8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط يبحث عن الشريك المسيحي المعتدل والشعبيّ.. و"الحكمة" عند فؤاد بطرس

خرج رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط من جامعة سيّدة اللويزة قبل أسبوع بالضبط بنوعٍ من "السوداوية"، وذلك بعد حوار لمدة ساعتين مع طلاّبها. كان كل شيء معدّاً لـ"المشكل": الدعوة موجهة من النادي "الفينيقي" في الجامعة، والطلاّب فيها من "التيّار العونيّ" و"القوّات" فقط، وهؤلاء "مستنفرون" لـ"مواجهة" الزعيم الاشتراكي الذي لا يزال بالنسبة الى العونيين يمثّل "خصماً" لدوداً، وبالنسبة الى "القوّات" يمثّل الخصم الذي تبدو مصالحته متعثّرة إن لم تكن مستحيلة.
في هذا الإطار، دار الحوار ـ المعركة. حافظ جنبلاط على أعصابه وهدوئه، لكنه خاض في حوار طرشان معهم. صدم وعيهم بمواقفه لكنهم في قسمهم الأكبر لم يقطعوا مع الماضي. وأزمة الثقة لم تجد سبيلها الى الانتهاء بين جنبلاط وهذين التيّارين، وبينه وبين قواعدهما. والأخطر أن من حاورهم ينتمون الى جيل الشباب، وأن فشل الحوار لا يعني إلا أن ثمة موروثاً يسحب نفسه من جيل الى جيل.
حافظ جنبلاط على هدوئه على الرغم من عدم بروز مشتركات، لكن الهدوء لم يعكس "برودة" من "يستوعب" الآخر بقدر ما عكس إحباطاً لديه.. إذ بدا له أن هذا الاستنفار الشبابي المسيحي أو هذا الانغلاق الشبابي المسيحي، ليس سوى مؤشر الى حال من الحرب الأهلية "الباردة"، وأن ثمة في البلاد صاعقاً انفجارياً.
"مشروع ليتنن"
استمرّ جنبلاط على هذه "السوداوية"، وازداد منسوبها بعد يومين. فيوم الجمعة الماضي قرأ رئيس "التقدمي" خبراً في الصحافة يفيد أن النائبة الأميركية اليانا روس ليتنن تعدّ مع مجموعة من النواب "مشروع قانون تحرير سوريا ولبنان" يرمي الى "تحرير لبنان من الاحتلال السوري" والى "تغيير النظام في سوريا". ويقول الخبر نفسه إن هذه النائبة التي تعمل جنباً الى جنب مع ما يسمّى "المجلس الأميركي ـ اللبناني للديموقراطية" ("التيّار الوطني الحرّ" في أميركا) تعلن أن "قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان" ليس "سوى بداية فقط"، وأن ثمة خطوة "عملية" تالية تتمثّل في إثارة "مسألة احتلال لبنان" في الأمم المتحدة.
ربط جنبلاط بين التوتر الشبابي المسيحي الذي صادفه في جامعة اللويزة وبين "مشروع ليتنن" الجديد، وهو العارف أكثر من غيره وقبل غيره أن الفتن في لبنان "تاريخياً"لا تتحرك إلا متى كان لها أفق خارجي. ازدادت "السوداوية"، وراح يسأل عن دور الاعتدال المسيحي. واعتبر أن سؤاله هذا مشروع تماماً عندما لا يزال "الشارع" المسيحي في "قبضة" تيّاري العماد ميشال عون و"القوّات"، ونفوذ الاعتدال لا يزال محدوداً جداً على المستوى الشعبي من وجهة نظره.
وأكثر ما أثار "غضب" جنبلاط، أنه لاحظ بالتزامن مع الانغلاق الشبابي المسيحي كما ظهرت صورته في جامعة اللويزة، أن ثمة تصعيداً في خطاب "لقاء قرنة شهوان" حيال "المسألة السورية" في لبنان وغيرها من المسائل، وكأن مزايدة تدور بين "القرنة" و"التيّار العونيّ" مع اقتراب مواعيد عدد من الاستحقاقات محلياً وإقليمياً، ممّا لا يبقي على مستوى الخطاب السياسي وتأثيره في الشارع أي مساحة لثنائية يمكن "الاعتماد" على أحد طرفيها. وإذا كان الزعيم الاشتراكي لا يتعاطى مع "لقاء القرنة" كإطار بل مع شخصيات ضمنه، فإنه "خاف" في ظل هذا المناخ من أن يغدو تأثير هذه الشخصيات معدوماً.
