8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك لا يرى أولوية تعلو العيش المشترك.. و"البلدية" تلحق تحت هذا السقف

بعد مرور عام بالضبط على سقوط النظام العراقي السابق، لا تزال "المسألة العراقيّة" بكل أبعادها في صدارة الأولويّات والاهتمامات على غير صعيد. وكما قبل عام، عندما "استعظم" الحرب على العراق ودعا الى التحصّن من نتائجها، فإن البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير "يستعظم" ما يجري اليوم على أرض العراق، لا بل إن التطورات الأخيرة في بغداد والفلّوجة وفي وسط بلاد الرافدين وجنوبها، تؤرق سيّد بكركي.
الحرب "الفعلية" وأسباب خطورتها
ويشرح مقرّبون جداً منه أو بالأحرى شخصيّات من الدائرة الضيّقة التي تواكب تفكيره، أسباب هذا الأرق البطريركي على النحو الآتي:
أولاً ـ إن حرب العراق "الفعليّة" هي التي تدور رحاها اليوم، بينما الحرب "السابقة" العام الماضي لم تكن بمقياس مدى "فعليّتها" سوى حرب تسريع انهيار نظام كان سقوطه "يحتاج" الى فعل خارجي قوي. وبكلام آخر، فإن الحرب "السابقة" كانت المقدمة للحرب "الراهنة"، وأكثر من ذلك إذا كان يصحّ اعتبار حرب العام الماضي حرب إسقاط نظام صدام حسين، فإن حرب هذا العام ترسم الآثار الفعليّة على مستقبل المنطقة ككل.
ثانياً ـ إن الحرب الدائرة اليوم مفتوحة على احتمالات "تاريخية"، بمعنى أن نتائجها ستشكّل مفصلاً بكل معنى الكلمة. فإذا انتهت الحرب بهزيمة أميركية عسكرية ـ سياسية لكان ذلك حدثاً تاريخيّاً، وإذا انتهت الى "انتصار" أميركي لكان ذلك حدثاً تاريخيّاً أيضاً، وإذا لم تُحسم في هذا الاتجاه أو ذاك، فإن "الأزمة" ستكون مفتوحة في المنطقة.
ثالثاً ـ في هذا الإطار المحدّد، يقول المقرّبون جداً من البطريرك إنه إذ اعتبر أن الحرب "السّابقة" تمثّل بارتداداتها خطراً على لبنان، فإنه يعتبر الحرب الجارية اليوم خطراً داهماً على الوضع اللبناني برمّته. لماذا؟
لأن من "الطبيعي" أن يحصل تعاطف إسلامي مع سنّة العراق وشيعته حيال القمع الأميركي، ولا يستبعد أن يتحوّل التعاطف في فترة لاحقة وفي ظروف محدّدة تطرفاً على قاعدة ان بداية التطرّف تعاطف. ولأن من "الطبيعي" أو "الممكن" أن يحصل "تضامن" من "بعض" المسيحيين مع أميركا بأمل ما، فينقلب ذلك تطرّفاً مقابلاً. وأكثر من ذلك، يضيف المقرّبون من البطريرك، أن "شيئاً" لا يمنع أن يكون مِن تداعيات ما يحصل في العراق، دخول المنطقة ككلّ في دوامة من العنف لا ضمانة أن تبقى في "الإطار العراقي" خصوصاً إذا دخلت إسرائيل على الخطّ.
رابعاً ـ واذا كان ما تقدم يؤشر الى وضع "جديد"، فإن البطريرك والفريق السياسي الأكثر قرباً منه، يحذّران من رهانين خاطئين لا بل "قاتلين": الأول رهان على ما يدور في العراق للوصول الى ضرب سوريا في لبنان، وهو رهان موجود عند البعض، والثاني رهان في الاتجاه المعاكس على الجمود وكأن شيئاً لا يحصل. ويزداد منسوب الأرق البطريركي بعد كل ذلك، في ظل ما يسمّيه المقرّبون من بكركي أزمة "السلطة" التي تخلق حالاً من عدم الاستقرار، مما يمثّل خطراً كبيراً.
الأولويّة المفروضة.. و"البلديّة" في ظلّها
لهذه الأسباب مجتمعة "يستعظم" البطريرك ما يجري في العراق هذه الأيام، ويسلّط الضوء على مخاطره. والسؤال الذي يطرح نفسه في "مجلس" البطريرك هو الآتي: ما العمل من أجل إعادة اكتساب المناعة الداخلية. وما هو التحرّك الذي يفرض نفسه في هذه الأجواء الملبّدة؟.
