مع أن الوقت الذي يفصل عن موعد الانتخابات البلدية لا يتجاوز ثلاثة أسابيع ما يعني ان هذا الاستحقاق بات داهماً، فإن الأنظار متّجهة الى الأحداث الجارية في العراق بالدرجة الأولى نظراً الى ما تنطوي عليه من دلالات وأبعاد، وما يمكن أن تتمخّض عنها من نتائج. ومن الطبيعي ازاء البروز اللافت للعامل الشيعي في العراق، أن تكون القوى الشيعية في لبنان الأكثر اهتماماً من بين القوى السياسية بما يدور في بلاد الرافدين.
في هذا الإطار، يعتبر رئيس مجلس النواب نبيه برّي ان تصرّف الولايات المتحدة سواء في العراق أو في المنطقة العربية ككل، يدلّ على انها وبعد سنة على احتلالها العراق لم تكن على وعي بما عليها مواجهته في هذا البلد العربي، وانها ارتكبت أخطاء قاتلة. وإذ يرى أن لما جرى خلال الأيام الأخيرة سبباً عراقياً يتعلق بطريقة إدارة واشنطن للوضع في العراق حيث كان القانون الموقت لإدارة الدولة الذروة في هذا التعاطي الخاطئ الذي يبرز منه ان ما كسبته الإدارة الأميركية لا يتجاوز المنطقة الكردية، وإذ يقدّر أن ما جرى يتّصل الى حدّ كبير باستحقاق الثلاثين من حزيران المقبل، الموعد المقرّر أصلاً لنقل السيادة الى العراقيين، لا يتردّد الرئيس برّي في إعطاء بعد عربي ـ إقليمي للتطوّرات العراقية الأخيرة.
وفي هذا السياق، يسأل: هل كانت أميركا تتوقّع عدم ذهاب الوضع العراقي الى مزيد من الانفجار على الرغم ممّا يحصل في فلسطين، وعلى الرغم من الضغوط التي تسلّطها واشنطن على سوريا وإيران؟ ويجيب بلا تردّد ايضاً ان عدم توقّع هذا الاحتمال يشكّل برهاناً على "حمق سياسي" لافت للانتباه. ومع ان برّي يبدو مقتنعاً بأن ثمة "يداً إيرانية" داخل شيعة العراق، تسعى طهران بواسطتها الى موازنة الضغوط الأميركية عليها في ما يتعلق بملف السلاح النووي، والدليل على ذلك ما قاله الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في خطبته يوم الجمعة الفائت، فإن رئيس المجلس يعرب عن اعتقاده ان التطوّرات في ظل الحرب الأميركية على العراق، أتت بتحوّل "جوهري" يمكن القول انه يمثّل سلاحاً ذا حدّين.
الدولةُ الكبرى دولةٌ إقليمية
ففي تقديره ان الولايات المتحدة، الدولة الكبرى، تحوّلت مع الحرب الى دولة إقليمية عملياً، إذ باتت موجودة في قلب المنطقة. وإذا كان وجود أميركا قريبة في المنطقة يمثّل في وجه منه سلاحاً في يدها "ضدّ" المنطقة، فإن ذلك في المقابل يجعلها في "متناول اليد" وهذا سلاح ضدّها.
بكلام آخر، يعتقد الرئيس برّي ان هذا التحوّل في وضعيّة الولايات المتحدة الى دولة إقليمية بالمعنى المشار اليه، عامل يمكن أن يحسب ضدّ أميركا، يضاف الى حقيقة ان الرئيس الأميركي جورج بوش بدأ منذ مدّة يخسر انتخابات الرئاسة في بلاده يومياً، وهو الذي خسر منذ عام وحتى اليوم نصف مؤيديه تقريباً، كما يضاف الى اضطرار واشنطن الى أخذ الوقائع الاقليمية والدولية في الاعتبار عاجلاً أم آجلاً، إذ لا يمكن الاستمرار في تجاهل القوى العربية والاسلامية الاقليمية الرئيسية، سوريا وايران وتركيا وغيرها فضلاً عن أوروبا والأمم المتحدة. وإذا كان يمكن القول ان المعطيات الآنفة إيجابية "ضد" أميركا، فان الثغرة الرئيسية "عندنا" تتمثل في "تعليق" النظام العربي. ولذلك يشدد بري على وجوب انعقاد القمة العربية في أي مكان انقاذاً لموقف عربي لا بد منه في سبيل التأثير في مجرى التطورات، ومن أجل اكتمال العوامل التي من شأنها "تطويق" الادارة الأميركية ودفعها في اتجاه معاكس لما تقوم به حالياً، وان كان بري لا يخدع نفسه والآخرين بافتراض ان ثمة افقاً سياسياً مفتوحاً في المنطقة مع الادارة الحالية وبوجود ارييل شارون في الحكم في اسرائيل، لكن "الممكن" هو تشكيل العوامل التي يمكنها "قطع" المسار الراهن المحدّد أميركياً للأحداث.