تأمّل
هذا "الجوّ" الذي عاشه جنبلاط ولم يعكسه علناً حتى الآن، كان موضع نقاش. والمهم أن "كلاماً" وصله من شخصيات في المعارضة المسيحية قريبة جداً من البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، خلاصته أن التواصل بينه وبين هذه الشخصيات لا يزال ضرورة، وأن ثمة مشتركات فعلاً بين جنبلاط والبطريرك، وأن "هذه" المعارضة بالذات قدّمت انطلاقاً من التزامها توجهات البطريرك، الدليل في إثر الدليل على أنها لا تراهن إلا على العمل المشترك الإسلامي ـ المسيحي... وأن لا داعي لـ"التوجّس" وإطلاق "حكم" شامل.. وأن المشترك الأساسي هو الطائف في النهاية، مع دعوة الى تعزيز الانفتاح على الفئات والشخصيات المسيحية المعارضة المستظلة ببكركي، لأن من شأن ذلك أن يعزّز نفوذ "التيّار الميثاقي الاعتدالي" وأن يحدث ثغرة في "الجدار العونيّ" بما يمكّن من مخاطبته ومخاطبة "رأيه العام". ولم يفت الشخصيات في المعارضة المسيحية التذكير بأن عدم أخذ "المعنيين" مواقف البطريرك في الاعتبار، يمثّل جزءاً رئيسياً من "المشكل" الذي ينظر جنبلاط فيه.
بطبيعة الحال، أخذ رئيس "التقدمي" فسحة من "التأمل" في ما سمعه، لتحديد "المجدي" ممّا يمكن فعله، مع تمسّكه بمواقفه الاستراتيجية المعروفة، رافضاً الدعوة الى "الانسحاب السوري" من لبنان في الظروف الإقليمية ـ الدولية، مجدّداً رأيه أن الحقيقي والممكن بحثه يتعلّق بـ"تنظيم" العلاقة اللبنانية ـ السورية وايجاد "صيغة" أكثر ملاءمة لها تراعي المصالح السورية الحيوية ومقتضيات تحسين الوضع السياسي اللبناني في آن.
"القوّات"
ولا يخفى أن الشخصيات في المعارضة المسيحية "تضمُر" في كلامها الى جنبلاط دعوته الى الانفتاح على "القوّات" التي تتوافر فيها شروط ثلاثة: الانطلاق من الطائف، سقف البطريرك، والنفوذ الشعبي. وفيما كان جنبلاط يؤثر عدم إعطاء موافقة على ذلك، أي يؤثر التريّث الى "الوقت المناسب"، ويفكّر في مجمل ما يشغل عقله السياسي لبنانياً وعربياً، أتى ردّ من "القوّات" على كلامه في جامعة اللويزة في شقّه المتعلّق بها وبقائدها سمير جعجع.
ربّما يكون هذا الردّ أزعج الزعيم الاشتراكي وربما لا. غير أن شخصيات معارضة تعتبر أن ما ورد في ردّ "القوّات" يدخل في الإجمال في باب "الدفاع" عن النفس، لكن الأساسي الايجابي فيه هو تأكيد هذا التيّار على التزامه "الهوية" المحدّدة للبنان في الطائف والدستور، وحرصه على "السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية وتحقيق المصالحة في إطار الحرص على العيش المشترك والاحترام المتبادل بين مختلف مكوّنات الشعب اللبناني"، أي أن "القوّات" لم تقطع "خطّ الرجعة" مع جنبلاط في معرض الردّ وتقدّم نفسها محاوراً.
فؤاد بطرس
على أي حال، وفيما تبدو العلاقة الجنبلاطية ـ المسيحية موضوعة في "غرفة العمليّات"، وفي مرحلة "الهواجس الطبيعيّة"، يستعيد عدد من المتابعين ما أعلنه الوزير السابق فؤاد بطرس من بكركي قبل أيام، وهو المعروف بـ"الحكمة" و"الاتزان".
قال الوزير بطرس ان ليس في لبنان ثوابت مشتركة، وإن ما يسمّى ثوابت هنا ليس ثوابت هناك، وإن الثابت الوحيد حتى الآن هو "أن بعضنا لا يقتل بعضنا الآخر". وقال بطرس أيضاً إن إعادة تعريف الثوابت يحتاج الى حوار لكن الحوار غير قائم وهو ممنوع.
إن "حكمة" فؤاد بطرس في تشخيصها للواقع الفعلي ترسم صورة قاتمة، وفي رأي المتابعين أن ما "يتفاعل" بين جنبلاط والبيئة المسيحية خير تأكيد على ما ذهب اليه "الحكيم" المتبقي للبنان، إذ كيف يعقل أن تكون كل هذه العناوين والشكوك قائمة ولا يكون حولها حوار.
ويضيف المتابعون أن الصورة المتشائمة جداً التي رسمها فؤاد بطرس، لا يمكن أن تنقلب الى عكسها إلا بالحوار المفضي الى تفاهمات رئيسية. بيد أن التجربة التاريخية في لبنان تفيد أن اللبنانيين لم يكن لهم موقف واحد أو رؤية واحدة في يوم من الأيام حيال منعطفات عربية ـ دولية مؤثرة في "وطنهم"، والسؤال بكلّ فجاجة هو الآتي: هل لا أملَ فعلاً في المحافظة على لبنان، ومَن ينبري لمهمة كسر الحلقة المفرغة وإطلاق "الحوار الممنوع" الذي تحدّث عنه بطرس؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00