوطني اللبناني "اليوم"، خصوصاً بعد انطلاق المشروع الأميركي الجذري من عقاله منذ الحادي عشر من أيلول 2001. وفي هذا المجال "يقترح" عدد من المشاركين في المناقشات الدائرة ضمن الأوساط السياسية مجموعة من المعايير على النحو الآتي:
المعايير المقترحة
أولاً ـ أن الوطنيّ هو بداية من يرى ان انتسابه وانتساب وطنه الى الأمّة العربية، يجعلانه ووطنه في موقع متناقض مع المشروع الأميركي (والإسرائيلي) المستهدف للأمّة وكياناتها بأخطار شتّى.
ثانياً ـ أن الوطنيّ هو الذي لا يعتبر ان "مصائب قوم عند قوم فوائد"، أي الذي لا يمكن له في أي حال من الأحوال أن يظن ان ما يجري من حوله يمكن أن "يوفّره" أو انه بعيد عنه.
ثالثاً ـ والوطني هو الذي لا يقبل أن يضع نفسه في أي لحظة في موقع التحالف مع المشروع الأميركي ضدّ اشقائه العرب، ويرفض أن يراهن على الولايات المتحدة أو إسرائيل لتقوما بعملية "تاريخية" ضدّ العرب والمسلمين.
رابعاً ـ والوطني هو الذي اكتسب من التجربة اللبنانية دروساً ثمينة، منها ان المراهنة على الخارج خطيئة وان رفض تحمّل أي قسط في دفع ما يجري في المنطقة استحالة، وأن الخيار في أي اتجاه من الاتجاهات لا يحدّده فريق بذاته.
خامساً ـ والوطني هو الذي لايتقوقع في بيئته وينفصل عن البيئات الأخرى، أي من هو مقتنع تماماً بأن الوطن للجميع، فيتواصل مع شتى البيئات، هو من يدق أبواب التفاهم مع الآخر، ومن يحاول تحصين الداخل اللبناني مدخلاً الى صدّ آثار ما يجري من حوله ما أمكن.
سادساً ـ والوطني هو الذي من موقع العلاقة الاستراتيجية بسوريا وتعزيزاً لها، يبدو مستعداً لاطلاق مسار سياسي توافقي تسووي بالعلاقة مع الآخر، لا أن يكتفي بتسجيل مواقف أياً تكن أهميتها.
سابعاً ـ والوطني هو الذي في السلطة أو المعارضة أو في أي موقع كان من الاجتماع اللبناني، يتطّلع الى حماية البلد الى أقصى حد ممكن والى تشكيل ضمانة لبنانية جامعة.
الرحابة في التحديد
وهنا يلفت المشتركون في النقاش الى أن المعايير الآنفة لـ"الوطنية" هي من الرحابة فضلاً عن الدقة، بحيث اذا جرى اعتمادها، لا يغدو "الفرز" انقساماً، وبحيث يمكن أن يتحول "الفرز" جمعاً لكل الوطنيين في طوائفهم، الذين وحدهم يستطيعون العبور بلبنان من مرحلة الى مرحلة. ويشيرون الى ان المعايير الآنفة ليست مخففة بهدف "إنجاح" أكبر عدد ممكن في "الامتحان"، بل هي معايير واقعية تصح منطلقاً لدينامية سياسية آن أوانها، عنوانها توفير أكبر قدر ممكن من الحماية للبنان في هذه المرحلة الخطيرة حيث تتقرر مصائر الأوضاع في المنطقة. ويعتبرون أن "الفرز" على أساس هذه المعايير كفيل عندئذ بالاّ يجعل خارجه الاّ قلة سياسية، ولا يطرح انقساماً طائفياً ـ سياسياً ـ وطنياً، وكفيل بأن يعزز قدرة الوطنيين في طوائفهم على التعاطي مع أي ظواهر تطرف في طوائفهم وبيئاتهم.