وعن هذا السؤال يجيب الفريق السياسي الأكثر قرباً من سيّد بكركي بالقول إن تسليط الضوء على الأخطار الآتية من الوضع في العراق، يعني أول ما يعني تحوّل هذا الموضوع أولويّة سياسيّة، ولأن هذا الموضوع يمثل الخطر الأعظم، فإن الأولويّة العمليّة والحقيقيّة هي للعيش المشترك الإسلامي ـ المسيحي. هذا هو توجيه البطريرك، وهذا ما أكّد عليه بيان مجلس المطارنة الموارنة أوّل من أمس... أي أن وعي الخطر يحتّم وعي أولويّة العيش المشترك.
على خلفية هذا التوجه الذي لا تفريط فيه، يعتبر الفريق نفسه أن هذا العنوان يجب أن يحكم الأداء في الانتخابات البلدية المقبلة وأن يشكّل سقفاً لا مفرَّ من الالتزام به.
صحيح أن الانتخابات البلديّة في مثل هذه الظروف الإقليميّة الخطرة تنتقل تلقائيّاً الى مرتبة ثانية من الاهتمامات، علماً ان "الاخبار" تتزايد من مصادر "رسمية" عن عدم حصول الاستحقاق البلدي بالعلاقة مع الوضعين الخارجي والداخلي، لكن الصحيح قبل أي شيء هو أن تحصل الانتخابات تحت سقف العيش المشترك، بالصلة مع الأولويّة التي تفرضها "الرياح" العراقية. ويضيف الفريق السياسي نفسه أنه اذا كانت كل مناطق الاختلاط معنية بالتزام هذين التوجه والسقف، فإن العاصمة بيروت تمثّل العنوان الأبرز والمهمّ لتجسيد العيش المشترك وفكرته بالصيغ الملائمة.
"التشابك" اللبناني في العراق وآثاره
وفي الوقت الذي يكاد الفريق السياسي من الدائرة الضيّقة المقرّبة من البطريرك "يصرخ" تنبيهاً إلى أولويّة العيش المشترك، وليس بعيداً منه، يوافق سياسي عتيق جداً على ما يذهب اليه البطريرك لجهة ان الأحداث الجارية في العراق "مصيريّة" بكل المقاييس بقدر ما هي خطيرة بكل المقاييس أيضاً.
وهو إذ يقرأ في التطورات العراقية أبعاداً تتجاوز الإطار العراقي الداخلي، انطلاقاً من قناعته بأنّ ثمّة اشتباكاً إيرانياً ـ سورياً مع أميركا في العراق عبر وسائط عراقية، يبدي السياسي العتيق والمجرّب تخوّفه الكبير مما يسمّيه غياب لبنان أو "عدم وجود" لبنان وسط هذه التطوّرات، وهو تخوّف لا ينتمي الى الحاضر فقط بل الى المستقبل أيضاً، أي تخوّف من أن تأتي التطوّرات على "وجود" لبنان في حال استمرّ في "غيبوبة" سياسيّة، وفي حال استمرّ الانقطاع بين مكوّناته.
وما يزيده خشية وقلقاً وأرقاً، أنّ ثمّة "تداخلاً" أو "تشابكاً" لبنانياً ـ فلسطينياً ـ سورياً ـ إيرانياً في الأحداث العراقية الجارية، في ظل ما يُعلن من مواقف وما يقال في الإعلام عن تحالف بين "حزب الله" اللبناني و"حماس" الفلسطينية، بعد إعلان السيّد حسن نصر الله وضع الحزب في تصرّف الحركة من جهة وإعلان السيّد مقتدى الصدر أنّه يمثّل "حزب الله" و"حماس" في العراق من جهة ثانية.
وفي تقدير السياسي العتيق أن هذا "التشابك" اللبناني ـ الفلسطيني ـ السوري ـ الإيراني في العراق، يضيف الى المخاطر التي يراها البطريرك مخاطر أخرى. ذلك أن لبنان المعرّض إلى تأثيرات الحرب الدائرة اليوم في العراق، ولو من دون تدخّل منه، سيكون أكثر عرضة عندما "يتشابك" مع ما يجري بين الفلّوجة والنجف والبصرة والكوفة، من دون أن يكون له "رأي" أو "سياسة" محدّدة.
بينَ البطريرك والفريق السياسي المقرّب منه من ناحية، والسياسي المجرّب من ناحية ثانية، ثمّة تقاطع واضح على اعتبار أن الأولويّة بالفعل هي للعيش المشترك ولـ"سياسة" تحصّن وجود لبنان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00