في هذه الأجواء، لا بل بالرغم منها، لا يرى رئيس المجلس انعكاسات سلبية على الوضع في لبنان، لا سيما في مجال الأمن الوطني ـ السياسي. ويعزو ذلك الى سببين: الأول هو أن ثمة وعياً لبنانياً عالياً للتجربة المريرة مع أمن وطني مضطرب ما يجعل اللبنانيين على اختلاف توجهاتهم متمسكين بأمنهم رافضين أي إخلال به، والثاني هو ان أمن لبنان من أمن سوريا، الأمر الذي يجعل ثمة قوة مضافة الى الأمن اللبناني الذي هو "أمن بأمنين" كما يقول الرئيس بري، مقللاً من وجود أي فرصة لأصوليات متطرفة نائمة أو لمعارضات متطرفة يمكن أن تفكر بالاخلال بالأمن.
"أؤيد تركيز صفير على وحدة البيت"
وينتهز بري المناسبة ليشيد بالبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي أتّسم خطابه منذ أكثر من عام وحتى اليوم ليس فقط بالحكمة والاعتدال أو بقراءة دقيقة للمخاطر التي تواجهها المنطقة، بل بالتشديد على وحدة البيت اللبناني الداخلي، و"أنا أجد نفسي قريباً منه في ذلك لأن وحدتنا أهم سلاح في يدنا خاصة في مثل هذه الظروف". وإذ يبدي بري إعجابه بـ "العربية الفصحى المتماسكة" التي يكتب بها البطريرك ويتكلمها الى "جانب الفرنسية المتقنة"، يقدر أنه على الرغم من انقطاع الصلة المباشرة بينه وبين سيد بكركي منذ آخر زيارة له الى الصرح البطريركي في تشرين الثاني 2000، تقوم "علاقة ثقة وصدق" بينه وبين البطريرك ومجمل البيئة المسيحية، ذلك "انني لم أقل لهم شيئاً لم يحصل بالفعل ولم أعدهم بشيء لا يحصل أيضاً وأتعامل مع المسيحيين بوصفهم مكوّناً رئيسياً للبنان".
وفي وقت لا يستبعد بالمطلق أن تنحوَ العلاقة السورية ـ الأميركية لا سيما بعد التطورات العراقية الأخيرة باتجاه "البرود" (عكس مزيد من التوتر)، يحرصُ الرئيس بري على تأكيد ان ما يقلقه في الوضع اللبناني يتعلّق بالأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية التي تزداد خطورتها وحدّتها في ظل الأزمة السياسية، على قاعدة تأثير "السياسي" على الاقتصادي والاجتماعي". لكنه مع ذلك لا يرى أفقاً للمعالجة خلال الأشهر الستة المقبلة على الرغم من دعوته المتكررة الى تحييد المسألة المالية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية عن الاستحقاق الرئاسي. ويقول أن "ليس ما يطمئن الى توقف التجاذبات السياسية بل على العكس".
البلديات
وإذ يفكر في "ملء الفراغ" الناجم عن تناقضات الوضع السياسي، بالدعوة الى جلسة تشريعية لم يحدد موعداً لها بعد، وإن كان "يحتمل" الدعوة اليها في شهر ايار المقبل بين محطتين انتخابيتين بلديتين، فانه مع ذلك "يحتمل" أيضاً عدم حصول الجلسة في أيار اذا كان النواب منصرفين الى معاركهم البلدية.
غير ان الرئيس بري "المرتاح" الى سير "المعارك" الانتخابية البلدية في الجنوب، حيث أعطى توجيهاته الى حركة "أمل" انطلاقاً من التفاهم الموقّع مع "حزب الله"، برفض ان يكون أي عضو في الحركة رئيساً لأي بلدية، وبـ"الاندماج" في ما تتفق عليه العائلات، وحيث يؤكد ان الانتخابات البلدية ليست بالنسبة اليه محطة لاستعراض القوة والفرز... فإن برّي في المقابل لا يزال يرفض الإفصاح عن موقفه من الاستحقاق الرئاسي. لكنه إذ يُسأل: هل يمكن السير في الاستحقاق الرئاسي من دون الوقوف على رأي البطريرك مثلاً؟، يجيب "لا يستدرجنني أحد، ولا يستخلصنّ أحد ما يريد، علماً ان البطريركية تنظر تاريخياً الى رئاسة الجمهورية بشكل مختلف عن سائر المواقع كما انها تاريخياً تعطي رأيها في الرئاسة".
جنبلاط
وينفي أن يكون اللقاء الأخير بينه وبين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في سياق تموضعات معينة، فجنبلاط "رغب في زيارتي وقال خلال اللقاء اننا دائماً كنّا نلتقي في الملمّات وبما أن ثمّة وضعاً دقيقاً في المنطقة يمكن للبعض هنا أن يستغله فإن التعاون ضروري بيننا". وقد "رحّب" برّي بهذه الزيارة، ولسان حاله بعد زيارته الأخيرة الى دمشق قبل أكثر من شهر، أن موقعه المتعزّز يفترض انفتاح العلاقات مع سائر الفاعليات الداخلية الرئيسية، وبهذا المعنى فإن "الوصل" مع جنبلاط الذي بادر اليه الأخير، لا يشذّ عن سياق العلاقات المفتوحة مع الجميع.
ويختم برّي بتأكيد ان لبنان منذ العام 1948 كان في دائرة العواصف، وهذا ليس أمراً جديداً "في المبدأ" وإن كانت المنطقة تواجه اليوم هجمة شرسة استثنائية، لكنّ الوعي لدى أكثرية اللبنانيين أكبر اليوم من أي مرحلة سابقة، وهذه "نقطة ضوء" مهمّة في المشهد السياسي اللبناني.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.