من نافل القول ان الوضع الاقليمي بالغ الخطورة في ظل تقاطع تصعيدين متوازيين: التصعيد الأميركي في العراق والتصعيد الاسرائيلي في فلسطين، وان هذين التصعيدين يخلقان معطيات لم يسبق أن كانت على قدر من "الجذرية" كما هي اليوم.
فلسطينياً أولاً، ما من شك في أن جريمة اغتيال قائد "حماس" في غزة عبد العزيز الرنتيسي التي يفصلها عن جريمة اغتيال مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين أقل من شهر، انما تحصل في سياق دعم أميركي لـ"خطة" رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون لفك الارتباط مع قطاع غزة، بالتوازي مع إسقاط الولايات المتحدة واسرائيل لخط الرابع من حزيران 1967، ولحق عودة اللاجئين الفلسطينيين. وبكلام آخر، ان أميركا المصعّدة في العراق، ترعى تصعيداً اسرائيلياً في فلسطين يسقط بشكل دراماتيكي "التسوية" التي كانت مفترضة في يوم من الأيام والمؤسسة على مشروع دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، لا بل يسقط الكلام الأميركي عن دولة فلسطينية في الفترة ما بين الحرب في افغانستان والحرب على العراق، ليبدو من خلال ذلك كله ان واشنطن كلما أوغلت في العراق، رعت التصعيد ضد الفلسطينيين وليس العكس.
وفي نظر المراقبين الجديين، ان استهداف اسرائيل لقادة "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى، بأفق الانسحاب من القطاع وقد دمرت المقاومة فيه، أدى الى تجذير الوضع الفلسطيني عبر التوحد الظاهر سلطة وفصائل بحيث يتساوى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس وزرائه أحمد قريع مع قادة "حماس" في الجذرية التي تفرضها جذرية "المشروع الاسرائيلي".
"حزب الله".. وعراقية الانتفاضة
وفي الانتقال الى المسألة العراقية، لا تبدو الصورة مختلفة، خاصة إذا ما أضيف ما يجري في فلسطين الى العوامل المفجرة للوضع العراقي.
في قراءته للوضع في العراق، يعدّد مسؤول العلاقات الدولية في "حزب الله" السيد نواف الموسوي مجموعة من العوامل المؤثرة في مجرى الأحداث في بلاد الرافدين، يضيفها جميعاً الى نقطة انطلاق بديهية: المزاج الشعبي العراقي الرافض للاحتلال الاجنبي.
1 ـ القاء القبض على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، شكّل من وجهة نظر الموسوي مفصلاً في انتقال شيعة العراق خصوصاً من "الانتظار" الى "الانتفاضة" التي تمثل وجهاً رئيسياً من وجوه "المقاومة". ذلك ان الشيعة العراقيين المكتوين بتجربة العام 1991 عندما تواطأ الأميركان مع صدام على قمعهم، كانوا لا يزالون "خائفين" من تكرار لجوء واشنطن الى صدام قبل القاء القبض عليه.
2 ـ انتقال القوى الشيعية في مجلس الحكم العراقي من إحباط الى إحباط كما يقول الموسوي، سواء بسبب رفض واشنطن انتاج محطة الثلاثين من حزيران المقبل عبر الانتخابات أو بسبب القانون المؤقت لادارة الدولة الذي يضرب الهوية العربية للعراق الموحد، وعجز ممثلي هذه القوى الشيعية في مجلس الحكم تالياً عن "التماثل" مع "الشارع".
3 ـ غضب المرجعية الدينية ممثلة بالسيد علي السيستاني بسبب إحباط أميركا مشروع الانتقال العراقي من الاحتلال الى السلطة المنتخبة الشرعية، واصرار واشنطن على إنتاج السلطة بالتعيين.
4 ـ وفي تقدير المسؤول في "حزب الله" ان التصعيدين، الأميركي في العراق والاسرائيلي في فلسطين، شكلا عاملاً شديد الأهمية في الدفع باتجاه الانتفاضة والمقاومة في العراق، وان اغتيال اسرائيل للشيخ أحمد ياسين مثّل مفصلاً في هذا السياق.
5 ـ ويعتبر الموسوي أن مجموع العوامل الآنفة، أثرت في المزاج الشعبي العام في العراق، لا سيما على مستوى "الشارع الشيعي"، وان ميزة السيد مقتدى الصدر أنه "التقط" نبض هذا الشارع الرافض للاحتلال من جهة والرافض لمحاولات الفتنة المذهبية والعرقية من جهة أخرى... وذلك بصرف النظر عن مدى صوابية إعلان الصدر أنه يمثل ذراعاً لـ"حزب الله" و"حماس" في العراق.