كأسان مُرّتان يمكن تجنّبهما
ويوضح المشتركون في المناقشات ان "ترييح" معايير الوطنية مما يفترض معه قيام دينامية تواصل ووفاق بين وطنيي كل الطوائف (أي ميثاقيو الطوائف والمعتدلون ضمنها)، من شأنه أن يجنّب لبنان كأسين مُرّتين:
أ ـ "الحل" الأمني: ففي ظل الوضع السياسي اللبناني الراهن حيث يبدو النظام السياسي منهاراً ومستعصياً على "التلجيس" وعاجزاً عن إدارة خلافاته، وحيث يبدو التواصل ممنوعاً ومعطلاً في كل الأحيان، وفي ظل الوضع القائم في المنطقة الذي يولّد تعاطفات متعارضة لا يضبطها توافق حقيقي، وفي ظل تأجيل متمادٍ للحياة السياسية أو تعليق الحياة السياسية على استحقاقات معينة ، من السهل في مثل هذه الأجواء أن يبدو البلد مضطرباً، ومن السهل أن يبدوالأمن بديلاً من السياسة عن حسن نية لدى البعض وعن سوء نية لدى البعض الآخر. ومن المعروف هنا بالتجربة، ان الأمن سياسي أولاً وأخيراً، أي أن الأمن يغطيه وفاق سياسي وألا لايعود الأمن حقيقياً.. أو أن الأمن يغدو إذ ذاك مغامرة بكل معنى الكلمة. واذا كان من السهل في مثل المشهد اللبناني الراهن، ان يظن البعض ان "الأمن هو البديل"، فليس أسهل في المقابل من أن يكون البديل "حال طوارئ" سياسية تشكل بديلاً من الاستنقاع السياسي الراهن الذي تعززه سلطة لا تفكر أبعد من بعض التفاصيل.
ب ـ الانقسام والتطرف: ففي ظل المعطيات نفسها المشار اليها آنفاً، أي في ظل التواصل الممنوع والمعطّل، كما في ظل الضربات السياسية المستهدفة أركان الاعتدال مسلمين ومسيحيين، من السهل تصور أن ينمو التطرف الكامن لدى كل الطوائف، الأمر الذي يعززه الانقسام السياسي. والحال ان في البلد متسعاً وافياً للتلاقي ولتمكين الوطنيين في طوائفهم من متطرفيها، ولاعادة تشكيل الحاضنة اللبنانية الذاتية ولاستعادة الداخل اللبناني الى سياق طبيعي تدريجياً، وكسر الحواجز التي تضعها السلطة بين الفرقاء لتفرض نفسها معبراً وحيداً في الوقت الذي يمتنع هذا المعبر عن دوره الرئيسي في الوصل بين الجميع.
الديناميّة السياسّية
ويصل المناقشون ضمن الأوساط السياسية من ذلك كله الى استنتاج رئيسي وهو ان خطورة الأوضاع حول لبنان باتت ترتّب انطلاق حركة سياسية ينفتح فيها التواصل بين الفرقاء الممثلين لبيئاتهم والذين تتوافر فيهم المعايير المحدّدة لـ"الوطنية"، وهم موجودون وحاضرون، بهدف تشكيل صمّام أمان لبناني يضاف الى العلاقة اللبنانية ـ السورية، صمّام يستطيع بتفاهم قواه أن يجنّب لبنان ما أمكنه من أخطار وأن يحمّل لبنان في المقابل قسطه من مواجهة الأخطار، وأن يُفهم أميركا وإسرائيل ان لبنان قادر على الانتقال الى التماسك السياسي وأن لا مجال لأي تلاعب فيه، وان لبنان المتضامن مع نفسه هو القادر على التضامن مع سوريا ومع دماء الفلسطينيين والعراقيين. وتختم بالتشديد على ان مرونة معايير الوطنية المطروحة ليست سوى نتيجة استفادة من التجربة اللبنانية، حيث "الحدود القصوى" شكّلت دائماً أقصر الطرق الى التأزّم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.