6 ـ ومع ان مسؤول العلاقات الدولية في "حزب الله" يلفت الى ان ما يجري في فلسطين من تصعيد اسرائيلي بلغ الذروة يشكل عاملاً مؤججاً للانتفاضة العراقية، فأنه يشدد على أنه لا يجوز في أي حال من الأحوال إنكار "عراقية" الانتفاضة اي أسبابها العراقية وأبعادها الوطنية، مصراً على أن المشاركين في هذه الانتفاضة عراقيون غاضبون، وحّدت سياسة الاحتلال الجذرية في ما بينهم من كل الطوائف والمذاهب. والى ذلك يضيف ان الصدر الذي أعلن أنه "ذراع ضاربة للسيد السيستاني"، يقود حركة تعكس حراكاً شيعياً داخلياً، وهي في البدايات، وبغض النظر عما يكون أن تؤول اليه حركة الصدر في المباشر، فانها وضعت شيعة العراق ضمن مسار مواجهة الاحتلال كما يقول الموسوي.
الجذرية الأميركية ـ الاسرائيلية والجذرية المقابلة
وهنا يعود المراقبون الجديون الى الكلام، فيقولون ان جذرية السياسة الاسرائيلية في فلسطين وحّدت على نحو غير مسبوق الفلسطينيين سلطة وفصائل، حتى بات ما يجري هناك عاملاً مؤثراً في المجال العربي ابتداء من فلسطين، ويضيفون ان جذرية أميركا في العراق حيث يلاحظ ان واشنطن هي من يصعد الشروط للتعجيز وتصعيب الانفراج، وحّدت سنة العراق وشيعته، حتى بات ما يجري هناك عاملاً مؤثراً في الوضع العربي. ويتوقعون في هذا السياق أن يكون التصعيد الاسرائيلي حيال "حزب الله" المتمثل في التهديد المباشر بتصفية أمينه العام السيد حسن نصر الله سبباً في "تجذير" ممارسة الحزب، سواء بعلاقته بفلسطين أو بعلاقته بالعراق. ويستشهدون على ذلك بما أعلنه نصر الله قبل نحو اسبوعين من أن "الحزب في تصرف حماس"، ليستنتجوا ان الاستهداف الاسرائيلي ـ والأميركي ـ الشامل لا يترك مجالاً لغير "الجمع" (عكس الفرز).
غير أن المراقبين الذين يحللون ما يجري في فلسطين وآخره اغتيال الدكتورالرنتيسي، وما يجري في العراق وآخره إفشال أميركا كل مساعي "تسوية" المشكلة مع الصدر واستعدادها لهجوم عسكري على المناطق الدينية الشيعية، يعتبرون ان ثمة تصعيدين متوازيين لا يقفان عند حدود فلسطين والعراق.
سوريا وايران
فالضغط الأميركي على سوريا وايران، من شأنه أن ينقل الوضع الاقليمي الى مزيد من "الراديكالية"، كما يرى المراقبون أنفسهم. ويوضحون ان التصعيد الاسرائيلي في فلسطين أدى ويؤدي الى توحيد الفلسطينيين والى تشديد العلاقة بين الفلسطينيين و"حزب الله" مترجمة بصيغ مختلفة والى "استنفار" سوريا وايران، وان التصعيد الأميركي في العراق أدى ويؤدي الى اطلاق مسار انتفاضة عراقية والى "استنفار" الدول والجهات نفسها، وان التصعيدين يستفزان قوى عربية واسلامية اقليمية: مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا. ويلفت المراقبون الى أن أحد الخيارات الأميركية سيكون طلب المساعدة من سوريا وايران في العراق، لكن هذا الخيار لن يكون جدياً مع إدارة الرئيس جورج بوش، وان تلك "الجذرية" الناجمة عن تصعيدين أميركي واسرائيلي قد تقود المنطقة خلال الأسابيع المقبلة الى درجة أعلى من التوتر و"العنف".
وإذ يذكّر المراقبون بأن اغتيال الشيخ أحمد ياسين ولّد "تجذيراً" في موقف "حزب الله" وممارسته، وترك أثراً في العراق، يتوقعون أن يشعل اغتيال القيادي في "حماس" عبد العزيز الرنتيسي مزيداً من "العنف"، وأن تجتمع القمة العربية ـ اذا اجتمعت ـ في سياق راديكالي خطير خارجها، لأن مصر المرشحة للعب دور في قطاع غزة بعد فك الارتباط الاسرائيلي به، ستجد نفسها محرجة، وسيجد الوضع العربي نفسه عبر القمة أمام خيارات سياسية تضيق أكثر فأكثر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.